الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظِّهار
وبيان ما أنزل الله فيه، ومعنى العَوْد الموجب للكفَّارة
ثبت في السُّنن والمسانيد
(1)
أنَّ أوس بن الصامت ظاهرَ من زوجته خَولة بنت مالك بن ثعلبة، وهي التي جادلت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت إلى اللَّه، وسمع الله شكواها من فوق سبع سماواتٍ
(2)
، فقالت: يا رسول اللَّه،
(1)
أخرجه ابن ماجه (188، 2063) والنسائي (3460) والبيهقي في «الكبرى» (7/ 382) وأحمد (24195) مطولًا ومختصرًا من طرق عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة، وصححه الحاكم (2/ 481)، وسمَّوا المجادِلة (خولةَ بنتَ ثعلبة)، قال الحافظ في «الفتح» (13/ 374):«وهذا أصح ما ورد في قصة المجادلة وتسميتها» . وأخرجه أبو داود (2220) والحاكم (2/ 481) والبيهقي في «الكبرى» (7/ 382) من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، لكن سَمَّوا المجادِلة جميلة. وفي الباب عن خولة بنت ثعلبة عند أحمد (27319) وأبي داود (2214، 2215) وابن حبان (4297)، وحسَّن الحافظ إسناده (9/ 433). وعن ابن عباس، وسيأتي قريبًا.
(2)
م، ح:«سماواته» .
إنَّ أوس بن الصامت تزوَّجني وأنا شابَّةٌ مرغوبٌ فيَّ، فلمَّا خلا سنِّي، ونثرتُ
(1)
[له]
(2)
بطني، جعلني كأمِّه عنده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما عندي في أمركِ شيءٌ» ، فقالت: اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليك.
وروي
(3)
أنَّها قالت: إنَّ لي صِبيةً صغارًا، إن ضَممتُهم
(4)
إليه ضاعوا، وإن ضَممتُهم إليَّ جاعوا، فنزل القرآن.
وقالت عائشة
(5)
: الحمد لله الذي وسع سَمْعُه الأصواتَ، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في كِسْر البيت
(6)
يَخفى عليَّ بعضُ كلامها، فأنزل الله عز وجل:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].
فقال
(7)
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لِيُعتِقْ رقبةً» ، قالت: لا يجد، قال: «فيصوم شهرين
(1)
ص، د، م، ح:«ونقرت» ، والمثبت من ز موافق لما في المصادر. ونثرتُ: أكثرتُ له الأولاد، يقال: امرأة نثور: كثيرة الأولاد.
(2)
زيادة من مصادر التخريج.
(3)
هذا اللفظ ذكره الزيلعي في «تخريج الكشاف» (3/ 423)، وأورده الواحدي في «تفسيره الوسيط» (4/ 259)، والبغوي في تفسيره «الوسيط» (8/ 47)، والقسطلاني في «إرشاد الساري» (8/ 164). وتمام تخريجه فيما قبله.
(4)
في المطبوع: «ضمهم» خلاف النسخ والمصادر.
(5)
سبق تخريجه.
(6)
كسر البيت: جانبه.
(7)
ما بعده ليس من حديث عائشة رضي الله عنه، بل هو من حديث ابن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برِحتُ حتى نزل القرآن
…
فقال: يعتق رقبة، إلى آخر الحديث. أخرجه أبو داود (2214) وأحمد (27319) وابن حبان (4279) والبيهقي (7/ 389) وغيرهم، وفي إسناده معمر بن عبد الله بن حنظلة، لم يوثقه غير ابن حبان. وله شواهد تقويه، وحسّنه الحافظ في «الفتح» (9/ 433). وقد جعل المؤلف الحديثين حديثًا واحدًا.
متتابعين»، قالت: يا رسول اللَّه، إنَّه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيامٍ، قال:«فليُطعِم ستِّين مسكينًا» ، قالت: ما عنده من شيءٍ يتصدَّق به، فأُتِيَ ساعتَئذٍ بعَرَقٍ
(1)
من تمرٍ، فقالت: يا رسول اللَّه، وأنا أُعِينه بعَرَقٍ آخر، قال: «أحسنتِ، فإن شئتِ
(2)
فأَطعِمي
(3)
عنه ستِّين مسكينًا، وارْجِعي إلى ابن عمِّك».
وفي «السُّنن»
(4)
: أنَّ سلمة بن صخر البياضي ظاهَر من امرأته مدَّةَ شهر
(1)
العرق: مكتل يسع خمسة عشر صاعًا. هذا هو المشهور، وقيل غير ذلك. انظر:«سنن أبي داود» (2214، 2215، 2216).
(2)
بعد «فإن» بياض في النسخ، والمثبت من ب. وفي مصادر التخريج:«اذهبي» بدل «فإن شئت» .
(3)
ص، د، م، ح، ز:«فأطعم» . والمثبت موافق لما في المصادر.
(4)
أخرجه أبو داود (2213)، والترمذي (1198، 3299)، وابن ماجه (2062، 2064، 2091)، وكذا أخرجه أحمد (16421)، من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر. وأخرجه ابن الجارود (744)، والحاكم:(2/ 203)، وقال:«على شرط مسلم» . وقد أُعلَّ بعنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وبالانقطاع بين سليمان وسلمة، وبه أعلَّه البخاريُّ وعبد الحق، وقد اختلف على سليمان في وصله وإرساله؛ فوصله ابن إسحاق كما مرَّ، وأرسله بكير بن الأشج. ويشهد له مرسلُ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة، وحديث ابن عباس الآتي، والحديث حسَّنه الترمذي والحافظ في «الفتح» (9/ 433)، وأصله عند البخاري معلَّقًا قبل (7386)، وصححه بطرقه وشواهده الألباني في «الإرواء» (2091).
رمضان، ثمَّ واقعها ليلةً قبل انسلاخه، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«أنتَ بذاك يا سلمة؟» ، قال: قلت: أنا بذاك يا رسول الله ــ مرَّتين ــ وأنا صابرٌ لأمر اللَّه، فاحكُمْ فيَّ بما أراك اللَّه. قال:«حَرِّرْ رقبةً» ، قلت: والَّذي بعثك بالحقِّ ما أملِكُ رقبةً غيرها، وضربتُ صفحةَ رقبتي، فقال:«صُمْ شهرين متتابعين» ، قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا في الصِّيام، قال:«فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا» ، قلت: والَّذي بعثك بالحقِّ لقد بِتْنا وَحْشَيْن
(1)
ما لنا طعامٌ، قال:«فانطلِقْ إلى صاحبِ صدقةِ بني زُريقٍ، فليدفَعْها إليك، فأطعِمْ ستِّين مسكينًا وَسْقًا من تمرٍ، وكُلْ أنت وعيالك بقيَّتَها» ، قال: فرجعتُ إلى قومي فقلت: وجدتُ عندكم الضِّيقَ وسوءَ الرَّأي، ووجدتُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السَّعةَ وحسنَ الرَّأي، وقد أمر لي بصدقتكم.
