الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في حكمه صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش، وأن الأمة تكون فراشًا، وفيمن استلحق بعدَ موتِ أبيه
ثبت في «الصَّحيحين»
(1)
من حديث عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقَّاصٍ وعبد بن زَمْعَة في غلامٍ، فقال سعد: هذا يا رسولَ الله ابنُ أخي عتبةَ بن أبي وقّاص، عهِدَ إليَّ أنَّه ابنه، انظُرْ إلى شَبَهِه. وقال عبد بن زَمْعة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى شَبَهًا بيِّنًا بعتبة فقال:«هو لك يا عبدُ بنَ زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة» . فلم تَرَه سودةُ قطُّ.
فهذا الحكم النَّبويُّ أصلٌ في ثبوت النَّسب بالفراش، وفي أنَّ الأمة تكون فراشًا بالوطء، وفي أنَّ الشَّبَه إذا عارض الفراش قُدِّم عليه الفراش، وفي أنَّ أحكام النَّسب تتبعَّض فتثبتُ من وجهٍ دون وجهٍ، وهو الذي يُسمِّيه بعض الفقهاء
(2)
حكمًا بين حكمين، وفي أنَّ القافة حقٌّ وأنَّها من الشَّرع.
فأمَّا ثبوت النَّسب بالفراش فأجمعت عليه الأمَّة.
وجهات ثبوت النَّسب أربعةٌ: الفراش، والاستلحاق، والبيِّنة، والقافة. فالثَّلاثة الأُوَل متَّفقٌ عليها، واتَّفق المسلمون على أنَّ
(3)
النِّكاح يثبت به
(1)
أخرجه البخاري (2218، 6765) ومسلم (1457).
(2)
لعله يقصد ما ذكره ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» (4/ 70) ونسبه إلى بعض المالكية. وذكره عياض في «إكمال المعلم» (4/ 650)، وأشار إليه ابن حجر في «الفتح» (12/ 38).
(3)
«أن» ساقطة من د.
الفراش. واختلفوا في التَّسرِّي، فجعله جمهور الأمَّة موجبًا للفراش، واحتجُّوا بصريح حديث عائشة الصَّحيح، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قضى بالولد لزَمْعة، وصرَّح بأنَّه صاحب الفراش، وجعل ذلك علَّةً للحكم بالولد له، فسببُ الحكم ومحلُّه إنَّما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحملُه على الحرَّة التي لم تُذكَر البتَّةَ، وإنَّما كان الحكم في غيرها، فإنَّ هذا يستلزم إلغاءَ ما اعتبره الشَّارع وعلَّق الحكم به صريحًا، وتعطيلَ محلِّ الحكم الذي كان لأجله وفيه.
ثمَّ لو لم يَرِد الحديث الصَّحيح فيه لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزله الله تعالى ليقوم النَّاس بالقسط، وهو التَّسوية بين المتماثلين، فإنَّ السُّرِّيَّة فراشٌ حسًّا وحقيقةً وحكمًا، كما أنَّ الحرَّة كذلك، وهي تُراد لما تُراد له الزَّوجة من الاستمتاع والاستيلاد، ولم يزل النَّاس قديمًا وحديثًا يرغبون في السَّراريِّ لاستيلادهنَّ واستفراشهنَّ، والزَّوجة إنَّما سمِّيت فراشًا لمعنًى هي والسُّرِّيَّة فيه على حدٍّ سواءٍ.
وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشًا بأوَّل ولدٍ ولدتْه من السَّيِّد، فلا يلحقه الولد إلا إذا استلحقه، فيَلْحَقُه حينئذٍ بالاستلحاق لا بالفراش، فما ولدت بعد ذلك لحِقَه، إلا أن ينفيه. فعندهم ولدُ الأمة لا يَلْحَق السَّيِّدَ
(1)
إلا أن يتقدَّمه ولدٌ مستلحقٌ، ومعلومٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ألحق الولدَ بزمعة وأثبتَ نسبَه منه، ولم يَثبُتْ قطُّ أنَّ هذه الأمة ولدتْ له قبل ذلك غيرَه، ولا سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا استفصلَ فيه.
