الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكرٍ إلى صلاة العصر، ثمَّ قال لهم:«يا معشر خُزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل»
(1)
.
فصل
في حُكْمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم
حكم صلى الله عليه وسلم أنَّ للفارس ثلاثة أسهمٍ، وللرَّاجل سهمٌ
(2)
، هذا حكمه الثَّابت عنه في مغازيه كلِّها، وبه أخذ جمهور العلماء
(3)
.
وحَكَم أنَّ السَّلَب للقاتل
(4)
.
وأمَّا حكمه بإخراج الخُمُس، فقال ابن إسحاق
(5)
: كانت الخيل يوم بني قريظة ستَّةً وثلاثين فرسًا، وكان أوَّل فيءٍ وقعت فيه السُّهمان، وأُخرج منه الخمس، ومضت به السُّنَّة. ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال إسماعيل
(6)
: وأحسب أنَّ بعضهم قال: تُرِك
(7)
أمرُ الخُمُس بعد ذلك،
(1)
رواه أحمد في «المسند» (16377) بسند حسن، من طريق ابن إسحاق قال: حدثني سعيد عن أبي شريح الخزاعي؛ وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث وله طرق أخرى يصح بها، وأصل القصة عند البخاري (104) ومسلم (1354).
(2)
أخرجه البخاري (2863، 4228)، ومسلم (1762) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
ز، د:«الفقهاء» .
(4)
رواه البخاري (3142)، ومسلم (1751) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(5)
ينظر «سيرة ابن هشام» : (2/ 244).
(6)
ينظر «شرح البخاري» : (5/ 270 و 319) لابن بطال، و «طرح التثريب»:(7/ 161)، و «فتح الباري»:(6/ 216).
(7)
ز، د:«نزل» .
ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنَّما جاء ذِكْر الخمس يقينًا في غنائم حنينٍ.
وقال الواقديُّ
(1)
: أوَّل خُمُسٍ خُمِّس في غزوة بني قينقاع بعد بدرٍ بشهرٍ وثلاثة أيَّامٍ، نزلوا على حكمه، فصالحهم على أنَّ له
(2)
أموالهم، ولهم النِّساء والذُّرِّيَّة، وخَمَّس أموالَهم.
وقال عُبادة بن الصَّامت
(3)
: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ، فلمَّا هزم الله العدوَّ، تَبِعتْهم طائفةٌ يقتلونهم، وأحدقت طائفةٌ
(4)
برسول الله صلى الله عليه وسلم، وطائفةٌ استولت على العسكر والغنيمة، فلمَّا رجع الذين طلبوهم، قالوا: لنا النَّفَل نحن طلبنا العدوَّ، وقال الذين أحْدَقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحقُّ به، لأنَّا أحْدَقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينال العدوُّ غرَّته، وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا، نحن حويناه. فأنزل الله عز وجل:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]. فقسمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بواءٍ قبل أن ينزل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]».
(1)
«المغازي» : (1/ 17 - 18، 179).
(2)
س، ي، وهامش ز:«لهم» ، خطأ.
(3)
رواه أحمد في «المسند» (22762) من طريق أبي أمامة عن عبادة، وفيه: عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة؛ وهو صدوق له أوهام، وله شواهد، وصححه ابن حبان (4855)، والحاكم:(2/ 135، 136). ومعنى «عن بواء» أي عن سواء لفظًا ومعنى.
(4)
ن: «طائفة منهم» .
وقال القاضي إسماعيل
(1)
: إنَّما قَسَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أموالَ بني النَّضير بين المهاجرين، وثلاثةٍ من الأنصار: سهل بن حُنَيفٍ، وأبي دجانة، والحارث بن الصِّمَّة= أنَّ
(2)
المهاجرين حين قدموا المدينةَ، شاطرتهم الأنصارُ ثمارَهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم قسمتُ أموالَ بني النَّضير بينكم وبينهم، وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطينا المهاجرين
(3)
دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم». فقالوا: بل تعطيهم دوننا، ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين، فاستغنوا بما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم
(4)
، وهؤلاء الثَّلاثة من الأنصار شَكَوا حاجةً.
فصل
وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيدٍ بالشَّام لم يشهدا بدرًا، فقسم لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم سهميهما، فقالا: وأجورنا يا رسول اللَّه؟ فقال:
(1)
هو القاضي إسماعيل بن إسحاق الأزدي المالكي (ت 282). ولم أجد مَن نقل كلامه.
