المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معهوبين مفارقتهن له - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ٥

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصولٌ(1)في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في أقضيته وأحكامه

- ‌فصلٌفي حكمه فيمن قَتَل عبدَه

- ‌فصلفي حُكمه في المحاربين

- ‌فصلفي حُكمه بين القاتل ووليّ المقتول

- ‌فصلفي حُكمه بالقوَد على من قتل جاريةً، وأنه يُفعَل به كما فَعَل

- ‌فصلفي حُكمه صلى الله عليه وسلم فيمن ضرب امرأة حاملًا فطرحها

- ‌فصلفي حُكمه صلى الله عليه وسلم بالقَسَامة(3)فيمن لم يُعرف قاتلُه

- ‌فصلفي حُكمه صلى الله عليه وسلم في أربعة سقطوا في بئر فتعلّق بعضُهم ببعض فهَلَكوا

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوّج امرأة أبيه

- ‌فصلفي حُكمه صلى الله عليه وسلم بقتل من اتهم بأم ولده فلما ظهرت براءته أمسك عنه

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في القتيل يوجد بين قريتين

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم بالقصاص في كسر السِّنّ

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن عضّ يدَ رجلٍ فانتزع يدَه من فيهفسقطت ثنيةُ العاضّ بإهدارها

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فخَذَفه بحصاةأو فقأ عينه فلا شيء عليه

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم على من أقرّ بالزنا

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في الرجل يزني بجارية امرأته

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في السارق

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم على مَن اتهم رجلًا بسرقة

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن سَبّه مِن مسلم أو ذمِّي أو معاهَد

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم فيمن سَمَّه

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الساحر

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في أول غنيمة كانت في الإسلام وأوّل قتيل

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الجاسوس

- ‌فصلفي حُكْمه في الأسرى

- ‌فصل في حُكْمه صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في فتح مكة

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمينثم ظَهَر عليه المسلمون أو أَسْلَم عليه المشركون

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم فيما كان يُهدى إليه

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدُوِّه، وفي رسلهم أن لا يُقتلوا ولا يُحبَسوا، وفي النَّبْذِ إلى مَن عاهده على سواءٍ إذا خاف منه نقض العهد

- ‌فصلفي حُكْمه في الأمان الصادر من الرجال والنساء

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تُقبل

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الهدنة وما ينقضها

- ‌ذِكْر أقضيته وأحكامه في النكاح وتوابعه

- ‌فصلفي حُكْمه في الثَّيِّب والبكر يزوِّجهما أبوهما

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في النكاح بلا وليّ

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في نكاح التفويض

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأةً فوجدها في الحَبَلِ

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الشروط في النكاح

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشِّغار، والمحلِّل والمتعة،ونكاح المُحرِم، ونكاح الزانية

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر من أربعة نسوة أو على أختين

- ‌فصلفيما حَكَم الله سبحانه بتحريمه من النساء على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الزوجين يُسلم أحدُهما قبل الآخر

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في العَزْل

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم في الغَيْل، وهو وطء المرضعة

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في قَسْم الابتداء والدوام بين الزوجات

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في تحريم وطء المرأة الحُبْلى من غير الواطئ

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الرجل يُعتق أمته ويجعل عتقها صَداقها

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في صحة النكاح الموقوف على الإجازة

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم بثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد

- ‌فصلفي قضائه صلى الله عليه وسلم في الصّداق بما قلّ وكثر، وقضائه بصحة النكاحعلى ما مع الزوج من القرآن

- ‌فصلفي حُكْمه صلى الله عليه وسلم وخلفائه في أحد الزوجين يجد بصاحبه بَرَصًاأو جُنونًا أو جُذامًا أو يكون الزوج عنّينًا

- ‌فصلفي حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها

- ‌حُكْم(1)رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما

- ‌حُكْم النبي صلى الله عليه وسلم في الخُلْع

- ‌ذِكْر أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطَّلاق

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق قبل النكاح

- ‌حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم طلاق الحائض والنفساءوالموطوءة في طُهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلَّق ثلاثًا بكلمة واحدة

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد يُطلِّق زوجته تطليقتين ثم يَعْتِق بعد ذلك، هل تَحِلُّ له بدون زوج وإصابة

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّ الطلاق بيد الزوجِ لا بيد غيرِه

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن طلَّق دون الثلاث،ثم راجعها بعدَ زوج: أنها على بقية الطلاق

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن المطلقة ثلاثًا لا تَحِلُّ للأوّلحتى يطأها الزوج الثاني

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تُقيم شاهدًا واحدًا على طلاق زوجها والزوج مُنكِر

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المُقَام معهوبين مفارقتهن له

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بيَّنه عن ربّه تبارك وتعالى فيمن حرَّمَ أمتَه أو زوجتَه أو متاعَه

- ‌فصلالفصل الثَّالث:

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الرجل لأمرته: الْحقي بأهلِكِ

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظِّهاروبيان ما أنزل الله فيه، ومعنى العَوْد الموجب للكفَّارة

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيلاء

- ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان

- ‌فصلالحكم الثَّاني:

- ‌فصلالحكم الثَّالث:

- ‌فصلالحكم الرَّابع:

- ‌فصلالحكم الخامس:

- ‌فصلالحكم السَّادس:

- ‌فصلالحكم السَّابع:

- ‌فصلالحكم الثَّامن:

- ‌فصلالحكم التَّاسع:

- ‌فصلالحكم العاشر:

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم في لحوق النَّسب بالزَّوج إذا خالف لونُ ولده لونَه

- ‌فصلفي حكمه صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش، وأن الأمة تكون فراشًا، وفيمن استلحق بعدَ موتِ أبيه

- ‌فصلالثَّالث: البيِّنة

- ‌فصلالرَّابع: القافة

- ‌ذكر حكمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضائه باعتبار القافة وإلحاقِ النَّسب بها

- ‌ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزِّنا وتوريثه

- ‌ذكر الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب في الجماعةالذين وقعوا على امرأة في طهرٍ واحد، ثم تنازعوا الولدَ،فأقرعَ بينهم فيه، ثم بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فضحكَ ولم يُنكِره

الفصل: ‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معهوبين مفارقتهن له

والرِّواية الثَّانية عنه: أنَّ الزَّوج إذا نكَلَ عن اليمين حُبِس، فإن طال حبْسُه تُرِك.

