المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف - رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

[عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى]

فهرس الكتاب

- ‌هذا الكتاب

- ‌مقدمة من الباحث

- ‌الإهداء

- ‌كلمة شكر وتقدير

- ‌المقدمة

- ‌خطة البحث:

- ‌منهجى فى البحث:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالعصمة

- ‌أولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً

- ‌أ- المعنى اللغوى:

- ‌ب- المعنى الشرعى:

- ‌ج- مواضع العصمة:

- ‌ثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:

- ‌ثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام

- ‌أولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم

- ‌ثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:

- ‌ثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً:

- ‌الباب الأول:عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه

- ‌المبحث الأول: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله

- ‌أ- عصمته صلى الله عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده:

- ‌ب- عصمته صلى الله عليه وسلم من الجهالات:

- ‌جـ- عصمته صلى الله عليه وسلم من التعرى

- ‌د- عصمته صلى الله عليه وسلم من أكل ما ذبح على النصب

- ‌هـ عصمته صلى الله عليه وسلم من الحلف بأسماء الأصنام

- ‌و عصمته صلى الله عليه وسلم من استلام الأصنام

- ‌ز- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم شق صدره الشريف:

- ‌ح- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم تكافؤ أخلاقه:

- ‌ط- من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم كمال عقله:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه

- ‌ المراد بعصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه هنا، عصمته من القتل

- ‌خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل:

- ‌ نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل

- ‌المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌{عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}

- ‌{ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض

- ‌{عبس وتولى. أن جاءه الأعمى

- ‌ وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه

- ‌{يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك

- ‌المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي

- ‌المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم

- ‌المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ

- ‌الباب الثانى: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ تمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته

- ‌أولاً: التعريف بالوحي:

- ‌أ- من حيث اللغة:

- ‌ب- معناه الشرعى:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌مجالات البلاغ الذى أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم:

- ‌أولاً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثانياً: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي

- ‌ثالثاً: من دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة:

- ‌الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها

- ‌المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى

- ‌ تمهيد

- ‌المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية

- ‌المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية

- ‌المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها

- ‌أولاً: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به

- ‌ثانياً: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها

- ‌ثالثاً: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة

- ‌رابعاً: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين

- ‌خامساً: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:

- ‌سادساً: سؤال بعضهم:

- ‌سابعاً: الرد على المثبتين للقصة:

- ‌معنى آية التمنى:

- ‌المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصرة على بلاغ القرآن فقط

- ‌المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له سنة نبوية

- ‌أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:

- ‌ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:

- ‌جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:

- ‌المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌أولاً: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول

- ‌ثانياً: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط

- ‌ثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌رابعاً: الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم:

- ‌المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك

- ‌الباب الثالث: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده ودفع الشبهات

- ‌الفصل الأول: عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌ المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاً: التعريف بالاجتهاد:

- ‌ثانياً: الحكمة فى اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌المبحث الثانى: دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثانياً: الأدلة من السنة النبوية على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده:

- ‌الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى

- ‌ ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده

- ‌الجواب:

- ‌ ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب

- ‌استحباب التأسى بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبلية

- ‌نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:

- ‌ هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى

- ‌الباب الرابع: عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات

- ‌ تمهيد

- ‌الفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتب السنة

- ‌ويجاب عن ما سبق بما يلى:

- ‌الفصل الثاني: شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى صلى الله عليه وسلم بامرأة من الأنصار" والرد عليها

- ‌الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى صلى الله عليه وسلم عند أم سليم وأم حرام

- ‌الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه فى ساعة واحدة

- ‌الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نسائه فى المحيض

- ‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف

- ‌الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة

- ‌الخاتمة

- ‌ أقترح وأوصى بما يلى:

- ‌أولاً: فهرس الآيات القرآنية

- ‌ثانياً: فهرس الأحاديث والآثار

- ‌ثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم

- ‌رابعاً: فهرس الأشعار

- ‌خامساً: فهرس البلدان والقبائل والفرق

- ‌ فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف

‌الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته صلى الله عليه وسلم لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف

"

والرد عليها

روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندى جاريتان تغنيان (1) بغناء بعاث (2) فاضطجع على الفراش (3) وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان (4) عند النبى صلى الله عليه وسلم! فأقبل عليه (5) فقال: دعهما. فلما غفل غمرتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب فيه السودان (6) بالدرق (7) والحراب، فإما سألت (8)

(1) زاد فى رواية مسلم: "تغنيان وتضربان" أى بالدف الذى لا جلاجل فيه.