(2)
ط الفقي والرسالة: «لأن» خلاف النسخ.
(3)
س، ط الهندية:«أعطيناها للمهاجرين» .
(4)
أخرجه الواقدي في «المغازي» : (1/ 379) من حديث أم العلاء- رضي الله عنه، والواقدي متروك مع سعة علمه، ورواه أبو داود (3004) بنحوه مختصرًا من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصحح إسناده الحافظ في «الفتح»:(7/ 331). وله طرق أخرى منقطعة. ينظر «تخريج الكشاف» : (3/ 441) للزيلعي.
«وأجوركما»
(1)
.
وذكر ابنُ هشام
(2)
وابن حبيب: أنَّ أبا لُبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عديّ خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فردَّهم، وأمَّر أبا لبابة على المدينة، وابنَ أمِّ مكتومٍ على الصَّلاة، وأسهم لهم.
والحارث بن الصِّمّة كُسِر بالرَّوحاء، فضَرَب له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسهمه
(3)
.
قال ابن هشام
(4)
: وخوَّات بن جُبيرٍ ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه. ولم يختلف أحدٌ أنَّ عثمان بن عفَّان تخلَّف على امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضَرَب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول اللَّه؟ قال: «وأجرك» .
قال ابن حبيب: وهذا خاصٌّ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأجمع المسلمون أن لا يُقسَم لغائبٍ.
قلت: قد قال أحمدُ ومالك وجماعةٌ من السَّلف والخلف: إنَّ الإمام إذا بعث أحدًا في مصالح الجيش فله سهمه
(5)
.
(1)
أخرجه أبو داود في «المراسيل» (276)، والبيهقي في «الكبرى» عن الزهري مرسلًا، ولم يذكر الأجر. وورد ذِكره في سياق أتمَّ مطوَّلًا عند البيهقي في «الكبرى»:(6/ 292) بسنده عن موسى بن عقبة، و (9/ 57) عن عروة بن الزبير، مرسلًا.
(2)
«السيرة» : (1/ 688)، وهو عند البيهقي في «الكبرى»:(6/ 292) بسنده عن موسى بن عقبة، و (9/ 57) عن عروة بن الزبير، مرسلًا.
(3)
«السيرة» : (1/ 703)، وهو عند البيهقي؛ كالذي قبله.
(4)
«السيرة» : (1/ 690)، وهو عند البيهقي؛ كالذي قبله.
(5)
ينظر «المغني» : (13/ 106)، و «النوادر والزيادات»:(3/ 171)، و «الذخيرة»:(3/ 426).
قال ابن حبيب
(1)
: ولم يكن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يسهم للنِّساء والصِّبيان والعبيد، ولكن كان يُحذيهم من الغنيمة.
فصل
وعَدَل في قسمة الإبل والغنم كلُّ عشرةٍ منها ببعيرٍ
(2)
، فهذا في التَّقويم وقسمة المال المشترك. وأمَّا في الهدي، فقد قال جابر: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البَدَنة عن سبعةٍ والبقرة عن سبعةٍ
(3)
. فهذا في الحديبية. وأمَّا في حجَّة الوداع فقال جابر أيضًا: «أمرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعةٍ منَّا في بدَنةٍ»
(4)
، وكلاهما في الصَّحيح.
وفي «السُّنن»
(5)
من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ عليَّ بدنةً وأنا موسِرٌ بها، ولا أجِدُها فأشتريها، فأمره أن يبتاع سَبْع شِياهٍ فيذبحَهُنَّ.
(1)
ينظر «النوادر والزيادات» : (3/ 186)، و «الحاوي»:(8/ 413)، والأحكام السلطانية (ص 218). وقد ثبت عند مسلم (1812) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النساء والعبيد لا يُسهَم لهم.
(2)
أخرجه البخاري (2488)، ومسلم (1968) من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
(3)
أخرجه مسلم (1318).
(4)
أخرجه مسلم (1213/ 138).