واختلفت الرِّواية عن الإمام أحمد: هل يُقضى بالنُّكول في دعوى المرأة الطَّلاق؟ على روايتين. ولا أثر عنده لإقامة الشَّاهد الواحد؛ بل إذا ادَّعت عليه الطَّلاق، ففيه روايتان في استحلافه، فإن قلنا: لا يُستحلَف لم يكن لدعواها أثرٌ، وإن قلنا: يستحلف، فأبى، فهل يحكم عليه بالطَّلاق؟ فيه روايتان. وسيأتي إن شاء الله الكلامُ في القضاء بالنُّكول، وهل هو إقرارٌ أو بدلٌ أو قائمٌ مقام البيِّنة؟ في موضعه من هذا الكتاب.

‌حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المُقَام معه

وبين مفارقتهن له

ثبت في «الصَّحيحين»

(1)

عن عائشة قالت: لمَّا أُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال:«إنِّي ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتى تستأمري أبويك» . قالت: وقد عَلِم أنَّ أَبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثمَّ قرأ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29]. فقلت: في هذا أَستأمر أبويَّ؟ فإنِّي أريد الله ورسوله والدَّار الآخرة. قالت عائشة: ثمَّ فعل أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَ ما فعلتُ، فلم يكن ذلك طلاقًا.

قال ربيعة وابن شهابٍ: فاختارت واحدةٌ منهنَّ نفسَها فذهبتْ، وكانت البتَّة. قال ابن شهابٍ: وكانت بدويَّةً. قال عمرو بن شعيبٍ: وهي ابنة

(1)

أخرجه البخاري (4786)، ومسلم (1475).

ص: 405

الضحّاك العامرية، رجعتْ إلى أهلها. وقال ابن حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. وقيل: لم يدخل بها، وكانت تلتقط بعدَ ذلك البَعْرَ، وتقول: أنا الشَّقيَّة

(1)

.

واختلف النَّاس في هذا التَّخيير، في موضعين: أحدهما: في أيِّ شيءٍ كان؟ والثَّاني: في حكمه.

فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه الجمهور أنَّه كان بين المقام معه والفراق، وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه»

(2)

عن الحسن: أنَّ الله تعالى إنَّما خيَّرهنَّ بين الدُّنيا والآخرة، ولم يخيِّرهنَّ في الطَّلاق. وسياقُ القرآن وقولُ عائشة يردُّ قولَه، ولا ريبَ أنَّه سبحانه خيَّرهنَّ بين الله ورسوله والدَّار الآخرة، وبين الحياة الدُّنيا وزينتها، وجعلَ موجَبَ اختيارِهنَّ الله ورسولَه والدَّار الآخرة المُقامَ مع رسوله، وموجَبَ اختيارهنَّ الدُّنيا وزينتَها أن يُمتِّعهنَّ ويُسرِّحهنَّ سراحًا جميلًا، وهو الطَّلاق بلا شكٍّ ولا نزاعٍ.

وأمَّا اختلافهم في حكمه، ففي موضعين. أحدهما: في حكم

(3)

اختيار الزَّوج، والثَّاني: في حكم اختيار النَّفس.

(1)

انظر: «طبقات ابن سعد» (8/ 142)، و «الاستيعاب» (4/ 1899)، و «الإصابة» (4/ 104 وما بعدها).

(2)

برقم (11984) وفي سنده راوٍ لم يُسَمَّ، وأخرجه ابن جرير في «تفسيره» (20/ 252) من طريق قتادة عنه:«أن الله خيرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار» ، وسنده صحيح على شرط الشيخين.

(3)

«حكم» ليست في ز.

ص: 406

فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه معظم أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ونساؤه كلُّهنَّ ومعظم الأمَّة: أنَّ من اختارت زوجَها لم تَطْلُق، ولا يكون التَّخيير بمجرَّده طلاقًا، صحَّ ذلك عن عمر

(1)

وابن مسعودٍ

(2)

وابن عبَّاسٍ

(3)

وعائشة. قالت عائشة: خَيَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم نَعُدَّه

(4)

طلاقًا

(5)

. وعن أم سلمة وقَرِيبةَ

(6)

أختِها وعبدِ الرحمن بن أبي بكر

(7)

.

(1)

رواه ابن أبي شيبة (18402) والبيهقي (7/ 345) بسند صحيح من طريق زاذان، وكذا أبو يوسف في «الآثار» (633) وسعيد بن منصور (1649) بسند منقطع.

(2)

رواه عنه أبو يوسف في «الآثار» (633)، وعبد الرزاق (11973، 11975)، والطبراني في «الكبير» (9653، 9656) بأسانيد منقطعة.

(3)

روى ابن أبي شيبة (18409) من طريق طاوس عنه: أنه كان يقول في الخيار مثل قول عمر وعبد الله. وفي سنده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.

(4)

د، ص، ح:«يعده» . والمثبت من م موافق للرواية.

(5)

أخرجه مسلم (1477).

(6)

بفتح أوله، ويقال بالتصغير، كما في «الإصابة» (14/ 134).