وفي «جامع الترمذي»
(2)
عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد ظاهرَ من امرأته فوقعَ عليها، فقال: يا رسول اللَّه، إنِّي ظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أُكفِّر، قال:«وما حَملَك على ذلك؟ يرحمك اللَّه» . قال: رأيت خلخالَها في ضوء القمر، قال:«فلا تَقرَبْها حتَّى تفعل ما أمرك اللَّه» .
(1)
م: «وحشيين» . والمعنى: جائعين.
(2)
برقم (1199)، وكذا عند أبي داود (2223) والنسائي (3457) وابن ماجه (2065) من طريق عكرمة عنه، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الإرسال النسائي وأبو حاتم، وصحح الموصولَ الترمذيُّ والحاكم:(2/ 204) وابن الملقِّن والألباني بطرقه وشواهده، وحسَّن إسنادَه الحافظ في «الفتح» (9/ 433)، وقال ابن حزم:«لا يضره إرسال من أرسله» ؛ إذ الأصل قبول زيادة الثقة، ويشهد للموصول ما سيأتي. انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (4/ 129)، و «التلخيص» (3/ 476)، و «الإرواء» (2092).
قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وفيه
(1)
أيضًا: عن سلمة بن صخر، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في المظاهِر يواقع قبل أن يكفِّر، فقال:«كفَّارةٌ واحدةٌ» . وقال: حسنٌ غريبٌ. انتهى. وفيه انقطاعٌ بين سليمان بن يسارٍ وسلمة بن صخر.
وفي «مسند البزّار»
(2)
: عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: أتى رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي ظاهرتُ من امرأتي، ثمَّ وقعتُ عليها قبل أن أكفِّر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألم يقل الله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]؟» ، قال: أعجبتْني، قال:«أَمْسِكْ حتَّى تُكفِّر» . قال البزار: لا نعلمه يُروى بإسنادٍ أحسن من هذا، على أنَّ إسماعيل بن مسلم قد تُكلِّم فيه، وروى عنه جماعةٌ كثيرةٌ من أهل العلم.
فتضمَّنت هذه الأحكام أمورًا:
أحدها: إبطال ما كانوا عليه في الجاهليَّة وفي صدر الإسلام من كونِ الظِّهار طلاقًا، ولو صرَّح بنيَّته له، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق= لم يكن طلاقًا، وكان ظهارًا، وهذا بالاتِّفاق، إلا ما عساه من خلافٍ شاذٍّ، وقد نصَّ عليه أحمد والشَّافعيُّ وغيرهما. قال الشَّافعيُّ
(3)
: ولو تظاهر يريد طلاقًا كان ظهارًا، أو طلَّق يريد ظهارًا كان طلاقًا. هذا لفظه، فلا يجوز
(1)
برقم (1198)، وقد سبق تخريجه.
(2)
برقم (4833)، وسنده ضعيف؛ فيه إسماعيل بن مسلم البصري نزيل مكة، متفقٌ على ضعفه، لكن الحديث صحيح بطرقه وشواهده كما سبق آنفًا.
(3)
كما في «مختصر المزني» (ص 203).
أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا. ونصَّ أحمد على أنَّه إذا قال
(1)
: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق، أنَّه ظهارٌ ولا تَطْلُق به، وهذا لأنَّ الظِّهار كان طلاقًا في الجاهليَّة فنُسِخ، فلم يجز أن يُعاد إلى الحكم المنسوخ.
وأيضًا فأوس بن الصامت إنَّما نوى به الطَّلاق على ما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظِّهار دون الطَّلاق.
وأيضًا فإنَّه صريحٌ في حكمه، فلم يجزْ جعلُه كنايةً في الحكم الذي أبطله الله عز وجل بشرعه، وقضاء الله أحقُّ، وحكم الله أوجبُ.
ومنها: أنَّ الظِّهار حرامٌ لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنَّه كما أخبر الله عنه منكرٌ من القول وزورٌ، وكلاهما حرامٌ. والفرق بين جهةِ كونه منكرًا وجهةِ كونه زورًا أنَّ قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي يتضمَّن إخباره عنها بذلك وإنشاءه تحريمها، فهو يتضمَّن إخبارًا وإنشاءً، فهو خبرُ زورٍ، وإنشاءٌ منكرٌ، فإنَّ الزُّور هو الباطل خلاف الحقِّ الثَّابت، والمنكر خلاف المعروف. وختم سبحانه الآية بقوله:{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2]، وفيه إشعارٌ بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو الله ومغفرته لوَاخَذَ به.
ومنها: أنَّ الكفَّارة لا تجب بنفس الظِّهار، وإنَّما تجب بالعَود، وهذا قول الجمهور. وروى الثَّوريُّ عن ابن أبي نَجيحٍ عن طاوسٍ قال: إذا تكلَّم بالظِّهار فقد لزمه
(2)
، وهذه رواية ابن أبي نَجيحٍ عنه، وروى معمر عن ابن
(3)
(1)
انظر: «المغني» (10/ 397).
(2)
أورده ابن حزم في «المحلى» (10/ 51) من طريق ابن مهدي عن الثوري به، ورجاله ثقات، وعزاه إليه ابنُ قدامة في «المغني» (11/ 73).
(3)
«ابن» ساقطة من المطبوع.
طاوسٍ، عن أبيه في قوله تعالى:{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: 3] قال: جعلها عليه كظهر أمِّه، ثمَّ يعود فيطؤها، فتحريرُ رقبةٍ
(1)
.
وحكى النَّاس عن مجاهد
(2)
: أنَّه تجب الكفَّارة بنفس الظِّهار، وحكاه ابن حزمٍ
(3)
عن الثَّوريِّ وعثمان البتِّيِّ. وهؤلاء لم يَخْفَ عليهم أنَّ العَود شرطٌ في الكفَّارة، ولكن العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهليَّة من التَّظاهر، كقوله تعالى في جزاء الصَّيد:{وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، أي عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه، ولهذا قال:{عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95].
قالوا: ولأنَّ الكفَّارة إنَّما وجبت في مقابلة ما تكلَّم به من المنكر والزُّور، وهو الظِّهار، دون الوطء أو العزم عليه.
قالوا: ولأنَّ الله سبحانه لمَّا حرَّم الظِّهار ونهى عنه كان العود هو فعل المنهيِّ عنه، كما قال تعالى:{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، أي: إن عدتم إلى الذَّنب عدنا إلى العقوبة. فالعود هنا
(4)
نفس فعل المنهيِّ عنه.
قالوا: ولأنَّ الظِّهار كان طلاقًا في الجاهليَّة، فنقلَ حكمَه من الطَّلاق إلى
(1)
أورده ابن حزم في «المحلى» (10/ 51) من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق كما في «الأمالي في آثار الصحابة» (ص 23) من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال:«ثم يعودون لما قالوا» قال: يريد الوطء.
(2)
حكاه عنه في «الفتح» (9/ 433)، و «المغني» (11/ 72).
(3)
في «المحلى» (10/ 51).
(4)
في النسخ: «منا» .