(1)
في المطبوع بعدها: «بالفراش» وليست في النسخ.
قال منازعوهم: وليس لهذا التَّفصيل أصلٌ في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا أثرٍ عن صاحبٍ، ولا تقتضيه قواعد الشَّرع وأصوله.
قالت الحنفيَّة: نحن لا ننكر كونَ الأمة فراشًا في الجملة، ولكنَّه فراشٌ ضعيفٌ هي فيه دون الحرَّة، فاعتبرنا ما تَعتِق به، بأن تَلِدَ منه ولدًا فيستلحقه، فما ولدتْ بعد ذلك لحِقَ به إلا أن ينفيه، وأمَّا الولد الأوَّل فلا يَلحقُه إلا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يَلْحَقه ما بعده إلا باستلحاقٍ مستأنفٍ، بخلاف الزَّوجة. والفرق بينهما: أنَّ عقد النِّكاح إنَّما يُراد للوطء والاستفراش، بخلاف مِلْك اليمين، فإنَّ الوطء والاستفراش فيه تابعٌ، ولهذا يجوز ورودُه على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النِّكاح.
قالوا: والحديث لا حجَّةَ لكم فيه؛ لأنَّ وطء زمعة لم يثبت، وإنَّما ألحقه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعَبْدٍ أخًا لأنَّه استلحقه، فألحقَه باستلحاقه لا بفراش الأب.
قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءةً فهي فراشٌ حقيقةً وحكمًا، واعتبارُ ولادتها السَّابقة في صيرورتها فراشًا اعتبارُ ما لا دليلَ على اعتباره شرعًا، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يعتبره في فراش زَمْعة، فاعتباره تحكُّمٌ.
وقولكم: إنَّ الأمة لا تُراد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتُّخِذتْ سُرِّيَّةً وفراشًا وجُعِلت كالزَّوجة أو أحظى
(1)
منها، لا في أَمتِه التي هي أختُه من الرَّضاع ونحوها.
وقولكم: إنَّ وطء زمعة لم يثبت حتَّى يَلْحَق به الولد، ليس علينا جوابه، بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزَمْعة وقال لابنه: هو أخوك.
(1)
د، ص:«أحضى» ، خطأ.
وقولكم: إنَّما ألحقه بالأخ لأنَّه استلحقه، باطلٌ، فإنَّ المستلْحَق إن
(1)
لم يُقِرَّ به جميعُ الورثة لم يَلْحَق بالمُقِرِّ، إلا أن يشهد منهم اثنان أنَّه وُلد على فراش الميِّت، وعَبْدٌ لم يكن
(2)
جميعَ الورثة، فإنَّ سودةَ زوجةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أختُه، وهي لم تُقِرَّ به ولم تَستلحِقْه، وحتَّى لو أقرَّت به مع أخيها عبْدٍ لكان ثبوت النَّسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صرَّح عقيبَ حكمِه بإلحاق النَّسب بأنَّ الولد للفراش، معلِّلًا بذلك، منبِّهًا على قضيَّةٍ كلِّيَّةٍ عامَّةٍ تتناول هذه الواقعةَ وغيرها.