(2)

أى: بما قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وبعاث: بضم الموحدة وبعدها مهملة اسم حصن للأوس، ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وكانت تلك الوقعة قبل الهجرة بثلاث سنين وهو المعتمد. ينظر: فتح البارى 2/511 رقم 949، والنهاية 1/138.

(3)

وفى رواية مسلم: "مسجى بثوبه" أى ملتف به.

(4)

بكسر الميم يعنى: الغناء أو الدف، لأن المزمارة أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذى له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التى يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهى، فقد تشغل القلب عن الذكر أهـ فتح البارى 2/512 رقم 949، والنهاية 2/282.

(5)

وفى رواية مسلم: "فكشف النبى صلى الله عليه وسلم" أى عن وجهه الشريف، حيث تقدم أنه صلى الله عليه وسلم، كان ملتفاً بثوبه أهـ.

(6)

هم أناس من الحبشة، كما جاء فى رواية مسلم: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتى. والحبشة يلعبون بحرابهم فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

(7)

جمع درقة، ويروى بالكاف عوض القاف، والمراد: يرقصون وفى أيديهم الحراب جمع حربة، وهى من آلات الحرب. ينظر: المنهاج شرح مسلم 3/454 رقم 892، والنهاية 2/107.

(8)

هذا تردد منها، هل كان أذن لها فى ذلك ابتداء منه، أو عن سؤال عنها، وهذا بناء على أن "سألت" بسكون اللام على أنه كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوى، وسيأتى تحقيق ذلك قريباً.

ص: 710

النبى صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامنى وراءه، خدى على خده، وهو يقول: دونكم يا بنى أرفدة (1) حتى إذا مللت قال: حسبك؟ (2) قلت: نعم. قال: فاذهبى" (3) .

هذا الحديث الذى يبين محاسن ومكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته. طعن فيه بعض أدعياء العلم بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلوكه، حيث أن الحديث فى نظرهم ينسب إليه صلى الله عليه وسلم، استماعه وفى عقر داره إلى الغوانى يتغنين، كما ينسب إليه فى نظرهم دعوته زوجته الشابة إلى مشاهدة حفلة راقصة فى المسجد

الخ.

يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: "إن رسول الله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث، وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالاً إلى اللهو فى المسجد بمحضر منه، وإن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية، لا يتسع للهو منها شئ، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} (4) .

(1) بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح، لقب للحبشة، وقيل اسم جنس لهم، والمعنى: عليكم بهذا اللعب الذى أنتم فيه أهـ المنهاج شرح مسلم 3/454 رقم 892.

(2)

استفهام بدليل قولها: "قلت نعم" تقديره حسبك أى: هل يكفيك هذا القدر؟ ينظر: المصدر السابق الأماكن السابقة نفسها.

(3)

أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد 2/510 رقم 949، 950، وباب سنة العيدين لأهل الإسلام برقم 952،ومسلم (بشرح= =النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه، فى أيام العيد 3/450 رقم 892.

(4)

الآية 5 الكهف. وينظر: أبو هريرة ص158، والمراجعات له أيضاً ص317.

ص: 711

.. ويقول هشام آل قطيط: "كيف يتسنى لأم المؤمنين، بعد وقوفها وراء النبى أن تضع خدها على خده؟ هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه كما يتشبث الأطفال بعنق الكبار فى لعبة الـ (......) ؟.

ولأن أم المؤمنين لم تتطرق لذلك، ولم نحضر المشهد، فالأفضل أن نقول: لا ندرى! وكيف للخليفة أبى بكر أن يمنع المغنيات فى بيت النبى وبحضوره والنبى ساكت لا يتكلم.