الظِّهار، ورتَّبَ عليه التَّكفيرَ وتحريمَ الزَّوجة حتَّى يُكفِّر، وهذا يقتضي أن يكون حكمه معتبرًا بلفظه كالطَّلاق.
ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: العود أمرٌ وراء مجرَّد لفظ الظِّهار، ولا يصحُّ حمل الآية على العود إليه في الإسلام؛ لثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّ هذه الآية بيانٌ لحكم من يظاهر
(1)
في الإسلام، ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبلًا، فقال:{يُظَاهِرُونَ} ، وإذا كان هذا بيانًا لحكم ظهار الإسلام، فهو عندكم نفس العود، فكيف يقول بعده:{ثُمَّ يَعُودُونَ} ، وإنَّ معنى هذا العود غير
(2)
الظِّهار عندكم؟
الثَّاني: أنَّه لو كان العود ما ذكرتم، وكان المضارع بمعنى الماضي تقديره
(3)
: والَّذين ظاهروا من نسائهم ثمَّ عادوا في الإسلام= لما
(4)
وجبت الكفَّارة إلا على من تظاهر في الجاهليَّة ثمَّ عادوا
(5)
في الإسلام، فمن أين يُوجِبونها على من ابتدأ الظِّهار في الإسلام غير عائدٍ؟ فإنَّ هنا أمرين: ظهارٌ سابقٌ، وعَودٌ إليه، وذلك يُبطِل حكم الظِّهار الآن بالكلِّيَّة، إلا أن يجعلوا {يُظَاهِرُونَ} لفرقةٍ، و {يَعُودُونَ} لفرقةٍ، ولفظ المضارع نائبًا
(6)
عن لفظ الماضي، وذلك مخالفٌ للنَّظم، ومُخرِجٌ عن الفصاحة.
(1)
ص، د، ح:«تظاهر» .
(2)
كذا في النسخ. والسياق يقتضي «هو» .
(3)
في المطبوع: «كان تقديره» . والمثبت من النسخ.
(4)
في المطبوع: «ولما» خلاف النسخ.
(5)
كذا في النسخ بصيغة الجمع.
(6)
ص، د، ز:«نائب» .
الثَّالث: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أوس بن الصامت وسلمة بن صَخْر بالكفَّارة، ولم يسألهما: هل تظاهرا في الجاهليَّة أم لا؟
فإن قلتم: ولم يسألهما عن العود الذي يجعلونه شرطًا، ولو كان شرطًا لسألَ عنه.
قيل: أمَّا من يجعل العَوْدَ نفسَ الإمساك بعد الظِّهار زمنًا يمكن وقوعُ الطَّلاق فيه، فهذا جارٍ على قوله، وهو نفس حجَّته، ومن جعل العود هو الوطء أو العزم قال: سياق القصَّة بيِّنٌ في أنَّ المتظاهرين كان قصدهم الوطء، وإنَّما أمسكوا له. وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله.
وأمَّا كون الظِّهار منكرًا من القول وزورًا فنعم هو كذلك، ولكنَّ الله عز وجل إنَّما أوجب الكفَّارة في هذا المنكر والزُّور بأمرين: به وبالعَود، كما أنَّ حكم الإيلاء إنَّما ترتَّب عليه وعلى الوطء، لا على أحدهما.
فصل
(1)
وقال الجمهور: لا تجب الكفَّارة إلا بالعَود بعد الظِّهار، ثمَّ اختلفوا في معنى العود، هل هو إعادة لفظ الظِّهار بعينه أو أمرٌ وراءه؟ على قولين: فقال أهل الظَّاهر كلُّهم: هو إعادة لفظ الظِّهار، ولم يحكُوا هذا عن أحدٍ من السَّلف البتَّةَ، وهو قولٌ لم يُسبَقوا إليه، وإن كانت هذه الشَّكاة لا يكاد مذهبٌ من المذاهب يخلو عنها.
قالوا: فلم يُوجِب الله سبحانه الكفَّارة إلا بالظِّهار المُعَاد لا المبتدأ.
(1)
هنا بياض في م.
قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة أوجُهٍ، أحدها: أنَّ العرب لا تَعقِل في لغاتها العودَ إلى الشَّيء إلا فعلَ مثلِه مرَّةً ثانيةً.
قالوا: وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم. قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، فهذا نظير الآية سواءٌ في أنَّه عدَّى
(1)
فعلَ العود باللَّام، وهو إتيانهم مرَّةً ثانيةً بمثل ما أَتَوا به أوَّلًا. وقال تعالى:{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، أي إن كرَّرتم الذَّنب كرَّرنا العقوبة. ومنه قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [المجادلة: 8]، وهذا في سورة الظِّهار نفسها، وهو يبيِّن المراد من العود فيه، فإنَّه نظيره فعلًا وأداةً
(2)
، والعهد قريبٌ بذكره.
قالوا: وأيضًا، فالَّذي قالوه هو لفظ الظِّهار، فالعود إلى القول هو الإتيان به مرَّةً ثانيةً، لا تَعقِلُ العرب غير هذا.
قالوا: وأيضًا، فما عدا تكرار اللَّفظ إمَّا إمساكٌ وإمَّا عزمٌ وإمَّا فعلٌ، وليس واحدٌ منها بقولٍ، فلا يكون الإتيان به عَودًا، لا لفظًا ولا معنًى، ولأنَّ العزم والوطء والإمساك ليس ظهارًا، فيكون الإتيان بها عَودًا إلى الظِّهار.
قالوا: ولو أريد بالعود الرُّجوعُ في الشَّيء الذي منعَ منه نفسَه كما يقال: عاد في الهبة، لقال: ثمَّ يعودون
(3)
فيما قالوا، كما في الحديث: «العائدُ في هبتِه
(1)
م، ح:«عدّ من» .
(2)
في المطبوع: «وإرادة» خلاف النسخ. وهو خطأ، والمقصود ذكر فعل العود مع صلته بحرف اللام في الموضعين.
(3)
م: «يعود» .
كالعائد في قَيْئِه»
(1)
.
واحتجَّ أبو محمد ابن حزم بحديث عائشة أنَّ أوس بن الصامت كان به لَممٌ، فكان إذا اشتدَّ لَممُه ظاهر من امرأته، فأنزل الله عز وجل فيه كفَّارة الظِّهار
(2)
. فقال
(3)
: هذا يقتضي التَّكرار ولا بُدَّ
(4)
، قال: ولا يصحُّ في الظِّهار إلا هذا الخبر وحده.
قالوا: وأمَّا تشنيعكم علينا بأنَّ هذا القول لم يقل به أحدٌ من الصَّحابة، فأَرُونا من قال من الصَّحابة: إنَّ العود هو الوطء، أو العزم، أو الإمساك، أو هو العود إلى الظِّهار في الجاهليَّة، ولو عن رجلٍ واحدٍ من الصَّحابة، فلا تكونون أسعدَ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منَّا أبدًا.