(7)

أخرج مالك ــ رواية محمد بن الحسن ــ (567)، وبنحوه عبد الرزاق (11896)، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة: أنها خَطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ بنتَ أبي أمية، فزوَّجوه، ثم إنهم عَتبوا على عبد الرحمن، وقالوا ــ القائل أمُّ سلمة ــ: ما زوَّجْنا إلا عائشة، فأرسلتْ عائشةُ إلى عبد الرحمن فذكرتْ ذلك له، فجعل أمرَ قريبة بيدها، فاختارت زوجها فلم يكن ذلك طلاقًا. وعند عبد الرزاق:«فقالت أم سلمة لأختها: أما عائشة فقد قضت مدَّتها، وأما أنتِ فأحدثي من أمركِ ما شئت» . وفي الباب عن عائشة أيضًا عند مالك (568) وسعيد بن منصور (1662) في قصة أخرى مشابهة.

ص: 407

وصحَّ عن علي

(1)

وزيد بن ثابتٍ

(2)

وجماعةٍ من الصَّحابة: أنَّها إن اختارتْ زوجَها فهي طلقةٌ رجعيَّةٌ، وهو قول الحسن

(3)

، وروايةٌ عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصورٍ، قال

(4)

: إن اختارت زوجها فواحدةٌ يملك الرَّجعة، وإن اختارت نفسَها فثلاثٌ. قال أبو بكر

(5)

: انفرد بهذا إسحاق بن منصورٍ، والعمل على ما رواه الجماعة.

(1)

جاء عن علي ثلاثُ روايات، أشهرها: إن اختارت نفسها فتطليقة بائنة، وإلا فتطليقة رجعية، رواه ابن أبي شيبة (18402)، والبيهقي في «الكبرى» (7/ 345) بسند صحيح من طريق زاذان عنه. ورواه أبو يوسف في «الآثار» (632)، وعبد الرزاق (11974، 11977)، وابن أبي شيبة (18398)، وسعيد بن منصور (1650)، بأسانيد منقطعة. وثانيها: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، وإلا فلا شيء. دلَّ عليه أثر زاذان السابق، وفيه: أنه إنما قال به متابعةً لعمر، ثم رجع عنه إلى الأوَّل. وثالثها: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإلا فلا شيء عليها. رواه عبد الرزاق (11981) من طريق أبي جعفر الباقر عنه، ولم يُدركْه، ونقل عنه الباقر أيضًا قولًا كعمر! انظر:«معرفة السنن» (11/ 54).

(2)

جاء عن زيد روايتان: أشهرهما: إن اختارت نفسها فثلاث، وإلا فواحدة بائنة، رواه ابن أبي شيبة (18402)، والبيهقي في «الكبرى» (7/ 345) وسنده صحيح. ورواه عبد الرزاق (11979)، وسعيد بن منصور (1651) وابن أبي شيبة (18404) بأسانيد منقطعة. الثانية: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، وإلا فلا شيء، كقول عمر. رواه عبد الرزاق (11976، 11996) وابن أبي شيبة (18405) عنه بسند صحيح.

(3)

رواه عبد الرزاق (11978، 11979) بلفظ: «إن خيرها فاختارت زوجها فهي واحدة هو أملك بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث» . وفي سنده راوٍ لم يُسمّ. وانظر: «الاستذكار» (6/ 72 - 76)، و «الفتح» (9/ 368)، و «المغني» (10/ 391).

(4)

كما في «المغني» (10/ 391). وانظر: «مسائله» (4/ 1757).

(5)

المصدر نفسه.

ص: 408

قال صاحب «المغني»

(1)

: ووجه هذه الرِّواية أنَّ التَّخيير كنايةٌ نوى بها الطَّلاق، فوقع بمجرَّدها كسائر كناياته.

وهذا هو الذي صرَّحت

(2)

عائشة ــ والحقُّ معها ــ بإنكاره وردِّه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا اختاره أزواجُه لم يقل: وقعَ بكنَّ طَلْقةٌ، ولم يراجعهنَّ، وهي أعلمُ الأمَّة بشأن التَّخيير. وقد صحَّ عن عائشة أنَّها قالت:«لم يكن ذلك طلاقًا» ، وفي لفظٍ: «لم نعدَّه

(3)

طلاقًا»، وفي لفظٍ: «خيَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفكان

(4)

طلاقًا»؟

(5)

.

والَّذي لحظه من قال: إنَّها طلقةٌ رجعيَّةٌ، أنَّ التَّخيير تمليكٌ، ولا تملك المرأة نفسَها إلا وقد طَلَقت، فالتَّمليك مستلزمٌ لوقوع الطَّلاق. وهذا مبنيٌّ على مقدِّمتين، إحداهما: أنَّ التَّخيير تمليكٌ، والثَّانية أنَّ التَّمليك يستلزم وقوع الطَّلاق. وكلا المقدِّمتين ممنوعةٌ، فليس التَّخيير بتمليكٍ، ولو كان تمليكًا لم يستلزم وقوعَ الطَّلاق قبل إيقاع مَن مَلكَه، فإنَّ غاية أمره أن تملكه الزَّوجة كما كان الزَّوج يملكه، فلا يقع بدون إيقاع مَن ملكَه، ولو صحَّ ما ذكروه لكان بائنًا؛ لأنَّ الرَّجعيَّة لا تملك نفسها.

وقد اختلف الفقهاء في التَّخيير: هل هو تمليكٌ، أو توكيلٌ، أو بعضه

(1)

(10/ 391، 392).

(2)

في م بعدها: «به» وليست في بقية النسخ.

(3)

د، ص، م:«يعده» .

(4)

همزة الاستفهام ليست في ص، د، ب.

(5)

الألفاظ الثلاثة عند مسلم (1477)، والأخير عند البخاري أيضًا (5263).