هل أن أبا بكر أفضل من النبى؟ وأى نبى هذا الذى يسكت وأحد أصحابه يمنع المغنيات؟ وأى نبى هذا الذى يدعوا زوجته الشابة إلى مشاهدة هذه الحفلة الراقصة فى المسجد والنظر إلى الأجانب، وتضع خدها على خده، ثم يقوم حتى تملى هى من المشاهدة؟ بالله عليكم ألا ينطبق على هذه الأحاديث قول الشاعر:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً

***

فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟ (1) .

ويجاب عن ما سبق بما يلى:

أولاً: الحديث صحيح سنداً ومتناً ولا يتعارض مع عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى سلوكه وهديه، بل فيه البيان العملى مع أهل بيته، لما هو مباح للأمة فى أيام العيد.

وهذا البيان فهمه أئمة السنة قديماً وحديثاً بما لا يتعارض مع عصمته صلى الله عليه وسلم، وتأمل مواضع إخراج هذا الحديث فى كتب السنة تجد صدق ما أقول؛ فالإمام البخارى أخرج الحديث فى عدة مواضع من صحيحه أولها كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، ثم كرره فى باب سنة العيدين لأهل الإسلام.

(1) حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين ص32 – 34، وينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى 1/18، والخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية لمحمد بن على الهاشمى ص12، وقراءة فى صحيح البخارى لأحمد صبحى منصور ص26، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص530.

ص: 712

.. وهو كما ترى صريح فى بيان أن حديث عائشة، يستفاد منه السنة والشرع لأهل الإسلام فى العيدين، من جواز اللعب واللهو والرقص والغناء، بما لا معصية فيه؛ وهذا ما تضمنه عنوان الباب الذى ذكر تحته الحديث من صحيح الإمام مسلم، فى كتاب العيدين.

ومن هنا صرح العلماء؛ بأن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين (1) وقولهم هذا مستفاد صراحة من هذا الحديث، على ما جاء فى رواية مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم:"دعهما يا أبا بكر فإنهما أيام عيد"(2) ففى ذلك تعليل الأمر بتركهما، بأنه يوم عيد، أى: هو وقت سرور. وهناك من العلماء من قاس على يوم العيد فى إظهار السرور، ما فى معناه كيوم العرس (3) والوليمة والعقيقة والختان، ويوم القدوم من السفر (4)

(1) ينظر: فتح البارى 2/514 رقمى 949، 950.

(2)

يراجع: تخريج حديثنا ص483.

(3)

فعن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبى مسعود الأنصارى فى عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم. فقالا: اجلس. إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، قد رخص لنا فى اللهو عند العرس" أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب النكاح، باب اللهو والغناء عند العرس 6/135 رقم 3383، والحاكم فى المستدرك 2/201 رقم 2751 وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى وينظر: حديث الربيع بنت معوذ فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب ضرب الدف فى النكاح والوليمة 9/109 رقم 5147، وحديث عائشة فى المصدر السابق، نفس الكتاب، باب النسوة اللاتى يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة رقم 5162.

(4)

ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس قال: لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة لعبت الحبشة لقدومه فرحاً بذلك، لعبوا بحرابهم" ولا شك أن يوم قدموه صلى الله عليه وسلم كان عندهم أعظم من يوم العيد. الحديث أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب النهى عن الغناء 4/281 رقم 4923، وفيه الحسن بن على بن راشد الواسطى شيخ أبى داود – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب 1/206 رقم 1262 وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.

ص: 713

وسائر أسباب الفرح، وهو كل ما يجوز به الفرح شرعاً (1) .

فمن أين نعرف مثل هذه الأحكام إلا من هذا الحديث وما فى معناه!.

ثانياً: ليس فى إنكار الصديق رضى الله عنه على عائشة رضى الله عنها، وما معها من الجوارى وبحضوره صلى الله عليه وسلم، إفتئات على رسول الله، بل هو أدب من أبى بكر ورعاية منه لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجلال لمنصبه، لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فى بيته صلى الله عليه وسلم، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبى صلى الله عليه وسلم، مستنداً بذلك إلى ما ظهر له، كما يحتمل أن يكون أبو بكر ظن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نام فخشى أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة، فأوضح له النبى صلى الله عليه وسلم الحال، وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أى يوم سرور شرعى، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر فى الأعراس ونحوها مما يجوز به الفرح شرعاً على ما سبق.