ثمَّ جواب هذا الاعتراض الباطل المحرَّم أنَّ ثبوت كون الأمة فراشًا بالإقرار من الواطئ أو وارثِه كافٍ في لُحوق النَّسب، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ألحقه
(3)
به بقوله: ابن وليدةِ أبي، وُلِد على فراشه، كيف وزَمعةُ كان صِهْر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وابنتُه تحتَه، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النَّسب؟
وأمَّا ما نقضتم به علينا أنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يلحقْه ما بعده إلا بإقرارٍ مستأنفٍ، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما، والثَّاني: أنَّه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارًا. ومن رجَّح القول الأوَّل قال: قد يستبرئها السَّيِّدُ بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يَلحقُه ما بعد الأوَّل إلا باعترافٍ مستأنفٍ أنَّه وطئها كالحال في أوَّل ولدٍ. ومن رجَّح الثَّاني قال: قد ثبت كونها فراشًا أوَّلًا، والأصل بقاء الفراش حتَّى يثبتَ ما يُزيله، إذ ليس هذا نظيرَ قولكم: إنَّه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتَّى يستلحقه.
(1)
«إن» ليست في د، ص.
(2)
بعدها في المطبوع: «يقر له» ، ليست في النسخ.
(3)
ص، د، ب:«ألحق» .
وأبطلُ من هذا الاعتراض قولُ بعضهم
(1)
: إنَّه لم يُلحِقه به أخًا، وإنَّما جعله له عبدًا، ولهذا أتى فيه بلام التَّمليك فقال:«هو لك» أي: مملوكُك. وقوَّى هذا الاعتراضَ بأنَّ في بعض ألفاظ الحديث: «هو لك عبدٌ»
(2)
، وبأنَّه أمر سودةَ أن تحتجبَ منه، ولو كان أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدلَّ على أنَّه أجنبيٌّ منها.
قال: وقوله: «الولد للفراش» تنبيهٌ على عدم لحوق نسبه بزَمْعة، أي لم تكن هذه الأمة فراشًا له؛ لأنَّ الأمة لا تكون فراشًا، والولد إنَّما هو للفراش، وعلى هذا يصحُّ أمر احتجابِ سودةَ منه.
قال: ويُؤكِّده أنَّ في بعض طرق الحديث: «احتجبي منه فإنَّه ليس لكِ بأخٍ»
(3)
. قالوا: وحينئذٍ فتبيَّن أنَّا أسعدُ بالحديث وبالقضاء النَّبويِّ منكم.
قال الجمهور: الآن حَمِيَ الوطيسُ، والتقتْ حَلْقتا البِطانِ، فنقول ــ والله
(1)
هو الطحاوي، انظر:«معاني الآثار» (3/ 115)، و «مشكل الآثار» (11/ 19).
(2)
عزاه الحافظ في «الفتح» (12/ 36) إلى النسائي، ولم أجده فيه، وسيأتي تضعيف المصنف له، وقال الحافظ:«وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النداء بين (لك) و (عبد)» . والحديث أصله في «الصحيحين» كما مرَّ.
(3)
أخرجه أحمد (16127) من طريق مجاهد عن ابن الزبير، ولم يسمع منه، وجاء بينهما يوسف بن الزبير عند عبد الرزاق (13820)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4256)، والنسائي (3485)، والحاكم (4/ 96) وصححه، ويوسف هذا قال عنه الحافظ: مقبول، وهو مجهول لا يحتمل تفرُّدُه؛ وزيادته هذه مخالفة لرواية البخاري «هو أخوك» ؛ لذا ضعَّفها الخطابي في «المعالم» (3/ 280)، وتبعه النووي كما نقله في «الفتح» (12/ 37)، وحسَّنها الحافظ مؤوِّلًا معناها.
المستعان ــ أمَّا قولكم: إنَّه لم يُلحِقه به أخًا وإنَّما جعله عبدًا، يردُّه ما رواه محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ في «صحيحه»
(1)
في هذا الحديث: «هو لك، هو أخوك يا عبدُ بن زَمْعة» ، وليست اللَّام للتَّمليك، وإنَّما هي للاختصاص كقوله:«الولد للفراش» .
فأمَّا لفظة: «هو لك عبدٌ» ، فروايةٌ باطلةٌ لا تصحُّ أصلًا.