ص: 409

تمليكٌ وبعضه توكيلٌ، أو هو تطليقٌ منجَّزٌ، أو لغوٌ لا أثر له البتَّة؟ على مذاهب خمسةٍ.

والتَّفريق هو مذهب أحمد ومالك، فقال أبو الخطاب في «رؤوس المسائل»

(1)

: هو تمليكٌ يقف على القبول. وقال صاحب «المغني»

(2)

فيه: إذا قال: «أمركِ بيدكِ» أو «اختاري» ، فقالت: قبلتُ، لم يقع شيءٌ؛ لأنَّ «أمرك بيدك» توكيلٌ، فقولها في جوابه «قبلتُ» ينصرف إلى قبول الوكالة، فلم يقع شيءٌ. كما لو قال لأجنبيَّةٍ: أمرُ امرأتي بيدكِ، فقالت: قبلتُ. وقوله «اختاري» في معناه. وكذلك إن قالت: أخذتُ

(3)

أمري. نصَّ

(4)

عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانئٍ: إذا قال لامرأته: أمركِ بيدكِ، فقالت: قبلتُ، ليس بشيءٍ حتَّى يتبيَّن. وقال: إذا قالت: أخذتُ أمري، ليس بشيءٍ. قال: وإذا قال لامرأته اختاري، فقالت: قبلتُ نفسي أو اخترتُ نفسي، كان أبينَ. انتهى.

وفرَّق مالك

(5)

بين «اختاري» وبين «أمركِ بيدكِ» ، فجعل «أمرك بيدك» تمليكًا، و «اختاري» تخييرًا لا تمليكًا. قال أصحابه: وهو توكيلٌ.

وللشَّافعيِّ قولان، أحدهما: أنَّه تمليكٌ، وهو الصَّحيح عند أصحابه. والثَّاني: أنَّه توكيلٌ وهو القديم

(6)

.

(1)

انظر: «رؤوس المسائل» لأبي المواهب العكبري (1/ 1142، 2/ 812).

(2)

(10/ 392).

(3)

د، ص، ز، ب:«اخترت» . والمثبت من م موافق لما في «المغني» .

(4)

في المطبوع: «دخل» ، تحريف.

(5)

كما في «المدونة» (2/ 271).

(6)

انظر: «نهاية المطلب» (14/ 82 وما بعدها).

ص: 410

وقالت الحنفيَّة: تمليكٌ

(1)

.

وقال الحسن وجماعةٌ من الصَّحابة

(2)

: هو تطليقٌ يقع به واحدةٌ منجَّزةٌ، وله رجعتْها. وهي رواية ابن منصور عن أحمد

(3)

.

وقال أهل الظَّاهر وجماعةٌ من الصَّحابة: لا يقع به طلاقٌ، وسواءٌ اختارت نفسها أو اختارت زوجها، ولا أثر للتَّخيير في وقوع الطَّلاق

(4)

.

ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال على وجه الإشارة إليها.

قال أصحاب التَّمليك: لمَّا كان البُضْع يعود إليها بعد ما كان للزَّوج، كان هذا حقيقة التَّمليك.

قالوا: وأيضًا فالتَّوكيل يستلزم أهليَّة الوكيل لمباشرة ما وُكِّل فيه، والمرأة ليست بأهلٍ لإيقاع الطَّلاق، ولهذا لو وكَّل امرأةً في طلاق زوجته لم يصحَّ في أحد القولين؛ لأنَّها لا تباشر الطَّلاق. والَّذين صحَّحوه قالوا: كما يصحُّ أن يُوكِّل رجلًا في طلاق امرأته، يصحُّ أن يوكِّل امرأتَه في طلاقها.

قالوا: وأيضًا فالتَّوكيل

(5)

لا يُعقَل معناه هاهنا، فإنَّ الوكيل هو الذي يتصرَّف لموكِّله لا لنفسه، والمرأة هاهنا إنَّما تتصرَّف لنفسها ولحظِّها، وهذا ينافي تصرُّفَ الوكيل.

(1)

انظر: «بدائع الصنائع» (3/ 113).

(2)

ص، ب:«أصحابه» .

(3)

«مسائله» (4/ 1757).

(4)

انظر: «المحلى» (10/ 117).

(5)

م، ح:«فالتوكل» .

ص: 411

قال أصحاب التَّوكيل ــ واللَّفظ لصاحب «المغني»

(1)

ــ: وقولهم إنَّه تمليك

(2)

لا يصحُّ، فإنَّ الطَّلاق لا يصحُّ تمليكه، ولا ينتقل عن الزَّوج، وإنَّما ينوب فيه غيره عنه، فإذا استناب غيره فيه كان توكيلًا لا غير.

قالوا: ولو كان تمليكًا لكان مقتضاه انتقالَ الملك إليها في بُضْعها، وهو محالٌ، فإنَّه لم يخرج عنها، ولهذا لو وُطِئت بشبهةٍ كان المهر لها لا للزَّوج، ولو ملك البضْعَ لملك عِوَضَه، كمن ملك منفعةَ عينٍ كان عوض تلك المنفعة له.

قالوا: وأيضًا فلو كان تمليكًا لكانت المرأة مالكةً للطَّلاق، وحينئذٍ يجب أن لا يبقى الزَّوج مالكًا، لاستحالة كون الشَّيء الواحد بجميع أجزائه مِلْكًا لمالكينِ في زمنٍ واحدٍ، والزَّوج مالكٌ للطَّلاق بعد التَّخيير، فلا تكون هي مالكةً له. بخلاف ما إذا قلنا: هو توكيلٌ واستنابةٌ، كان الزَّوج مالكًا، وهي نائبةٌ ووكيلةٌ عنه.