(5)
أخرجه أبو داود (154)، وابن ماجه (3136)، وأحمد (2839)، والبيهقي:(5/ 169) من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس؛ وهو ضعيف للانقطاع، فعطاء لم يسمع من ابن عباس، وهو صاحب أوهام، ويخشى من تدليس ابن جريج إلا أن إسماعيل بن عياش قد تابعه عند البيهقي؛ فتبقى علة الانقطاع. وقد ضعف الحديثَ الألباني. ينظر «مصباح الزجاجة»:(3/ 225)، و «الإرواء» (1062).
فصل
وحَكَم صلى الله عليه وسلم بالسَّلَب كلِّه للقاتل، ولم يخمِّسه ولم يجعله من الخُمُس، بل من أصل الغنيمة. وهذا حكمه وقضاؤه.
قال البخاريُّ في «صحيحه»
(1)
: السَّلَب للقاتل إنَّما هو من غير الخمس، وحكَم به بشهادة واحدٍ، وحكَم به بعد القتل.
فهذه أربعة أحكامٍ تضمَّنها حكمُه صلى الله عليه وسلم بالسَّلَب لمن قتل قتيلًا.
وقال مالكٌ وأصحابه: لا يكون السَّلَب إلا مِن الخُمُس، وحكمه حكم النَّفَل، قال مالك: ولم يبلغنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك، ولا فعَلَه في غير يوم حنينٍ
(2)
، ولا فعله أبو بكر ولا عمر
(3)
. قال ابن الموَّاز
(4)
: ولم يعْطِ غيرَ البراء بن مالكٍ سَلَب قتيله وخمَّسه
(5)
.
قال أصحابه: وقد قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] فجعل الأربعة أخماس
(6)
لمَنْ غَنِمها، فلا يجوز أن
(1)
يُفهم ذلك من تبويباته، ينظر:(4/ 91 و 9/ 69).
(2)
في قصة أبي قتادة رضي الله عنه في «الصحيحين» ، وقد سبق تخريجها.
(3)
ينظر «التمهيد» : (23/ 246)، و «الاستذكار»:(14/ 137).
(4)
ينظر «النوادر والزيادات» : (3/ 222 - 223).
(5)
أي: عمر. أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» : (3/ 229) بسند صحيح عن أنس بن مالك عن عمر رضي الله عنهما من فعله، وصححه الدارقطني في «العلل» (152)، والألباني في «الإرواء» (1224).
(6)
كذا في النسخ وط الهندية، وفي ط الفقي والرسالة:«أربعة أخماس الغنيمة» .
يؤخذ شيءٌ ممَّا جعله الله لهم
(1)
بالاحتمال.
وأيضًا فلو كانت هذه الآية إنَّما هي في غير الأسلاب لم يؤخِّر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حكمَها إلى يوم حنينٍ، وقد نزلت في قصَّة بدرٍ.
وأيضًا فإنه إنَّما قال: «من قَتَل قتيلًا فله سَلَبه»
(2)
بعد أن برد القتال، ولو كان أمرًا متقدِّمًا لعَلِمَه أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد أكابر أصحابه
(3)
، وهو لم يطلبه حتَّى سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
قالوا: وأيضًا فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أعطاه إيَّاه بشهادة واحدٍ بلا يمينٍ، فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حقُّ مغنمٍ إلا بما تخرج به الأملاك من البيِّنات، أو شاهدٍ ويمينٍ.
قالوا: وأيضًا فلو وجب للقاتل ولم يجد بيِّنةً لكان يوقَف كاللُّقَطَة ولا يُقسَم، وهو إذا لم تكن بيِّنةٌ يُقسَم، فخرج من معنى الملك، ودلَّ على أنَّه إلى اجتهاد الإمام يجعله من الخمس الذي يُجعَل في غيره. هذا مجموع ما احْتُجَّ به لهذا القول.
قال الآخرون: قد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعَلَه قبل حُنينٍ بستَّةِ أعوامٍ، فذكر البخاريُّ في «صحيحه»
(4)
: أنَّ معاذ بن عَمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريَّين ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدرٍ بسيفيهما حتَّى قتلاه، فانصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيُّكما قتلَه؟ فقال كلٌّ واحدٍ منهما:
(1)
س، ث، ي:«جعله لهم» .
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
ث، ن:«الصحابة» .
(4)
(3141 و 3988)، ومسلم (1752) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه .
أنا قتلتُه، قال:«هل مسحتما سيفيكما؟» ، قالا: لا، فنظر إلى السَّيفين فقال:«كلاكما قتله، وسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» .
