الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن هذه العلوم مِنْ لغوية - نحوية، وبلاغية - وغيرها وإن كانت وسائل يستعان بها على فهم القرآن، والوقوف على أسرار بيانه، إلا أنه لا ينبغى أن تكون هى الشغل الشاغل عن الهداية العملية للقرآن، هذه التى سرت روحها فى الرعيل الأول، فتفجرت منها ينابيع العلم والمعارف، ودانت لهم الدنيا بأسرها.
…
فكيف إذا جاوز الأمر الوقوف على الوسائل إلى قضايا جانبية من القضايا الفلسفية، والأهواء الشخصية، فإنه عند ذلك يبعد كثيراً عن القصد ولا يحقق المطلوب (1) . أهـ
ثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:
…
لا تقف أهمية السيرة النبوية فى فهم القرآن الكريم فقط، بل تتعدى تلك الأهمية إلى السنة المطهرة.
…
فدراسة السيرة تفيدنا فى معرفة حقيقة الأوامر والنواهى فى السنة النبوية، فقد يرد الأمر أو النهى فى السنة النبوية، ولا نعلم هل هذا الأمر على الوجوب، أو على الإرشاد، أو هو منسوخ! ولا نعلم النهى أيضاً هل على التحريم، أو التنزيه، أو هو منسوخ! فتأتى السيرة العطرة لتبين لنا الحكم الدقيق فى المسألة.
أ- مثال الأمر: ما ورد فى الوضوء مما مسته النار:
…
فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضأوا مما مست النار"(2) وفى الباب عن أبى هريرة، وزيد بن ثابت (3) وغيرهم.
(1) ينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة 2/549 - 569، بحث الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم "أهمية السيرة فى تفسير القرآن".
(2)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الوضوء، باب الوضوء مما مست النار 2/278 رقم 353.
(3)
أخرجهما مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى 351، 352.
.. فالظاهر هنا من قوله صلى الله عليه وسلم: "توضأوا" أن الوضوء مما مسته النار واجب، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (1) ، ولكن ما ورد فى السيرة العطرة من فعله صلى الله عليه وسلم يبين حقيقة هذا الأمر، وأنه منسوخ على وجه، ومحمول على الاستحباب لا على الوجوب على وجه آخر؛ يدل على ذلك ما يلى:
عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى، ولم يتوضأ" (2) ونحوه عن عمرو بن أمية الضمرى رضى الله عنه (3) .
وعن ميمونة زوج النبى صلى الله عليه وسلم (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل عندها كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" (5) .
(1) منهم ابن عمر، وأبى طلحة، وأنس بن مالك، وأبى موسى الأشعرى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبى هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وأبى قلابة، والحسن البصرى، والزهرى.
(2)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار 2/280 رقم 354، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق 1/371 رقم 207.
(3)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم 355، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر فى السكين 6/119 رقم 2923.
(4)
لها ترجمة فى: أسد الغابة 7/262 رقم 7305، والاستيعاب 4/1914 رقم 4099، وتاريخ الصحابة ص247 رقم 1363، والرياض المستطابة ص313، 314.
(5)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار 2/2 رقم 356، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ 1/373 رقم 210.
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه (1) قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار"(2) وأصل هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه أن جابر بن عبد الله رضى الله عنه سأل عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمان النبى صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفَّنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلى ولا نتوضأ" (3) .
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 1/43 رقم 21، ومشاهير علماء الأمصار ص17 رقم 25، وأسد الغابة 1/492 رقم 647، والاستيعاب 1/219 رقم 290، والإصابة 2/45 رقم 1022.
(2)
أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار 1/49 رقم 192، والترمذى فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار 1/116، 117 رقم 80 هذا وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، كلام طيب يرد به على القائلين بأن ابن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، فراجعه إن شئت فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها والحديث أخرجه أيضاً: النسائى فى سننه الصغرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار 1/108 رقم 185، والبيهقى فى السنن الكبرى، باب ترك الوضوء مما مست النار 1/155 وابن خزيمة فى صحيحه 1/28 رقم 43، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) 3/416 رقم 1134، والطبرانى فى الأوسط 5/58، 59 رقم 4663.
(3)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب المنديل 9/492 رقم 5457.
وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة رضى الله عنه (1) قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل آخر أمره لحماً، ثم صلى، ولم يتوضأ" (2) .
وعلى ذلك جمهور الصحابة، ففى الموطأ روى موقوفاً، مفرقاً ومجمعاً عن أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعامر بن ربيعة العنزى، وابن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين – أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار" (3) .
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص30 رقم 93، والرياض المستطابة ص258، 259، وأسد الغابة 5/106 رقم 4768.
(2)
أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفيه يونس بن أبى خلده، قال فيه الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/252 لم أرى من ذكره. قلت: سكت عنه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل 9/238 رقم 1002، وأخرجه ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ من الحديث ص97 رقم 95، والحازمى فى الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ص160، والبيهقى فى السنن الكبرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار 1/156 وفى طريقهم أيضاً يونس بن أبى خلده. أهـ.