قالوا: وأيضًا فلو قال لها: طلِّقي نفسكِ، ثمَّ حلف أن لا تُطلِّق، فطلَّقتْ نفسَها حَنِثَ، فدلَّ على أنَّها نائبةٌ عنه، وأنَّه هو المطلِّق.

قالوا: وأيضًا فقولكم: إنَّه تمليكٌ، إمَّا أن تريدوا به أنَّه ملَّكها نفسَها، أو أنَّه ملَّكها أن تُطلِّق، فإن أردتم الأوَّل لزِمكم أن يقع الطَّلاق بمجرَّد قولها: قبلتُ؛ لأنَّه أتى بما يقتضي خروجَ بُضْعها عن ملكه، واتَّصل به القبول

(3)

، وإن أردتم الثَّاني فهو معنى التَّوكيل، وإن غُيِّرت العبارة.

(1)

(10/ 382).

(2)

في المطبوع: «توكيل» ، تحريف مخالف للنسخ و «المغني» والسياق.

(3)

د: «بالقبول» .

ص: 412

قال المفرِّقون بين بعض صوره وبعضٍ ــ وهم أصحاب مالك ــ: إذا قال لها: أمركِ بيدك، أو جعلتُ أمركِ إليك، أو ملَّكتُكِ أمْرَك= فذلك تمليكٌ. وإذا قال لها: اختاري فهو تخييرٌ.

قالوا: والفرق بينهما حقيقةً وحكمًا:

أمَّا الحقيقة فلأنَّ «اختاري» لم يتضمَّن أكثر من تخييرها، لم يُملِّكها نفسَها، وإنَّما خيَّرها بين أمرين. بخلاف قوله «أمرك بيدك» ، فإنَّه لا يكون بيدها إلا وهي مالكتُه.

وأمَّا الحكم فإنه إذا قال لها: أمركِ بيدك، وقال: أردتُ به واحدةً، فالقول قوله مع يمينه. وإذا قال: اختاري، فطلَّقتْ نفسَها ثلاثًا، وقعتْ ولو قال أردتُ واحدةً، إلا أن تكون غيرَ مدخولٍ بها، فالقول قوله في إرادة

(1)

الواحدة. قالوا: لأنَّ التَّخيير يقتضي أنها لها أن تختار نفسها، ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة، فإن كانت مدخولًا بها لم تَبِنْ إلا بالثَّلاث، وإن لم تكن مدخولًا بها بانت بالواحدة. وهذا بخلاف «أمرك بيدك» ، فإنَّه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها، بل تمليكَها أمْرَها، وهو أعمُّ من تمليكها الإبانةَ بثلاثٍ أو بواحدةٍ تنقضي بها عدَّتها، فإذا أراد به أحدَ محتملَيْه قُبِل قوله.

وهذا بعينه يَرِد عليهم في «اختاري» ، فإنَّه أعمُّ من أن تختار البينونة بثلاثٍ أو بواحدةٍ تنقضي بها عدَّتها؛ بل «أمرك بيدك» أصرحُ في تمليك الثَّلاث من «اختاري» ، لأنَّه مضافٌ ومضافٌ إليه، فيعمُّ جميعَ أمرها، بخلاف «اختاري» ، فإنَّه مطلقٌ لا عمومَ له، فمن أين يُستفاد منه الثَّلاث؟ وهذا

(1)

في المطبوع: «إرادته» .

ص: 413

منصوص الإمام أحمد

(1)

، فإنَّه قال في «اختاري»: إنَّه لا تملك به المرأة أكثر من طلقةٍ واحدةٍ، إلا بنيَّة الزَّوج، ونصَّ في أمركِ بيدكِ، وطلاقُك بيدكِ، ووكَّلتُكِ في الطَّلاق: على أنَّها تملك به الثَّلاث. وعنه روايةٌ أخرى: أنَّها لا تملكها إلا بنيَّته.

وأمَّا من جعله تطليقًا منجَّزًا، فقد تقدَّم وجهُ قوله وضَعْفه.

وأمَّا من جعله لغوًا، فلهم مأخذان:

أحدهما: أنَّ الطَّلاق لم يجعله الله بيد النِّساء، إنَّما جعله بيد الرِّجال، ولا يتغيَّر شرع الله باختيار العبد، فليس له أن يختار نقْلَ الطَّلاق إلى من لم يُجعَلْ إليه الطَّلاق البتَّةَ.

قال أبو عبيد القاسم بن سلَّامٍ

(2)

: حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، ثنا حبيب بن أبي ثابتٍ أنَّ رجلًا قال لامرأةٍ له: إن أدخلتِ هذا العدلَ إلى البيت فأمرُ صاحبتِكِ بيدك، فأدخلتْه ثمَّ قالت: هي طالقٌ، فرُفِع ذلك إلى عمر بن الخطَّاب فأبانَها منه، فمرُّوا بعبد الله بن مسعودٍ فأخبروه، فذهب بهم إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تبارك وتعالى جعل الرِّجال قوَّامين على النِّساء، ولم يجعل النِّساء قوَّاماتٍ على الرِّجال، فقال له عمر: فما ترى؟ قال: أراها امرأته، قال عمر: وأنا أرى ذلك. فجعلها واحدةً.

قلت: يحتمل أنَّه جعلها

(3)

واحدةً بقول الزَّوج: «فأمرُ صاحبتِكِ بيدكِ» ،

(1)

انظر: «مسائل الكوسج» (4/ 1686، 1757).

(2)

رواه عنه ابن حزم في «المحلى» (10/ 119) معلقًا، وحبيب لم يدرك عمر ولا ابن مسعود.

(3)

م: «أن يجعلها» .