وهذا يدلُّ على أنَّ كون السَّلب للقاتل أمرٌ مقرَّرٌ معلومٌ من أوَّل الأمر، وإنَّما تجدَّد يوم حُنينٍ الإعلامُ العامُّ والمناداة به لا شرعيَّته.
وأمَّا قول ابن الموَّاز: إنَّ أبا بكر وعمر لم يفعلاه، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ هذا شهادةٌ على النَّفي فلا تُسمَع، الثَّاني: أنَّه يجوز أن يكون تَرَك المناداةَ بذلك على عهدهما اكتفاءً بما تقرَّر وثَبَت من حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضائه، وحتَّى لو صحَّ عنهما تَرْك ذلك تركًا صحيحًا لا احتمالَ فيه لم يقدَّم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا قوله: «ولم يُعْطِ غير البراء بن مالكٍ سَلَب قتيله» ، فقد أعطى السَّلب لسلمة بن الأكوع
(1)
، ولمعاذ بن عَمْرو
(2)
، ولأبي طلحة الأنصاري قَتَل عشرين يومَ حُنينٍ فأخذ أسلابهم
(3)
، وهذه كلُّها وقائع صحيحةٌ معظمها في الصَّحيح، فالشَّهادة على النَّفي لا تكاد تسلم من النَّقض.
وأمَّا قوله: «وخمَّسه» فهذا لم يُحفَظ به أثرٌ البتَّة، بل المحفوظ خلافه، ففي «سنن أبي داود»
(4)
عن خالد: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يخمِّس السَّلَب» .
(1)
في قصة قتله عين المشركين، عند البخاري (3051)، ومسلم (1754).
(2)
في قصة قتل أبي جهل في «الصحيحين» ، كما سبق قريبًا.
(3)
أخرجه أبو داود (2718) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وصححه ابن حبان (4836)، والحاكم:(2/ 131)، والضياء في «المختارة» (1523).
(4)
(2721)، وأخرجه أبو يعلى (7192)، والبيهقي:(6/ 310) وغيرهم، وهو صحيح. وتعقب المؤلف مبنيّ على أن ابن المواز قصد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أراد عمر كما سبق.
وأمَّا قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] فهذا عامٌّ والحُكْم بالسَّلَب للقاتل خاصٌّ، ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسُّنَّة، ونظائره معلومةٌ ولا يمكن دفعُها.
وقوله: «لا يُجعَل شيءٌ من الغنيمة لغير أهلها بالاحتمال» ، جوابه من وجهين، أحدهما: أنَّا لم نجعل السَّلَب لغير الغانمين. الثَّاني: أنّا إنَّما جعلناه للقاتل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالاحتمال، ولم يؤخِّر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حكم الآية إلى يوم حنينٍ كما ذكرتم، بل قد حَكَم بذلك يوم بدرٍ، ولا يمنع كونه قاله بعد القتال من استحقاقه بالقتل.
وأمَّا كون أبي قتادة لم يطلبه حتَّى سمع منادي النَّبيِّ
(1)
صلى الله عليه وسلم يقوله، فلا يدلُّ على أنَّه لم يكن متقرِّرًا معلومًا، وإنَّما سكت عنه أبو قتادة لأنَّه لم يكن يأخذه بمجرَّد
(2)
دعواه، فلمَّا شهد له به شاهدٌ أعطيه
(3)
.
والصَّحيح أنَّه يُكتفى في هذا بالشَّاهد الواحد ولا يُحْتاج إلى شاهدٍ آخر ولا يمينٍ، كما جاءت به السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة التي لا معارض لها، وقد تقدَّم هذا في موضعه
(4)
.
وأمَّا قوله: «إنَّه لو كان للقاتل لوُقِفَ ولم يقسَّم كاللُّقطة» ، فجوابه أنَّه للغانمين وإنَّما للقاتل حقُّ التَّقديم، فإذا لم يُعلَم عينُ القاتل اشترك فيه الغانمون، فإنَّه حقُّهم ولم يظهر مستحقُّ التَّقديم منهم فاشتركوا فيه، والله أعلم.
(1)
ز، د، ب، ي:«رسول الله» .
(2)
ز، ن، د:«لمجرّد» .
(3)
في المطبوع: «أعطاه» خلاف النسخ.
(4)
ينظر (3/ 612 - 613).