(1) ينظر: إحياء علوم الدين للغزالى 2/303، 304.

ص: 714

.. وبهذا يرتفع الإشكال أيضاً عن إنكار عمر بحضرته صلى الله عليه وسلم فى نفس القصة، على ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت:"رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يسترنى وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون فى المسجد، فزجرهم عمر (1) فقال النبى صلى الله عليه وسلم، دعهم. أمنا بنى أرفدة" يعنى من الأمن (2) يشير إلى أن المعنى: اتركهم من جهة إنا آمناهم أمناً.

فإنكار عمر هنا مبنى على أن الأصل تنزيه المساجد عن اللعب فيها بالحراب، فبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الجواز.

كما يحتمل أن يكون عمر لم يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم أنه رآهم، كما يحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته فى الدين ينكر خلاف الأولى، والجد فى الجملة أولى من اللعب المباح. وأما النبى صلى الله عليه وسلم، فكان بصدد بيان الجواز (3) .

ثالثاً: ليس فى الحديث ما يزعمه دعاة الفتنة من استماع رسول الله صلى الله عليه وسلم، للباطل من الغناء على لسان المغنيات بدلالة ما يلى:

(1) وفى رواية أبى هريرة: "فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، أى أهوى عمر إلى الحصى الصغار يرميهم بها.

(2)

أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلى ركعتين 2/550 رقمى 987، 988، وكتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب فى المسجد 1/653 رقم 454. ومن حديث أبى هريرة فى كتاب الجهاد، باب اللهو بالحراب ونحوها 6/109 رقم 2901، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه فى أيام العيد 3/452 رقم 893.

(3)

ينظر: فتح البارى 2/515 رقم 950، 6/109 رقم 2901، والمنهاج شرح مسلم 3/455 رقم 893.

ص: 715

ما ورد فى الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم، تسجى بثوبه، أى: التف به حتى غطى وجهه وأذنه، ففى ذلك إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضى أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذى أقره إذ لا يقر على باطل!.

كما أن فى إعراضه بتغطية وجهه وأذنه؛ بيان لكمال رأفته صلى الله عليه وسلم، وحلمه، وحسن خلقه، مع زوجته عائشة وصواحباتها، لئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن (1) .

وحتى على فرض استماعه صلى الله عليه وسلم، لغناء الجوارى، فالغناء هنا من نوع المباح وجاء على لسان ممن لم يتخذا الغناء عادة لهما. يدل على ذلك.

ما ورد فى الحديث من قول عائشة رضى الله عنها: "وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين"(2) ففى قولها: "وليستا بمغنيتين" معناه: ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجوارى على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت:"وليستا بمغنيتين" أى ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال، وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذى فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذى هو مجرد الإنشاد والترنم، وفعلوه بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم، وفى هذا كله إباحة (3) .

(1) ينظر: المصادر السابقة فى الأماكن نفسها.

(2)

يراجع: تخريج حديثنا ص483.

(3)

ينظر: المنهاج شرح مسلم 3/452 رمق 892، وفتح البارى 2/513 رقم 949.

ص: 716

فتأمل ما ورد فى الحديث: من أنه صلى الله عليه وسلم، تسجى بثوبه، واضطجع على الفراش وحول وجهه الشريف، وقول عائشة:"ليستا بمغنيتين" حيث نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، تحرزاً عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به.

تأمل ذلك جيداً يظهر لك بطلان ما زعمه أدعياء العلم، ودعاة الفتنة، فى حق أئمة السنة، وفى حق صاحبها صلى الله عليه وسلم، كما يظهر لك سوء فهمهم لحديثنا؟ وإلا فليأتوا لنا بما يخالف ما ورد فى الحديث؛ من أنه صلى الله عليه وسلم، لم يتسجى بثوبه، ولم يحول وجهه، واستمع إلى مغنيات معروفات بالغناء، وتغنين بعادة المغنيات، مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، لا مجرد جوارى لا يعرفن بالغناء، ولا هو عادة لهما، وكل ما فعلنه أن رفعن أصواتهن بإنشاد ما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة يوم بعاث؟!.