ص: 414

ويكون كنايةً في الطَّلاق، ويحتمل أنَّه جعلها واحدةً بقول ضرَّتها: هي طالقٌ، ولم يجعل للضَّرَّة إبانتَها لئلَّا تكون هي القوَّامة على الزَّوج، فليس في هذا دليلٌ لما ذهبتْ إليه هذه الفِرقة، بل هو حجَّةٌ عليها.

وقال أبو عبيد

(1)

: ثنا عبد الغفَّار بن داود، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ: أنَّ رُمَيثة الفارسية

(2)

كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فملَّكها أمْرَها، فقالت: أنتَ طالقٌ ثلاث مرَّاتٍ، فقال عثمان بن عفَّان: أخطأتْ، لا طلاقَ لها، لأنَّ المرأة لا تُطلِّق.

وهذا أيضًا لا يدلُّ لهذه الفِرقة؛ لأنَّه إنَّما لم يُوقع الطَّلاق لأنَّها أضافَتْه إلى غير محلِّه وهو الزَّوج، ولم يقل: أنا منك طالقٌ. وهذا نظير ما رواه عبد الرزاق

(3)

، ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنَّ مجاهدًا أخبره أنَّ رجلًا جاء إلى ابن عبَّاسٍ فقال: ملَّكتُ امرأتي أمرَها فطلَّقتْني ثلاثًا، فقال ابن عبَّاسٍ: خَطَّأ الله نَوْءَها

(4)

، الطَّلاقُ لك عليها، وليس لها عليك.

(1)

رواه عنه ابن حزم في «المحلى» (10/ 120) معلقًا، ويزيد لم يدرك عثمان.

(2)

كذا في النسخ، والصواب:«الفِراسية» من بني فراس، كما في «تاريخ دمشق» (32/ 238، 239) و «المحلى» . وفي «المحلى» : «رميسة» تصحيف.

(3)

في «المصنف» (11918)، وسنده صحيح؛ صرَّح فيه ابن جريج وشيخه بالسماع؛ فانتفت شبهة تدليسهما. قال ابن حزم في «المحلى» (10/ 120):«وهذا في غاية الصحة عن ابن عباس» .

(4)

يقال لمن طلبَ حاجةً فلم ينجح: أخطأ نَوْؤُك. أراد: لو طلَّقَتْ نفسَها لوقعَ الطلاق، فحيثُ طلَّقَتْ زوجَها لم تقع، فكانت كمن يُخطِئه النَّوء فلا يُمطَر. انظر:«النهاية» (5/ 122، 123).

ص: 415

قال الأثرم

(1)

: سألت أبا عبد الله عن الرَّجل يقول لامرأته: أمركِ بيدكِ؟ فقال: قال عثمان وعلي: القضاء ما قضَتْ. قلت: فإن قالت: قد طلَّقتُ نفسي ثلاثًا، قال: القضاء ما قضَتْ. قلت: فإن قالت: قد طلَّقتُكَ ثلاثًا، قال: المرأة لا تُطلِّق، واحتجَّ بحديث ابن عبَّاسٍ: خطَّأ الله نَوْءَها.

ورواه

(2)

عن وكيعٍ، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عبَّاسٍ في رجلٍ جعل أمر امرأته في يدها، قالت: قد طلَّقتُكَ ثلاثًا، قال ابن عبَّاسٍ: خَطَّأ الله نَوْءَها، أفلا طلَّقتْ نفسَها. قال أحمد: صحَّف أبو مطر

(3)

فقال: خطَّأ الله فوها.

ولكن روى عبد الرزاق

(4)

، عن ابن جريجٍ قال: سألت عبد الله بن

(1)

انظر: «المغني» (10/ 371، 384)، و «مسائل أبي داود» (ص 237)، و «مسائل صالح» (3/ 22)، و «مسائل الكوسج» (4/ 1685).

(2)

أحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (1466) عن وكيع به، وسنده ضعيف لانقطاعه، فالحكم بن عتيبة لم يسمع من ابن عباس، لكن الأثر صحيح بما قبله، وبما رواه عبد الرزاق (11919، 11920)، وسعيد بن منصور (1641، 1642)، وابن أبي شيبة (18395، 18396)، والبيهقي في «الكبرى» (7/ 349، 350) من طرق أخرى صحيحة عنه.

(3)

كذا في جميع النسخ. وفي «العلل» : «أبو قَطَن» ، وهو عمرو بن الهيثم، من شيوخ الإمام أحمد ومن الرواة عن شعبة، كما في «تهذيب التهذيب» (8/ 114)، فالظاهر أنه الصواب، وما في النسخ تحريف. ولم أجد روايته المصحفة في المصادر. وذكر أبو عبيد في «غريب الحديث» (4/ 211) أن بعضهم روى:«خَطَّ الله نوءَها» من الخطيطة، وهي الأرض التي لم تُمطَر بين أرضين ممطورتين. وانظر «الفائق» (1/ 383) و «العباب الزاخر» (خطأ).

(4)

في «المصنف» (11913، 11949)، وسنده صحيح. وذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 120) من طريقه.

ص: 416

طاوس، كيف كان أبوك يقول في رجلٍ ملَّك امرأتَه

(1)

، أتملِكُ أن تُطلِّق نفسَها أم لا؟ قال: كان يقول: ليس إلى النِّساء طلاقٌ. فقلتُ

(2)

له: فكيف كان أبوك يقول في رجلٍ مَلَّك رجلًا أمْرَ امرأتِه، أيملِك الرَّجلُ أن يُطلِّقها؟ قال: لا.

فهذا صريحٌ من مذهب طاوسٍ أنَّه لا يُطلِّق إلا الزَّوجُ، وأنَّ تمليك الزَّوجة أمْرَها لغوٌ، وكذلك توكيله غيره في الطَّلاق. قال أبو محمد ابن حزم

(3)

: وهذا قول أبي سليمان وجميع أصحابنا.