فصل
ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: ليس معنى العود إعادة اللَّفظ الأوَّل؛ لأنَّه لو كان ذلك هو العود، لقال:«ثمَّ يُعِيدون ما قالوا» ؛ لأنَّه يقال: أعاد كلامه بعينه، وأمَّا عاد فإنَّما هو في الأفعال، كما يقال: عاد في فعله، وفي هبته، فهذا بـ (في). ويقال: عاد إلى عمله، وإلى ولايته، وإلى حاله، وإلى إحسانه وإساءته، ونحو ذلك، وعاد له أيضًا. وأمَّا القول فإنَّما يقال: أعاده،
(1)
أخرجه البخاري (2589، 2621، 2622، 6975) ومسلم (1622) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي الباب عن عمر عند الشيخين أيضًا.
(2)
هذا لفظ أبي داود (2219)، والحاكم (3792)، وقد سبق تخريج الحديث.
(3)
في «المحلى» (10/ 52).
(4)
في النسخ: «والابد» . والتصويب من «المحلى» .
كما قال ضِمام
(1)
بن ثعلبة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أعِدْ عليَّ كلماتِك»
(2)
، وكما قال أبو سعيد:«أعِدْها عليَّ يا رسول اللَّه»
(3)
.
وهذا ليس بلازمٍ، فإنَّه يقال: أعاد مقالته، وعاد لمقالته، وفي الحديث: فعاد لمقالته
(4)
، بمعنى أعادها، سواءٌ.
وأفسدُ من هذا ردُّ من ردَّ عليهم بأنَّ إعادة القول محالٌ كإعادة أمسِ، قال
(5)
: لأنَّه لا يتهيَّأ اجتماع زمانين. وهذا في غاية الفساد، فإنَّ إعادة القول من جنس إعادة الفعل، وهي الإتيان بمثل الأوَّل لا بعينه. والعجب من متعصِّبٍ يقول: لا يُعتدُّ بخلاف الظَّاهريَّة، ويبحث معهم بمثل هذه البحوث، ويردُّ عليهم بمثل هذا الرَّدِّ!
وكذلك ردُّ من ردَّ عليهم بمثل العائد في هبته، فإنَّه ليس نظير الآية، وإنَّما نظيرها {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [المجادلة: 8]،
(1)
كذا في النسخ بالميم في آخره، والمشهور:«ضِماد» بالدال المهملة، وقد حكى الوجهين ابنُ منده كما في «الإصابة» (5/ 348).
(2)
أخرجه مسلم (868) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه مسلم (1884) من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وجبت له الجنة» . قال: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل.
(4)
أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (3/ 483)، والطبراني في «الكبير» (718) من حديث الفضل بن العباس، وفي سنده ضعفٌ وجهالة، وقال فيه الذهبي:«حديث منكر» . وكذا قال الألباني في «الإرواء» (6297). وهو جزء من حديث طويل، فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد إلى المنبر، فعاد لمقالته في الشحناء وغيرها.
(5)
هو الماوردي في «الحاوي» (10/ 445) دار الكتب العلمية.
ومع هذا فهذه الآية تُبيِّن المراد من آية الظِّهار، فإنَّ عودهم لما نُهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهيِّ، وهو النَّجوى، وليس المراد به إعادة تلك النَّجوى بعينها، بل رجوعهم إلى المنهيِّ عنه. وكذلك قوله في الظِّهار:{يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أي لقولهم، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، والقول هو تحريم الزَّوجة بتشبيهها بالمحرَّمة، فالعود إلى المحرَّم هو العود إليه، وهو فعله. فهذا مأخذ من قال: إنَّه الوطء.
ونكتة المسألة أنَّ القول في معنى المقول، والمقول هو التَّحريم، والعود له هو العود إليه، وهو استباحته عائدًا إليه بعد تحريمه، وهذا جارٍ على قواعد اللُّغة والعربيَّة
(1)
واستعمالها، وهذا الذي عليه
(2)
جمهور السَّلف والخلف، كما قال قتادة وطاوس والحسن والزُّهريُّ ومالك وغيرهم
(3)
،
ولا يُعرف
(1)
في المطبوع: «اللغة العربية» خلاف النسخ.
(2)
م: «دل عليه» .
(3)
أما قول طاوس فقد سبق قريبًا. وأما قول قتادة فأخرجه عبد الرزاق (11477) والطبري في «تفسيره» (23/ 228) واللفظ له، من طريق سعيد ومعمر عنه قال: ثم يريد أن يعود لها فيطأها. وسنده صحيح.
وأما الحسن فقد أخرج الطبري في تفسيره (23/ 231) من طريق وُهيب عن يونس في قوله تعالى: «ثم يعودون لما قالوا» قال: بلغني عن الحسن أنه كره للمظاهر المسيس.
وأما قول الزهري فأخرجه ابن حزم في «المحلى» (10/ 51) معلَّقًا من طريق ابن وهب عن يونس عنه قال: يعود لمسِّها.
وأما قول مالك ففي «الموطأ» (1618) قال: «تفسير ذلك أن يتظاهر الرجل من امرأته، ثم يجمع على إمساكها وإصابتها. فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة» .
وانظر أقوالهم في: «الإشراف» (5/ 293)، و «الإقناع» لابن المنذر (1/ 321)، و «المحلى» (10/ 51)، و «الاستذكار» (6/ 57)، و «المغني» (11/ 73)، و «شرح السنة» (9/ 243).
عن أحدٍ من السَّلف أنَّه فسَّر الآية بإعادة اللَّفظ البتَّةَ، لا من الصَّحابة ولا من التَّابعين ولا من بعدهم.
وهاهنا أمرٌ خفيَ على من جعله إعادة اللَّفظ، وهو أنَّ العود إلى الفعل يستلزم مفارقةَ الحال التي هو عليها الآن، وعودَه إلى الحال التي كان عليها أوَّلًا، كما قال تعالى:{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، ألا ترى أنَّ عودَهم مفارقةُ ما هم عليه من الإحسان وَعْوُدهم إلى الإساءة. وكقول الشَّاعر
(1)
:
وإن عادَ للإحسانِ فالعَوْد أحمدُ
والحال التي هو عليها الآن التَّحريم بالظِّهار، والَّتي كان عليها إباحة الوطء بالنِّكاح الموجِب للحلِّ، فعَوْد المظاهر عودٌ إلى حلٍّ كان عليه قبل الظِّهار، وذلك هو الموجب للكفَّارة فتأمَّلْه، فالعود يقتضي أمرًا يعود إليه بعد مفارقته.
وظهر سرُّ الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإنَّ الهبة بمعنى الموهوب، وهو عينٌ يتضمَّن عودُه فيه إدخالَه في مِلكه وتصرُّفه فيه كما كان أوَّلًا، بخلاف المظاهر فإنَّه بالتَّحريم قد خرج عن الزوجة
(2)
، وبالعود قد طلب الرُّجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التَّحريم، فكان
(1)
هو المرقّش كما في «فصل المقال» (ص 253). وصدره:
وأحسنَ فيما كان بيني وبينه
والبيت بلا نسبة في كتاب «العين» (2/ 217) و «الشعر والشعراء» (1/ 339) وغيرهما.
(2)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الزوجية» .