وأمَّا أمره سودةَ بالاحتجاب منه، فإمَّا أن يكون على طريق الاختيار
(2)
والورع لمكان الشُّبهة التي أورثها الشَّبَهُ البيِّن بعتبة، وإمَّا أن يكون مراعاةً للشَّبَهينِ وإعمالًا للدَّليلينِ، فإنَّ الفراش دليلُ لحوق النَّسب، والشَّبه بغير صاحبه دليلُ نفيِه، فأعمل أمر الفراش بالنِّسبة إلى المدَّعي لقوَّته، وأعمل الشَّبه بعتبة بالنِّسبة إلى ثبوت المَحرميَّة بينه وبين سودة. وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمتنع ثبوتُ النَّسب من وجهٍ دون وجهٍ، فهذا الزَّاني يثبت النَّسب بينه وبين الولد في التَّحريم والبعضيَّة، دون الميراث والنَّفقة والولاية وغيرها، وقد يتخلَّف بعض أحكام النَّسب عنه مع ثبوته لمانعٍ، وهذا كثيرٌ في الشَّريعة، فما يُنكَر
(3)
مِن تخلُّفِ المحرميَّةِ بين سودة وبين هذا الغلام لمانعِ الشَّبَهِ بعتبة؟ وهل هذا إلا محض الفقه؟
وقد عُلِم بهذا معنى قوله: «ليس لك بأخٍ» لو صحَّت هذه اللَّفظة، مع أنَّها لا تصحُّ، وقد ضعَّفها أهل العلم بالحديث، ولا نبالي بصحَّتها مع قوله لعبد:«هو أخوك» . وإذا جمعتَ أطرافَ كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقرنت قوله:«هو أخوك»
(1)
برقم (4303) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الاحتياط» .
(3)
في المطبوع: «فلا ينكر» خلاف النسخ. و «ما» هنا استفهامية.
بقوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، تبيَّن لك بطلان ما ذكروه من التَّأويل، وأنَّ الحديث صريحٌ في خلافه، لا يحتمله بوجهٍ، والله أعلم.
والعجب أنَّ منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزَّوجة فراشًا بمجرَّد العقد، وإن كان بينها وبين الزَّوج بُعْدُ المشرقين، ولا يجعلون سُرِّيَّته التي تكرَّرَ استفراشه لها ليلًا ونهارًا فراشًا!
فصل
واختلف الفقهاء فيما تصير به الزَّوجة فراشًا، على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه نفس العقد وإن عُلِم أنَّه لم يجتمع بها، بل لو طلَّقها عقيبَه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة.
والثَّاني: أنَّه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد.
والثَّالث: أنَّه العقد مع الدُّخول المحقَّق لا إمكانُه المشكوك فيه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال
(1)
: إنَّ أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنَّه نصَّ في روايته
(2)
فيمن طلَّق قبل البناء وأتت امرأته بولدٍ فأنكره، أنَّه ينتفي عنه بغير لعانٍ. وهذا هو الصَّحيح المجزوم به، وإلَّا فكيف تصير المرأة فراشًا ولم يدخل بها الزَّوج ولم يَبْنِ بها لمجرَّد إمكانٍ بعيدٍ؟ وهل يَعُدُّ أهلُ العرف أو اللُّغة المرأةَ فراشًا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشَّريعة بإلحاق نسبٍ بمن لم يَبْنِ بامرأته ولا دخلَ بها ولا اجتمع بها لمجرَّد إمكان ذلك؟ وهذا
(1)
لم أجد كلامه في المطبوع من كتبه. وانظر: «الفروع» (9/ 216)، و «الاختيارات» للبعلي (ص 399).
(2)
لم أجد النصَّ في المطبوع منها. وهو في «المحرر» (2/ 101).
الإمكان قد يقطع بانتفائه عادةً، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بدخولٍ محقَّقٍ. وباللَّه التَّوفيق.
وهذا الذي نصَّ عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه. والله أعلم.