الحجَّة الثَّانية لهؤلاء: أنَّ الله سبحانه إنَّما جعل أمر الطَّلاق إلى الزَّوج دون النِّساء؛ ولأنَّهنَّ

(4)

ناقصات عقلٍ ودينٍ، والغالب عليهنَّ السَّفه، وتذهب بهنَّ الشَّهوة والميل إلى الرِّجال كلَّ مذهبٍ، فلو جعل أمر الطَّلاق إليهنَّ لم يستقم للرِّجال معهنَّ أمرٌ، وكان في ذلك ضررٌ عظيمٌ بأزواجهنَّ، فاقتضتْ حكمتُه ورحمته أنَّه لم يجعل بأيديهنَّ شيئًا من أمر الفراق، وجعله إلى الأزواج. فلو جاز للأزواج نقْلُ ذلك إليهنَّ، لناقضَ حكمةَ الله ورحمتَه ونظَرَه للأزواج.

قالوا: والحديث إنَّما دلَّ على التَّخيير فقط، فإن اخترن الله ورسوله والدَّار الآخرة كما وقع، كنَّ أزواجه بحالهنَّ، وإن اخترنَ أنفسهنَّ مَتَّعهنَّ وطلَّقهنَّ هو بنفسه، وهو السَّراح الجميل، لا أنَّ اختيارهنَّ لأنفسهنَّ يكون

(1)

في المطبوع بعدها: «أمرها» ، وليست في النسخ.

(2)

د، ص، ز:«فقلنا» . والمثبت من م موافق لما في «المحلى» .

(3)

في «المحلى» (10/ 120).

(4)

كذا بإثبات الواو في النسخ. وفي المطبوع بدون الواو.

ص: 417

هو نفس الطَّلاق، وهذا في غاية الظُّهور كما ترى.

قال هؤلاء: والآثار عن الصَّحابة في ذلك مختلفةٌ اختلافًا شديدًا

(1)

، فصحَّ عن عمر وابن مسعودٍ

(2)

وزيد بن ثابتٍ

(3)

، في رجلٍ جعلَ أمر امرأته بيدها فطلَّقتْ نفسَها ثلاثًا: أنَّها طلقةٌ واحدةٌ رجعيَّةٌ. وصحَّ عن عثمان: أنَّ القضاء ما قضتْ

(4)

. ورواه سعيد بن منصورٍ

(5)

عن ابن عمر، وغيرُه عن ابن الزبير

(6)

. ورُوي عن علي وزيد

(7)

وجماعةٍ من الصَّحابة

(8)

: أنَّها إن اختارتْ نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجَها فواحدةٌ رجعيَّةٌ. وصحَّ عن بعض الصَّحابة

(9)

: أنَّها إن اختارتْ نفسَها فثلاثٌ بكلِّ حالٍ. ورُوِي عن ابن مسعودٍ فيمن جعل أمر امرأته بيدِ آخرَ فطلَّقها فليس بشيءٍ

(10)

.

(1)

انظر: «المحلى» (10/ 117 وما بعدها).

(2)

أخرجه عنهما عبد الرزاق (11915) وسعيد بن منصور (1613) بسند صحيح من طريق مسروق: أن رجلًا جعل أمر امرأته بيدها فطلَّقتْ نفسها، فسأل عمر عنها ابن مسعود ما ترى فيها؟ فقال: أراها واحدة، وهو أحق بها، فقال عمر: وأنا أرى ذلك.

(3)

أخرجه عنه عبد الرزاق (11917) وابن أبي شيبة (5/ 65). وقد ضعَّفه في «الدراية» (2/ 71).

(4)

أخرجه سعيد بن منصور (1616) وابن أبي شيبة (18382) من طريقين عن أبي الحلال (ربيعة بن زرارة) عنه، وسندهما صحيح.

(5)

برقم (1619، 1620) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عنه، وسنده صحيح.

(6)

حكاه عنه ابن حزم في «المحلى» (10/ 117).

(7)

جاء عن عليٍّ ثلاث روايات، وعن زيد روايتان، وقد سبق تخريجها.

(8)

انظر: «الفتح» (9/ 368 - 370).

(9)

كزيد بن ثابت وابن مسعود في رواية عنهما. وقد سبق تخريج الآثار عنهم.

(10)

عزاه إليه في «المحلى» (9/ 292). وانظر: «الإشراف» (5/ 216).

ص: 418

قال أبو محمد ابن حزم

(1)

: وقد تقصَّينا من رُوي

(2)

عنه من الصَّحابة أنَّه يقع به الطَّلاق، فلم يكونوا بين من صحَّ عنه ومن لم يصحَّ عنه إلا سبعةً، ثمَّ اختلفوا، وليس قول بعضهم أولى من قول بعضٍ، ولا أثَرَ في شيءٍ منها إلا ما رويناه من طريق النَّسائيِّ

(3)

: أخبرنا علي بن نصر

(4)

الجهضمي، ثنا سليمان بن حربٍ، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، قال: قلت لأيُّوب السَّختيانيِّ: هل علمت أحدًا قال في «أمركِ بيدكِ» : إنَّها ثلاثٌ غيرَ الحسن؟ قال: لا، اللَّهمَّ غَفْرًا، إلا ما حدَّثني به قتادة، عن كثيرٍ مولى ابن سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«ثلاثٌ» . قال أيوب: فلقيتُ كثيرًا مولى ابن سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.

(1)

في «المحلى» (10/ 118، 119).

(2)

في المطبوع: «روينا» خلاف النسخ و «المحلى» .