الأليق أن يقال: عاد لكذا، يعني: عاد إليه، وفي الهبة: عاد إليها. وقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بكفَّارة الظِّهار، ولم يتلفَّظا به مرَّتين، فإنَّهما لم يُخبِرا بذلك عن أنفسهما، ولا أخبر به أزواجهما عنهما ولا أحدٌ من الصَّحابة، ولا سألهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: هل قلتما ذلك مرَّةً أو مرَّتين؟ ومثل هذا لو كان شرطًا لما أهمل بيانه.
وسرُّ المسألة أنَّ العَوْد يتضمَّن أمرين: أمرًا يعود إليه، وأمرًا يعود عنه، ولا بدَّ منهما، فالَّذي يعود عنه يتضمَّن نقضَه وإبطالَه، والَّذي يعود إليه يتضمَّن إيثارَه وإرادتَه، فعَوْد المظاهر يقتضي نقضَ الظِّهار وإبطاله، وإيثارَ ضدِّه وإرادتَه، وهذا عينُ فهم السَّلف من الآية، فبعضهم يقول: إنَّ العود هو الإصابة، وبعضهم يقول: الوطء، وبعضهم يقول: اللَّمس، وبعضهم يقول: العزم.
وأمَّا قولكم: إنَّه إنَّما أوجب الكفَّارة في الظِّهار المعاد، إن أردتم به المعادَ لفظُه فدعوى بحسب ما فهمتموه، وإن أردتم به الظِّهار المُعَاد فيه لما قال المظاهر، لم يستلزم ذلك إعادةَ اللَّفظ الأوَّل.
وأمَّا حديث عائشة في ظهار أوس بن الصامت، فما أصحَّه! وما أبعدَ دلالَته على مذهبكم!
فصل
ثمَّ الذين جعلوا العَود أمرًا غير إعادة اللَّفظ اختلفوا فيه: هل هو مجرَّد إمساكها بعد الظِّهار أو أمرٌ غيره؟ على قولين:
فقالت طائفةٌ: هو إمساكها زمنًا يتَّسع لقوله: أنتِ طالقٌ، فمتى لم يصل
الطَّلاق بالظِّهار لزمتْه الكفَّارة. وهذا قول الشَّافعيِّ.
قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد والثَّوريِّ، فإنَّ هذا النَّفَسَ الواحد لا يُخرِج الظِّهار عن كونه موجبًا للكفَّارة، ففي الحقيقة لم يوجب الكفَّارةَ إلا لفظُ الظِّهار، وزمنُ قوله: أنت طالقٌ لا تأثير له في الحكم إيجابًا ولا نفيًا، فتعليق الإيجاب به ممتنعٌ، ولا تُسمَّى تلك اللَّحظة والنَّفس الواحد من الأنفاس عودًا، لا في لغة العرب ولا في عرف الشَّارع، وأيُّ شيءٍ في هذا الجزء اليسير جدًّا من الزَّمان من معنى العود أو حقيقته؟
قالوا: وهذا ليس بأقوى من قول من قال هو إعادة اللَّفظ بعينه، فإنَّ ذلك قولٌ
(1)
معقولٌ يُفهَم منه العود لغةً وحقيقةً، وأمَّا هذا الجزء من الزَّمان فلا يُفهم من الإنسان فيه العودُ البتَّة.
قالوا: ونحن نُطالبكم بما طالبتم به الظَّاهريَّة، من قال هذا القول قبل الشَّافعيِّ؟
قالوا: والله سبحانه أوجب الكفَّارة بالعود بحرف «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي عن الظِّهار، فلا بدَّ أن يكون بين العود وبين الظِّهار مدَّةٌ متراخيةٌ، وهذا ممتنعٌ عندكم، وبمجرَّد انقضاء قوله:«أنتِ عليَّ كظهر أمِّي» صار عائدًا ما لم يصله بقوله: أنتِ طالقٌ، فأين التَّراخي والمهلة بين العود والظِّهار؟ والشَّافعيُّ رحمه الله لم ينقل هذا عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين، وإنَّما أخبر أنَّه أولى المعاني بالآية فقال
(2)
: والذي عقلتُ ممَّا سمعتُ في {يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}
(1)
م: «هو» .
(2)
كما في «مختصر المزني» (ص 203، 204). وانظر: «الأم» (6/ 703).
أنَّه إذا أتت على المظاهر مدَّةٌ بعد القول بالظِّهار لم يُحرِّمها بالطَّلاق الذي يُحَرَّم
(1)
به، وجبت عليه الكفَّارة، كأنَّهم يذهبون إلى أنَّه إذا أمسك ما حرَّم على نفسه عاد لما قال، فخالفَه فأحلَّ ما حرَّم، لا أعلم معنًى أولى به من هذا. انتهى.
فصل
والَّذين جعلوه أمرًا وراء الإمساك اختلفوا فيه
(2)
، فقال مالك في إحدى الرِّوايات الأربع عنه وأبو عبيد: هو العزم على الوطء، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه، وأنكره الإمام أحمد وقال
(3)
: مالك يقول: إذا أجمع لزمته الكفَّارة. فكيف يكون هذا؟ لو طلَّقها بعد ما يُجمِع لكانَ
(4)
عليه كفَّارةٌ، إلا أن يكون يذهب إلى قول طاوسٍ: إذا تكلَّم بالظِّهار لزمه مثلُ الطَّلاق.
ثمَّ اختلف أرباب هذا القول فيما لو مات أحدهما، أو طلَّق بعد العزم وقبل الوطء، هل تستقرُّ عليه الكفَّارة؟ فقال مالك وأبو الخطاب: تستقرُّ الكفَّارة. وقال القاضي وعامَّة أصحابه: لا تستقرُّ. وعن مالك روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه العزم على الإمساك وحده. ورواية «الموطَّأ»
(5)
خلاف هذا كلِّه، أنَّه العزم على الإمساك والوطء معًا. وعنه روايةٌ رابعةٌ، أنَّه الوطء نفسه، وهذا قول أبي
(1)
م، ص، ز:«لم يحرم» . والمثبت موافق لما في «مختصر المزني» و «الأم» ، وهو الصواب.
(2)
انظر: «المغني» (11/ 73).
(3)
انظر المصدر السابق.
(4)
م: «أكان» .
(5)
(1618).
حنيفة والإمام أحمد.
وقد قال أحمد
(1)
في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} ، قال: الغشيان، إذا أراد أن يَغْشى كفَّر. وليس هذا باختلاف روايةٍ، بل مذهبه الذي لا يُعرَف عنه غيره أنَّه الوطء، ويلزمه إخراجها قبلَه عند العزم عليه.
واحتجَّ أرباب هذا القول بأنَّ الله سبحانه قال في الكفَّارة: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]، فأوجب الكفَّارة بعد العود
(2)
وقبلَ التَّماسِّ، وهذا صريحٌ في أنَّ العود غير التَّماسِّ، وأنَّ ما يَحْرُم قبل الكفَّارة لا يجوز كونه متقدِّمًا عليها. قالوا: ولأنَّه قصد بالظِّهار تحريمها، والعزمُ على وطئها عودٌ فيما قصدَه. قالوا: ولأنَّ الظِّهار تحريمٌ، فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التَّحريم، فكان عائدًا.