(3)
أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار 1/52، 53 أرقام 21 – 24، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة فى ترك الوضوء مما غيرت النار 1/161 رقم 489، والطبرانى فى مسند الشاميين بإسناد حسن كما قال الحافظ فى فتح البارى 1/371، 372 رقم 207.
4-
وروى أن أنس بن مالك رضى الله عنه قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة، وأبى بن كعب، فقرب لهما طعاماً قد مسته النار، فأكلوا منه. فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة، وأبى بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ (1) فقال أنس: ليتنى لم أفعل. وقام أبو طلحة، وأبى بن كعب، فصليا ولم يتوضآ" (2) .
…
ففى هذه الروايات ما يدل على أن الأمر فى قوله صلى الله عليه وسلم: "توضأوا مما مست النار" محمول على الاستحباب، لا على الوجوب، وهذا قول بعض العلماء الذين ذهبوا إلى الجمع بين الروايات (3) .
…
أما الجمهور من العلماء فعلى أن أحاديث الوضوء مما مست النار منسوخة برواية جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، وغيرها من الروايات السابقة المرفوعة والموقوفة (4) .
…
فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم حقيقة الأمر الوارد فى السنة النبوية، وأنه ليس مراداً، إذ هو محمول على الاستحباب على وجه الجمع بين الروايات – على رأى بعض العلماء – ومنسوخ على رأى الجمهور.
ب- ومثال النهى: ما ورد فى النهى عن الشرب قائماً:
(1) أى: أبا العراق استفدت هذا العلم، وتركت عمل أهل المدينة المتلقى عن النبى صلى الله عليه وسلم؟ ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ 1/78 رقم 55.
(2)
أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار 1/54 رقم 26.
(3)
ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ 1/77 رقم 53، والمنهاج شرح مسلم 2/280 رقم 354، وسبل السلام 1/108، وفقه السنة للشيخ سيد سابق 1/56.
(4)
ينظر: المصادر السابقة، مع نيل الأوطار 1/202، والمغنى لابن قدامه 1/187، والاعتبار للحازمى ص158.
.. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً: قال: قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث" (1) ونحوه عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة بزيادة "فمن نسي فليستقئ" (2) .
…
فالظاهر هنا من أن هذا النهى النبوى، أن الشرب من قيام حرام، ولاسيما بعد قوله فى رواية أبى هريرة السابقة "فمن نسى فليستقئ" فإن ذلك يدل على التشديد فى المنع، والمبالغة فى التحريم.
…
ولكن روى فى السيرة العطرة من فعله صلى الله عليه وسلم ما يبين حقيقة هذا النهى، وأنه ليس للتحريم:
فعن أبى عباس رضى الله عنهما قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب قائماً (3) .
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب كراهية الشرب قائماً 7/213 رقم 2024.
(2)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى 2025، 2026، وفى رواية عنه أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لرجل رآه يشرب قائماً:"قئ! قال: لم؟ قال: أتحب أن تشرب مع الهر؟ قال: لا. قال: فقد شرب معك شر منه الشيطان" أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الأشربة، باب من كره الشرب قائماً 2/162 رقم 2128، وأحمد فى مسنده 2/301، 283، والبزار، ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 5/79.
(3)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب الشرب من زمزم قائماً 7/214 رقم 2027، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً 10/84 رقم 5617، وكتاب الحج، باب ما جاء فى زمزم 3/576 رقم 1637.
وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أتى باب الرحبة (1) بماء فشرب قائماً. فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتمونى فعلت" (2) .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم، وفى البيت قربة معلقة فشرب من فيها وهو قائم، قال: فقطعت أم سليم فم القربة (3) فهو عندنا (4) .
وروى أن كبشة بنت ثابت الأنصارى – وهى أخت حسان بن ثابت رضى الله عنهما لما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغى بركة موضع فىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم" (5) .
(1) الرَحبة: بفتح الراء، والمهملة، والموحدة، المكان المتسع، ورحبة المسجد بالتحريك وهى ساحته والمراد رحبة للمكوفة بمنزلة رحبة المسجد، ينظر: القاموس المحيط 1/72، وفتح البارى 10/ 84 رقم 5615.
(2)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً 10/84 رقم 5615 عن النزال بن سبرة رضى الله عنه.
(3)
قطعها لفم القربة، فعلته لوجهين أحدهما: أن تصون موضعاً أصابه فم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يبتذل ويمسه كل أحد، والثانى: أن تحفظه للتبرك به والاستشفاء" قلت ما فعلته للوجهين معا. ينظر: المنهاج شرح مسلم 7/213 رقم 2023.
(4)
أخرجه أحمد فى مسنده 3/119، 6/431، والترمذى فى الشمائل المحمدية ص129 رقم 205 وأخرجه الدارمى مختصراً فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً 2/162 رقم 2124، وعزاه الهيثمى إلى أحمد والطبرانى وقال فيه البراء بن زيد ولم يضعفه أحد وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 5/79.
(5)
أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً 2/325 رقم 3423، والترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء فى الرخصة فى الشرب قائماً 4/270 رقم 1892 وقال: حديث حسن صحيح غريب.