الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه صلى الله عليه وسلم، محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره.
وقال سبحانه: {ثم إن علينا بيانه} (1) إنه وعد قاطع بأن بيان القرآن، سوف يتولاه الله تعالى، كما تولى {إن علينا جمعه وقرآنه} (2) على حد سواء، ولا معنى لهذا سوى أن يوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا البيان، بصورة ما من صور الوحي.
وقال عز وجل: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} (3) .
وقال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} (4) إن هاتين الآيتين تفيدان - أن الله تبارك وتعالى أنزل على رسوله شيئين: الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهى سنته صلى الله عليه وسلم.
السنة المطهرة إذن "وحى من الله تعالى" أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أنزل القرآن الكريم، سواء بسواء (5) بشهادة القرآن البينة، وهى أيضاً وحى بشهادة السنة نفسها، وإليك شواهد ذلك:
ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:
قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" وقد سبق قريباً بيان دلالته على أن السنة وحى.
(1) الآية 19 القيامة.
(2)
الآية 17 القيامة.
(3)
الآية 113 النساء.
(4)
الآية 231 البقرة.
(5)
وإن غايرت وحى القرآن الكريم بأمور إن شئت أنظرها فى: الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 4/331.
قوله صلى الله عليه وسلم: لما سئل فى عام جدب: سعر لنا يا رسول الله. قال: "لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله"(1) إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه صلى الله عليه وسلم، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به عز وجل. مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة"(2) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: "قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد (3) محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء"(4) .
(1) أخرجه الطبرانى فى الكبير بإسناد رجاله ثقات، سوى بكر بن سهل الدمياطى فإنه ضعفه النسائى، ووثقه غيره، كذا فى مجمع الزوائد 4/100 من حديث عبيد بن نضيلة، وللحديث شاهد عن أبى هريرة وأنس رضى الله عنهما أخرجهما أبو داود فى سننه كتاب البيوع، باب فى التسعير 3/272 رقمى 3450، 3451، وأحمد فى المسند 3/85 عن أبى سعيد الخدرى، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/99.
(2)
أخرجه أبو يعلى فى مسنده ضمن مسند أم سلمة 12/ 382 رقم 6949، وسكت عنه الهيثمى فى مجمع الزوائد 10/371. قلت: لكن أصل حديث الشفاعة فى الصحيحين وغيرهما أهـ.
(3)
أى أصحاب الغنى، والحظوظ الدنيوية، وإنما حبسوا للحساب. ينظر: النهاية 1/237.
(4)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء 9/62 رقم 2736، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب رقم 87 جـ9/209 رقم 5196، من حديث أسامة بن زيد رضى الله عنه.
إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه صلى الله عليه وسلم، كذا وكذا، يأتى تأكيداً لقوله تعالى:{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (1) .
فتأمل قوله تعالى: {بما أراك الله} وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال صلى الله عليه وسلم: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (2) .
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال:"ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن جبريل عليه السلام أتانى فأخبرنى أن فيها قذراً" وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما" (3) وهكذا يراقبه الوحي، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه.
(1) الآية 105 النساء.
(2)
سبق تخريجه ص255.
(3)
سبق تخريجه ص19.
وبالجملة: فالأحاديث التى قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه صلى الله عليه وسلم (1) والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحي من الله تعالى إليه؟ (2) .
والأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه صلى الله عليه وسلم (3) .
(1) ينظر: أمثلة على ذلك فى: دلائل النبوة لأبى نعيم 2/464 – 536، ودلائل النبوة للبيهقى 6/312،والخصائص الكبرى للسيوطى 2/168، ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.
(2)
ينظر: أمثلة على ذلك فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الخلق 6/330، وكتاب الأنبياء 6/416، وغير ذلك من المصادر السابقة.
(3)
ينظر: الطب فى السنة للدكتور محمد السنهورى فصل "القواعد الطبية العامة المستنبطة، ص154 – 196، وفصل "الطب الوقائى فى السنة" ص197، وفصل::"سبق السنة إلى مفاهيم طبية سبقت بها لعصر" ص197 – 250، وينظر: الإبداعات الطبية لرسول الإنسانية للأستاذ مختار سالم، والطب الوقائى فى الإسلام للعميد الصيدلى عمر محمود عبد الله، والطب النبوى فى العلم الحديث للدكتور محمود النسيمى.