واختلفوا أيضًا فيما تصير به الأمة فراشًا، فالجمهور
(1)
أنَّها لا تصير فراشًا إلا بالوطء ، وذهب بعض المتأخِّرين من المالكيَّة
(2)
أنَّ الأمة التي تُشترى للوطء دون الخدمة، كالمرتفعة التي يُفهم من قرائن الأحوال أنَّها إنَّما تُراد للتَّسرِّي، فتصير فراشًا بنفس الشِّراء. والصَّحيح أنَّ الأمة والحرَّة لا تصيرانِ فراشًا إلا بالدُّخول.
فصل
فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النَّسب، وهو الفراش.
الثَّاني: الاستلحاق، وقد اتَّفق
(3)
أهل العلم على أنَّ للأب أن يستلحق، فأمَّا الجدُّ فإن كان الأب موجودًا لم يُؤثِّر استلحاقُه شيئًا، وإن كان معدومًا ــ وهو كلُّ الورثة ــ صحَّ إقراره وثبتَ نسبُ المقرِّ به، وإن كان بعضَ الورثة وصدَّقوه فكذلك، وإلَّا لم يثبت نسبُه إلا أن يكون أحد الشَّاهدين فيه. والحكمُ في الأخ كالحكم في الجدِّ سواءٌ.
والأصل في ذلك أنَّ من حاز المالَ ثبتَ النَّسبُ بإقراره واحدًا كان أو
(1)
بعدها في المطبوع: «على» ، وليست في النسخ.
(2)
بعدها في المطبوع: «إلى» ، وليست في النسخ.
(3)
م: «استحق» ، خطأ.
جماعةً، هذا أصلُ مذهب أحمد والشَّافعيِّ، لأنَّ الورثة قاموا مقام الميِّت وحلُّوا محلَّه.
وأورد بعض النَّاس على هذا الأصل أنَّه لو كان إجماعُ الورثة على إلحاق النَّسب يُثبِت النَّسب للزمَ إذا أجمعوا على نفي حَمْلٍ من أمةٍ وطئها الميِّت أن يحلُّوا محلَّه في نفي النَّسب، كما حلُّوا محلَّه في إلحاقه. وهذا لا يَلزم؛ لأنَّا اعتبرنا جميعَ الورثة، والحمل من الورثة، فلم يُجمِع الورثة على نفيه.
فإن قيل: فأنتم اعتبرتم في ثبوت النَّسب إقرارَ جميع الورثة، والمقرُّ هاهنا إنَّما هو عبد، وسودةُ لم تُقِرَّ به وهي أخته، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ألحقه بعبدٍ باستلحاقه، ففيه دليلٌ على استلحاق الأخ وثبوت النَّسب بإقراره، ودليلٌ على أنَّ استلحاق أحد الإخوة كافٍ.
قيل: سودةُ لم تكن مُنكِرةً، فإنَّ عَبْدًا استلحقه وأقرَّتْه سودةُ على استلحاقه، وإقرارُها وسكوتُها على هذا الأمر ــ المتعدِّي حكمُه إليها من خلوته بها، ورؤيتِه إيَّاها، وصيرورتِه أخًا لها ــ تصديقٌ لأخيها عبْدٍ وإقرارٌ بما أقرَّ به، وإلَّا لبادرتْ إلى الإنكار والتَّكذيب، فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها. هذا إن كان لم يصدر منها تصديقٌ صريحٌ فالواقعة واقعة عينٍ، ومتى استلحق الأخُ أو الجدُّ أو غيرهما نسبَ من لو أقرَّ به موروثُهم
(1)
لَحِقَه= ثبت نسبُه ما لم يكن هناك وارثٌ منازعٌ، فالاستلحاق مقتضٍ لثبوت النَّسب، ومنازعةُ غيرِه من الورثة مانعٌ من الثُّبوت، فإذا وُجِد المقتضي ولم يمنع مانعٌ من اقتضائه ترتَّبَ عليه حكمُه.
(1)
كذا في النسخ. وفي المطبوع: «مورثهم» .