قال الذين جعلوه الوطء: لا ريبَ أنَّ العود فعلٌ ضِدُّ قوله، كما تقدَّم تقريره، والعائدُ فيما نُهِي عنه وإليه وله: هو فاعلُه لا مريده، كما قال تعالى:{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [المجادلة: 8]، فهذا فِعلُ المنهيِّ عنه نفسه لا إرادته.
ولا يلزم أربابَ هذا القول ما ألزمهم به أصحاب العزم، فإنَّ قولهم: إنَّ العود يتقدَّم التَّكفير، والوطء متأخِّرٌ عنه، فهم يقولون: إنَّ قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أي يريدون العود، كما قال تعالى:{يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [النحل: 98]، وكقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، ونظائره ممَّا يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها.
(1)
كما في «المغني» (11/ 73).
(2)
م: «العزم» . والمثبت من بقية النسخ موافق لما في «المغني» .
قالوا: وهذا أولى من تفسير العَود بنفس اللَّفظ الأوَّل، وبالإمساك نفسًا واحدًا بعد الظِّهار، وبتكرار لفظ الظِّهار، وبالعزم المجرَّد ولو طلَّق بعده، فإنَّ هذه الأقوال كلَّها قد تبيَّن ضعفُها، فأقرب الأقوال إلى دلالة اللَّفظ وقواعد الشَّريعة وأقوال المفسِّرين هو هذا القول. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
ومنها: أنَّ من عجز عن الكفَّارة لم تسقط عنه، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعان أوس بن الصامت بعَرَقٍ من تمرٍ، وأعانتْه امرأته بمثله حتَّى كفَّر، وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقةَ قومه فيُكفِّر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها، بل تبقى في ذمَّته دَينًا عليه. وهذا قول الشَّافعيِّ وإحدى الرِّوايتين عن أحمد.
وذهبت طائفةٌ إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بعجزه عنها وعن إبدالها. وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ كفَّارة رمضان لا تبقى في ذمَّته، بل تسقط، وغيرها من الكفَّارات لا تسقط، وهذا الذي صحَّحه أبو البركات ابن تيميَّة
(1)
.
واحتجَّ من أسقطها بأنَّها لو وجبت مع العجز لما صُرِفت إليه، فإنَّ الرَّجل لا يكون مصرِفًا لكفَّارته، كما لا يكون مصرِفًا لزكاته.
وأرباب القول الأوَّل يقولون: إذا عجز عنها وكفَّر الغير عنه، جاز أن يصرفها إليه، كما صرفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كفَّارةَ من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفَّارته التي أخرجها عنه
(1)
في «المحرر» (2/ 91).
من صدقة قومه. وهذا مذهب أحمد روايةً واحدةً عنه في كفَّارة من وطئ أهله في رمضان، وعنه في سائر الكفَّارات روايتان. والسُّنَّة تدلُّ على أنَّه إذا أعسرَ
(1)
بالكفَّارة وكفَّر عنه غيره، جاز صرْفُ كفَّارته إليه وإلى أهله.
فإن قيل: فهل تُجوِّزون
(2)
له إذا كان فقيرًا له عيالٌ وعليه زكاةٌ يحتاج إليها أن يصرِفها إلى نفسه وعياله؟
قيل: لا يجوز ذلك، لعدم الإخراج المستحقِّ عليه، ولكن للإمام أو السَّاعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصحِّ الرِّوايتين عن أحمد.
فإن قيل: فهل له أن يُسقِطها عنه؟
قيل: لا، نصَّ عليه، والفرق بينهما واضحٌ.
فإن قيل: فإذا أذن السَّيِّد لعبده في التَّكفير بالعتق فهل له أن يُعتق نفسه؟
قيل: اختلفت الرِّواية فيما إذا أذن له في التَّكفير بالمال
(3)
، هل له أن ينتقل عن الصِّيام إليه؟ على روايتين: إحداهما: أنَّه ليس له ذلك، وفرضُه الصِّيام. والثَّانية: له الانتقال إليه، ولا يلزمه، لأنَّ المنع لحقِّ السَّيِّد، وقد أذن فيه.
فإذا قلنا: له ذلك، فهل له العتق؟ اختلفت الرِّواية فيه عن أحمد، فعنه في ذلك روايتان. ووجه المنع أنَّه ليس من أهل الولاء، والعتق يعتمد الولاء، واختار أبو بكرٍ وغيره أنَّ له الإعتاق. فعلى هذا هل له عتق نفسه؟ فيه قولان
(1)
د، ص:«عسر» .
(2)
في المطبوع: «يجوز» خلاف النسخ.
(3)
انظر: «المغني» (11/ 106، 107).
في المذهب، ووجه الجواز إطلاق الإذن، ووجه المنع أنَّ الإذن في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره، كما لو أذن له في الصَّدقة انصرف الإذن إلى الصَّدقة على غيره.
فصل
ومنها: أنَّه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التَّكفير، وقد اختلف هاهنا في موضعين، أحدهما: هل له مباشرتها دون الفرج قبل التَّكفير أم لا؟ والثَّاني: أنَّه إذا كانت كفَّارته الإطعام فهل له الوطء قبله أم لا؟ وفي المسألتين قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد، وقولان للشَّافعيِّ
(1)
.
ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء: ظاهرُ قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ؛ ولأنَّه شبَّهها بمن يَحرُم وطؤها ودواعيه.
ووجه الجواز أنَّ التَّماسَّ كنايةٌ عن الجماع، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإنَّ الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصَّائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمَسْبِيَّة يَحرُم وطؤها دون دواعيه، وهذا قول أبي حنيفة.
وأمَّا المسألة الثَّانية ــ وهي وطؤها قبل التَّكفير إذا كان بالإطعام ــ فوجهُ الجواز أنَّ الله سبحانه قيَّد التَّكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصِّيام، وأطلقه في الإطعام، ولكلٍّ منهما حكمةٌ، فلو أراد التَّقييد في الطعام لذكره كما ذكره في العتق والصِّيام، وهو سبحانه لم يُقيِّدْ هذا ويُطْلِقْ هذا عبثًا، بل لفائدةٍ مقصودةٍ، ولا فائدةَ إلا تقييدُ ما قيَّده وإطلاق ما أطلقه.
(1)
انظر: «المغني» (11/ 66، 67).
ووجه المنع: استفادة حكم ما أطلقه ممَّا قيَّده، إمَّا بيانًا على الصَّحيح، وإمَّا قياسًا قد أُلغِي فيه الفارق بين الصُّورتين، وهو سبحانه لا يُفرِّق بين المتماثلين، وقد ذكر {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} مرَّتين، فلو أعاده ثالثًا طالَ
(1)
به الكلام، ونبَّه بذكره مرَّتين على تكرُّر حكمه في الكفَّارات، ولو ذكره في آخر الكلام مرَّةً واحدةً، لأوهمَ اختصاصَه بالكفَّارة الأخيرة، ولو ذكره في أوَّل مرَّةٍ لأوهم اختصاصَه
(2)
بالأول، وإعادته في كلِّ كفَّارةٍ تطويلٌ، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما وقع.