ص: 717

رابعاً: إن حديثنا يبين عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى سلوكه وهديه، ويبين ما كان عليه من الرأفة، والرحمة، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف مع أهل بيته امتثالاً لقوله تعالى:{وعاشروهن بالمعروف} (1) وخصوصاً إذا كان أهل بيته صغار السن كعائشة القائلة على ما جاء فى رواية مسلم فى ختام حديثنا "فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السن، حريصة على اللهو"(2) .

ولذا لما رأت بعض الحبشة يرقصن فى المسجد، والصبيان حولهم يشاهدون، التمست من رسول الله صلى الله عليه وسلم، النظر إليهم، فأذن لهى، على ما جاء فى رواية مسلم فى حديثنا:"قالت: للعابين، وددت أنى أراهم قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه. وهم يلعبون فى المسجد".

(1) جزء من الآية 19 النساء.

(2)

وفى الحديث عنها قالت: كنت ألعب بالبنات، فربما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصواحباتى عندى، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم فررن، فيقول صلى الله عليه وسلم: كما أنت، وكما أنتن" أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات 5/306 رقم 8947، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس 10/543 رقم 6130، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة 8/218 رقم 2440، وينظر: حديث مسابقته صلى الله عليه وسلم لعائشة فى السنن الكبرى للنسائى كتاب عشرة النساء، باب مسابقة الرجل زوجته 5/303 رقم 8942.

ص: 718

.. وتبين رواية النسائى فى سننه الكبرى، كيف تسنى لها بعد وقوفها وراء النبى صلى الله عليه وسلم، أن تضع خدها على خده، مع قصر قامتها إذ تقول:"لعبت الحبشة، فجئت من ورائه صلى الله عليه وسلم، فجعل يطأطئ ظهره، حتى أنظر"(1) .

وفى تلك الرواية رد على تساؤل هشام آل قطيط: هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه

الخ (2) كما جاء فى رواية للنسائى فى سننه الكبرى أيضاً أنها قالت: "دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لى: "يا حميراء! أتحبين أن تنظرى إليهم؟ " فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت ذقنى على عاتقه، فأسندت وجهى إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيباً، فقال صلى الله عليه وسلم: "حسبك" فقلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لى، ثم قال: "حسبك" فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالى حب النظر إليهم، ولكى أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى، ومكانى منه"(3) .

(1) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب 5/308 رقم 8955 وفى إسناده محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام كما قال الحافظ فى التقريب 2/119 رقم 6208 وبقية رجاله ثقات فالإسناد حسن لغيره – لأنه مقو برواية هذا الحديث فى الصحيحين.

(2)

يراجع: نص كلامه السابق ص484.

(3)

أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب 5/307 رقم 8951 وقال الحافظ فى فتح البارى 2/515 رقم 951 إسناده صحيح، ولم أرى فى حديث صحيح ذكر الحميراء إلا فى هذا أهـ قلت: صحت أحاديث أخرى ذكرها الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة تعليقاً على قول الإمام ابن قيم الجوزية "كل حديث فيه يا حميراء فهو كذب" أهـ ينظر: المنار المنيف ص60 رقم 89.

ص: 719

.. ففى تلك الرواية تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم، ابتدأها بالنظر إلى لعب الحبشة فى المسجد، ولا تعارض بينها، وبين رواية مسلم السابقة، فالجمع بينهما على ما سبق أنها التمست من رسول الله صلى الله عليه وسلم النظر إليهم، فأذن لها.

خامساً: إقرار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، ليس لمجرد اللعب، بل لم فيه من تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو.

واللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب؛ وإن كان لا يناسب بيوت الله فى زماننا – إلا أنه يستفاد من إقراره صلى الله عليه وسلم للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، أن لعب الصبيان فى المسجد يوم العيد ليس فيه انتهاك لحرمة بيوت الله، ولا يعارضه حديث:"جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم؛ ورفع اصواتكم وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها فى الجمع"(1) لضعفه (2) .

كما أن العلماء استفادوا من إقراره صلى الله عليه وسلم، جواز أى عمل فى المسجد يجمع بين منفعة الدين وأهله، لأن المسجد إنما وضع لأمر جماعة المسلمين (3) .