وأيضًا فإنَّه نبَّه بالتَّكفير قبلَ المسيس بالصَّوم ــ مع تطاولِ زمنه وشدَّة الحاجة إلى مسيس الزَّوجة ــ على أنَّ اشتراط تقدُّمه في الإطعام الذي لا يطولُ زمنه أولى.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أمر بالصِّيام قبل المَسِيس، وذلك يعمُّ المسيسَ ليلًا ونهارًا. ولا خلاف بين الأمَّة
(3)
في تحريم وطئها في زمن الصَّوم ليلًا
(4)
، وإنَّما اختلفوا هل يبطُل التَّتابعُ به؟ وفيه قولان، أحدهما: يبطل، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه. والثَّاني: لا يبطل، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ أخرى عنه.
(1)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لطال» .
(2)
«بالكفارة
…
اختصاصه» ساقطة من م.
(3)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الأئمة» .
(4)
بعدها في المطبوع: «ونهارًا» . وليست في النسخ.
والَّذين أبطلوا التَّتابع معهم ظاهرُ القرآن، فإنَّه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيس، ولم يوجد، ولأنَّ ذلك يتضمَّن النَّهي عن المسيس قبل إكمال الصِّيام وتحريمه، وهو يوجب عدم الاعتداد بالصَّوم؛ لأنَّه عملٌ ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون رَدًّا.
وسرُّ المسألة أنَّه سبحانه أوجب أمرين أحدهما: تتابع الشَّهرين، والثَّاني: وقوع صيامهما قبل التَّماسِّ، فلا يكون قد أتى بما أُمِر به إلا بمجموع الأمرين.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أطلق إطعام المساكين، ولم يُقيِّده بقدرٍ ولا تتابعٍ، وذلك يقتضي أنَّه لو أطعمهم فغدَّاهم أو عشَّاهم من غير تمليك حبٍّ أو تمرٍ جاز، وكان ممتثلًا لأمر اللَّه. وهذا قول الجمهور: مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وسواءٌ أطعمهم جملةً أو متفرِّقين.
فصل
ومنها: أنَّه لا بدَّ من استيفاء عدد السِّتِّين، فلو أطعم واحدًا ستِّين يومًا لم يُجْزِئْه إلا عن واحدٍ. هذا قول الجمهور مالك والشَّافعيِّ وأحمد في إحدى الروايات
(1)
عنه. والثَّانية: أنَّ الواجب طعام ستِّين مسكينًا، ولو لواحد، وهو مذهب أبي حنيفة. والثَّالثة: أنه إن وجد غيره لم يُجزِئْه، وإلَّا أجزأه، وهذه ظاهر مذهبه، وهي أصحُّ الأقوال.
(1)
في المطبوع: «الروايتين» خلاف النسخ.
ومنها: أنَّه لا يُجزِئه دفعُ الكفَّارة إلا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وعمَّم أصحابنا وغيرُهم الحكمَ في كلِّ من يأخذ من الزَّكاة لحاجته، وهم أربعةٌ: الفقراء، والمساكين، وابن السَّبيل، والغارم لمصلحته، والمكاتَب. وظاهر القرآن اختصاصها
(1)
بالمساكين، فلا يتعدَّاهم.
فصل
ومنها: أنَّ الله سبحانه أطلق الرَّقبة هاهنا ولم يُقيِّدها بالإيمان، وقيَّدها في كفَّارة القتل بالإيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفَّارة القتل على قولين: فشرَطَه الشَّافعيُّ ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه أبو حنيفة ولا أهل الظَّاهر. والَّذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: لو كان شرطًا لبيَّنه الله سبحانه، كما بيَّنه في كفَّارة القتل، بل نُطلِق ما أطلقه، ونُقيِّد ما قيَّده، فنعمل بالمطلق والمقيَّد. وزادت الحنفيَّة أنَّ اشتراط الإيمان زيادةٌ على النَّصِّ، وهي نسخٌ، والقرآن لا يُنسَخ إلا بالقرآن أو خبرٍ متواترٍ.
قال الآخرون ــ واللَّفظ للشَّافعيِّ
(2)
ــ: شرَطَ الله سبحانه في الرقبة في القتل مؤمنةً، كما شرط العدل في الشَّهادة، وأطلق الشُّهود في مواضع، فاستدللنا على أنَّ ما أُطلق على معنى ما شُرِط، وإنَّما ردَّ الله زكواتِ المسلمين على المسلمين لا على المشركين، وفرض الله الصَّدقاتِ، فلم تجز إلا لمؤمن، وكذلك ما فَرضَ من الرِّقاب لا يجوز إلا لمؤمن.
(1)
د، ص:«اختصاصا» .
(2)
كما في «مختصر المزني» (ص 204) باختلاف يسير. وانظر: «الأم» (6/ 706).
فاستدلَّ الشَّافعيُّ بأنَّ لسان العرب يقتضي حمْلَ المطلق على المقيَّد إذا كان من جنسه، فحَملَ عرْفَ الشَّرع على مقتضى لسانهم.
وهاهنا أمران:
أحدهما: أنَّ حمل المطلق على المقيَّد بيانٌ لا قياسٌ.
الثَّاني: أنَّه إنَّما يُحمَل عليه بشرطين، أحدهما: اتِّحاد الحكم، والثَّاني: أن لا يكون للمطلق
(1)
إلا أصلٌ واحدٌ. فإن كان بين أصلين مختلفين لم يُحمَل إطلاقه على أحدهما إلا بدليلٍ بعينِه
(2)
.
قال الشَّافعيُّ: ولو نذر رقبةً مطلقةً لم تُجزِئه إلا مؤمنةٌ. وهذا بناءً على هذا الأصل، وأنَّ النَّذر محمولٌ على واجب الشَّرع، وواجب العتق لا يتأدَّى إلا بعتق المسلم. وممَّا يدلُّ على هذا: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لمن استفتى في عتق رقبةٍ منذورةٍ: ائْتِني بها، فسألها أينَ اللَّه؟ فقالت: في السَّماء، فقال:«من أنا؟» ، فقالت: أنت رسول اللَّه، فقال:«أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ»
(3)
. قال الشَّافعيُّ
(4)
: فلمَّا وَصَفَت الإيمانَ أمر بعتقها. انتهى.
وهذا ظاهرٌ جدًّا أنَّ العتق المأمور به شرعًا لا يُجزِئ إلا في رقبةٍ مؤمنةٍ، وإلَّا لم يكن للتَّعليل بالإيمان فائدةٌ، فإنَّ الأعمَّ متى كان علَّةً للحكم كان الأخصُّ عديمَ التَّأثير.
(1)
في النسخ: «المطلق» .
(2)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «يعيّنه» .
(3)
أخرجه مسلم (537) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(4)
في «الأم» (6/ 707).