(1) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب المساجد، باب ما يكره فى المساجد 1/243 رقم 750 وفى إسناده أبو سعيد وهو محمد بن سعيد المصلوب، كذاب، وكذا فى سنده الحارب بن نبهان، ضعيف، كذا قال البوصيرى فى مصباح الزجاج 1/264 رقم 750، وأخرجه الطبرانى فى الكبير 8/156 رقم7601، وفيه العلاء بن كثير الليثى الشامى، وهو ضعيف، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/25، 26.

(2)

كما قال البوصيرى، والهيثمى، على ما سبق، وكذا ضعفه الحافظ فى فتح البارى 1/654 رقم 454 وينظر: تلخيص الحبير 4/456 رقم 2088، والمقاصد الحسنة للسخاوى ص175 رقم 372.

(3)

ينظر: فتح البارى 1/456 رقم 454، والمنهاج شرح مسلم 3/453 رقم 892.

ص: 720

سادساً: إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لزوجته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، النظر إلى لعب الحبشة، فيه بيان لحسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة، وعظيم محلها عنده صلى الله عليه وسلم، وليس فى نظرها إلى لعب الحبشة، ما يتعارض مع احتجابها من النظر إلى الأجانب، لأنه ليس فى الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته فى الحال.

ومن هنا استفاد العلماء من ذلك، إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب واللهو المباح، إذ المكروه فى حق النساء النظر إلى محاسن الرجال، والاستلذاذ بذلك (1) .

وبعد:

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عصمه ربه فى سلوكه وهديه، وجعله قدوة لأمته، ومبيناً لما أنزل عليه من آيات الله البينات وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذا البيان قولاً وعملاً على أكمل وجه.

فكان حديثنا بياناً عملياً لقول رب العزة: {وعاشروهن بالمعروف} (2) وبياناً عملياً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله"(3) وقوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى"(4) .

(1) ينظر: المنهاج شرح مسلم 3/453 رقم 892، وفتح البارى 2/516 رقم 950.

(2)

جزء من الآية 19 النساء.

(3)

سبق تخريجه ص465.

(4)

سبق تخريجه ص466.

ص: 721

.. حيث بين حديثنا للأمة أن حسن الخلق فى تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب، أحسن من خشونة الزهد، والتقشف فى الامتناع والمنع منه؛ وخاصة فى أيام العيد، ويقاس على أيام العيد سائر أسباب الفرح، مما يجوز به الفرح شرعاً، شريطة أن يكون هذا اللعب واللهو مما لا معصية فيه، ففى الحديث:"كل شئ ليس فيه ذكر الله، فهو لهو ولعب، إلا أربع، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين (1) وتعليم الرجل السباحة"(2) .

كما أن حديثنا بياناً عملياً لقوله تعالى: {فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} (3) حيث أفاد إقراره صلى الله عليه وسلم، للحبشة اللعب فى المسجد، أن كل ما فيه منفعة للدين وأهله، إذا وقع فى بيت الله عز جل، فلا يعارض الآية الكريمة، كما لا يعد انتهاك لحرمة المسجد.

فهنيئاً لمن اقتدى به صلى الله عليه وسلم، وامتثل لهديه مع أهل بيته، فكان من أكمل المؤمنين إيماناً بحسن خلقه، ولطفه بأهل بيته أهـ.

والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم

(1) أى: بين الهدفين فى تعلم الرماية، أو عند التحام القتال. ينظر: النهاية 3/323.

(2)

أخرجه النسائى فى سننه الكبرى. كتاب عشرة النساء، باب ملاعبة الرجل زوجته 5/302 رقم 8939، والطبرانى فى الأوسط 8/118 رقم 8147، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 5/269 رجاله رجال الصحيح، خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة، وذكر شواهد أخرى للحديث منها عن أبى هريرة رضى الله عنه، أخرجه الطبرانى فى الأوسط 5/278 رقم 5309 وقال فيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد متروك، وضعفه الجمهور، ووثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أخرجه الطبرانى فى الأوسط 7/170 رقم 7183، وقال فيه المنذر بن زياد الطائى وهو ضعيف أهـ، ينظر: مجمع الزوائد 5/269.

(3)

الآية 36 النور.

ص: 722