وأيضًا فإنَّ المقصود من إعتاق المسلم تفريغُه لعبادة ربِّه، وتخليصه من عبوديَّة المخلوق إلى عبوديَّة الخالق، ولا ريبَ أنَّ هذا أمرٌ مقصودٌ للشَّارع محبوبٌ له، فلا يجوز إلغاؤه. وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغُ العبد لعبادته وحده، وتفريغُه لعبادة الصَّليب أو الشَّمس والقمر والنَّار؟
وقد بيَّن سبحانه اشتراطَ الإيمان في كفَّارة القتل، وأحال ما سكت عنه على بيانه، كما بيَّن اشتراط العدالة في الشَّاهدين، وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بيَّنه، وكذلك غالبُ مُطلَقاتِ كلامه سبحانه ومقيّداتها لمن تأمَّلها، وهي أكثر من أن تُذكر. فمنها: قوله فيمن أمر بصدقة أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] وفي موضعٍ آخر بل مواضعَ يُعلَّق الأجر بنفس العمل اكتفاءً بالشَّرط المذكور في موضعه. وكذلك قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء: 94]، وفي مواضعَ يُعلَّق الجزاء بنفس الأعمال الصَّالحة اكتفاءً بما عُلِم من شرط الإيمان، وهذا غالبٌ في نصوص الوعد والوعيد.
فصل
ومنها: أنَّه لو أعتقَ نصفَيْ رقبتينِ لم يكن مُعتِقًا لرقبة، وفي هذا ثلاثة أقوالٍ للنَّاس
(1)
، وهي رواياتٌ عن أحمد، ثانيها: الإجزاء، وثالثها وهو أصحُّها: أنَّه إن تكمَّلت الحرِّيَّة في الرَّقبتين أجزأه، وإلَّا فلا، فإنَّه يصدُق عليه أنَّه حرَّر رقبةً، أي جعلها حرَّةً، بخلاف ما إذا لم تكمل الحرِّيَّة.
(1)
انظر: «الهداية» للكلوذاني (ص 634).
فصل
ومنها: أنَّ الكفَّارة لا تسقُط بالوطء قبل التَّكفير، ولا تتضاعف، بل هي بحالها كفَّارةٌ واحدةٌ، كما دلَّ عليه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدَّم، قال الصَّلْت بن دينار: سألت عشرةً من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفِّر، فقالوا: كفَّارةٌ واحدةٌ. قال: وهم الحسن، وابن سيرين، ومسروق
(1)
، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعًا
(2)
. وهذا قول الأئمَّة الأربعة. وصحَّ عن ابن عمر وعمرو بن العاص
(3)
أنَّ عليه كفَّارتين. وذكر سعيد بن منصورٍ
(4)
عن الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثمَّ
(1)
كذا في النسخ. والصواب: «مورّق العجلي» كما في «المحلى» و «المغني» .
(2)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 55) من طريق وكيع، وابن قدامة في «المغني» (11/ 111) عن الخلال عنه. والقائل وكيع.
(3)
أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (9/ 398) وكذا في «المحلى» (10/ 55) من طريق قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص، وسنده حسن. وذكره ابن حزم من طريق سليمان التيمي قال بلغني عن ابن عمر، كلاهما في المظاهر يطؤها قبل أن يكفر؟ قالا جميعًا: عليه كفارتان. وانظر: «الاستذكار» (6/ 52) ، و «المغني» (11/ 111).
(4)
في «سننه» (1833) وعنه ابن حزم في «المحلى» (10/ 55) من طريق هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن، وعبيدة عن إبراهيم، قالا: عليه ثلاث كفارات. وفي سند إبراهيم: عبيدة الضبي، وهو ضعيف. ولفظه عند ابن حزم: قالا جميعًا في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر: عليه ثلاث كفارات، وهي زيادة ليست في «سنن سعيد بن منصور» .
تنبيه: نُقل عن الحسن والنخعيِّ في هذه المسألة قولان؛ أولهما: ثلاثُ كفارات، كما حكاه المصنِّف هنا، وقبله ابن حزم؛ اعتمادًا على رواية سعيد بن منصور السابقة، وفي هذا نظر؛ إذ الظاهر أن هذه الروايةَ لمسألة أخرى؛ حيث ساقها سعيدٌ إثر حكمِ مَن ظاهر مِن ثلاث نسوة، وليس في نصِّها ما يُشعر بتعلقها بالجماع قبل التكفير، وزيادةُ ابن حزم ليست في «السنن» كما مرَّ!
والثاني: كفارة واحدة، رواه سعيد (1828، 1829) وعبد الرزاق (11524) من طريق يونس عن الحسن، ومغيرة عن إبراهيم، ولفظ الحسن:«إنْ واقَع المظاهِر قبل أن يكفِّر فليُمْسكْ عن غشيانها، وليستغفر الله عز وجل ويتبْ إليه، ويكفِّرْ كفارة واحدة» . وسنده صحيح، ويؤكِّده أثرُ الصّلت السابق؛ حيث عَدَّ الحسنَ في القائلين بالكفارة الواحدة، وأعقبه ابن حزم بقوله:«وهو قول إبراهيم النخعي والشعبي» ! وحكاه عنهما أيضًا ابن المنذر في «الإشراف» (5/ 295)، ومما يَعضده إغفالُ ابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وغيرهم القولَ بالثلاث أصلًا، على أن القول به لا يعضده نظر؛ كما قال المصنف هنا:«ولا يُعرف له وجهٌ» ؛ فالحاصل أن حكاية القول بإيجاب ثلاث كفارات فيها نظر؛ فتأمَّل!
يطأ قبل أن يكفِّر: عليه ثلاث كفَّاراتٍ.
وذُكِر عن الزُّهريِّ وسعيد بن جبيرٍ وأبي يوسف أنَّ الكفَّارة تسقط
(1)
، ووجهُ هذا: أنَّه فات وقتها، ولم يبقَ له سبيلٌ إلى إخراجها قبل المسيس. وجواب هذا: أنَّ فوات وقت الأداء لا يُسقِط الواجب في الذِّمَّة، كالصَّلاة والصِّيام وسائر العبادات.
(1)
انظر: «نيل الأوطار» (6/ 310) و «أضواء البيان» (6/ 193). وقد جاء عن سعيد والزهري القول بالكفارتين، أما سعيد ففي ما رواه سعيد بن منصور (1830) عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن رجل ظاهر ثم غشيها قبل أن يكفر قال:«عليه كفارتان» . وسنده حسن. وعزاه إليه ابن حزم وابن قدامة. انظر: «الإشراف» (5/ 295) و «المحلى» (10/ 55) و «المغني» (8/ 41). وأما الزهري فعند عبد الرزاق (11530) عن معمر عنه: «عليه كفارتان» ، وحكاه عنه ابن المنذر وابن قدامة أيضًا.
ووجه وجوب الكفَّارتين: أنَّ إحداهما للظِّهار الذي اقترن به العَود، والثَّانية للوطء المحرَّم، كالوطء في نهار رمضان وكوطء المُحْرِم.
ولا يُعلَم لإيجاب الثَّلاث وجهٌ، إلا أن يكون عقوبةً على إقدامه على الحرام.
وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلُّ على خلاف هذه الأقوال الثلاث
(1)
، والله أعلم.
(1)
كذا في النسخ، و «الثلاث» ليست في المطبوع.