(3)

برقم (3410)، وكذا أبو داود (2204)، والترمذي (1178) من طريق سليمان بن حرب به، وأُعلَّ بالوقف، قال الترمذي:«هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوفٌ، ولم يَعرفْ محمد حديثَ أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصر حافظًا صاحب حديث» . وقال النسائي: «هذا حديث منكر» . كما أُعل بجهالة كثير، وإنكارِه الحديث نسيانًا له، وسيذكره المصنف. وقد صحح الحديثَ الحاكم (2/ 206) فقال:«حديث غريب صحيح» ، وصححه ابنُ القطان في «الوهم والإيهام» (5/ 390) ورَدَّ إعلالَه. أما كثير، فقد روى عنه جماعة، ووثقه العجلي وابن حبان، ولم يضعفه أحد بحجة، وأما نسيانُ كثير له فلا يضره، كما هو مقرر في علم الاصطلاح.

(4)

في المطبوع: «نصر بن علي» خلاف النسخ والنسائي و «المحلى» .

ص: 419

قال أبو محمد

(1)

: كثير مولى ابن سمرة مجهولٌ، ولو كان مشهورًا بالثِّقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر، وقد أوقفه بعض رواته على أبي هريرة. انتهى.

وقال المرُّوذي: سألت أبا عبد الله ما تقول في امرأةٍ خُيِّرتْ فاختارت نفسها؟ قال: [قال]

(2)

فيها خمسةٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّها واحدةٌ وله

(3)

الرَّجعة، عمر وابن مسعودٍ وابن عمر وعائشة، وذكر آخر. قال غير المرُّوذي: هو زيد بن ثابتٍ

(4)

.

قال أبو محمد

(5)

: ومن خيَّر امرأته فاختارت نفسَها، أو اختارت الطَّلاق، أو اختارت زوجَها، أو لم تختَرْ شيئًا= فكلُّ ذلك لا شيء، وكلُّ ذلك سواءٌ، ولا تَطْلُق بذلك، ولا تَحْرُم عليه، ولا لشيءٍ من ذلك حكمٌ، ولو كرَّر التَّخييرَ [وكرَّرت هي اختيارَ نفسِها أو اختيارَ الطَّلاق ألف مرَّةٍ، وكذلك إن ملَّكها نفسَها]

(6)

، أو جعلَ أمرَها بيدها. ولا فرقَ.

ولا حجَّة

(7)

في أحدٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذْ لم يأتِ في القرآن ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ قول الرَّجل لامرأته:«أمركِ بيدك» ، أو «اختاري» يوجب أن

(1)

في «المحلى» (10/ 119).

(2)

ما بين المعكوفتين ليس في النسخ، ويقتضيه السياق.

(3)

في المطبوع: «ولها» خلاف النسخ.

(4)

سبق تخريج الآثار عنهم.

(5)

في «المحلى» (10/ 116، 117).

(6)

الزيادة من «المحلى» ليستقيم السياق، وليست في النسخ. وقد زِيد في المطبوع دون تنبيه.

(7)

هذه الفقرة في «المحلى» (10/ 124).

ص: 420

يكون طلاقًا، وأنَّ لها أن تُطلِّق نفسَها أو أن تختار طلاقًا، فلا يجوز أن يُحَرَّمَ على الرَّجل فرجٌ أباحه الله تعالى له ورسولُه صلى الله عليه وسلم بأقوالٍ لم يُوجِبها الله تعالى ولا رسوله

(1)

. انتهى كلامه.

قالوا: واضطرابُ أقوال المُوقِعين وتناقضُها ومعارضةُ بعضها لبعضٍ يدلُّ على فساد أصلها، ولو كان الأصل صحيحًا لاطَّردتْ فروعه، ولم تتناقضْ ولم تختلفْ، ونحن نشير إلى طرفٍ من اختلافهم.

فاختلفوا: هل يقع الطَّلاق بمجرَّد التَّخيير أو لا يقع حتَّى تختار نفسها؟ على قولين تقدَّم حكايتهما. ثمَّ اختلف الذين لا يُوقِعونه بمجرَّد قوله «أمرك بيدك» : هل يختصُّ اختيارها بالمجلس، أو يكون في يدها ما لم يفسخ أو يطأ؟ على قولين: أحدهما: أنَّه يتقيَّد بالمجلس، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعيِّ ومالك في إحدى الرِّوايتين عنه. والثَّاني: أنَّه في يدها أبدًا حتَّى يفسخ أو يطأ، وهذا قول أحمد وابن المنذر وأبي ثورٍ، والرِّواية الثَّانية عن مالك. ثمَّ قال بعض أصحابه: وذلك ما لم يطُلْ حتَّى يتبيَّن أنَّها تركتْه، وذلك بأن يتعدَّى شهرين.

ثمَّ اختلفوا: هل عليها يمينٌ أنَّها تركت أم لا؟ على قولين.

ثمَّ اختلفوا إذا رجع الزَّوج فيما جَعَلَ إليها: فقال أحمد وإسحاق والأوزاعيُّ والشَّعبيُّ ومجاهد وعطاء: له ذلك، ويَبطل خيارُها. وقال مالك وأبو حنيفة والثَّوريُّ والزُّهريُّ: ليس له الرُّجوع. وللشَّافعيَّة خلافٌ مبنيٌّ على أنَّه توكيلٌ فيملك الموكِّل الرُّجوعَ، أو تمليكٌ فلا يملكه. ثم قال بعض

(1)

بعدها في المطبوع: «وهذا في غاية البيان» وليست في النسخ.

ص: 421

أصحاب التَّمليك: ولا يمتنع الرُّجوعُ وإن قلنا إنَّه تمليكٌ؛ لأنَّه لم يتَّصل به القبول، فجاز الرُّجوع فيه كالهبة والبيع.

واختلفوا فيما يلزم من اختيارها نفسَها: فقال أحمد والشَّافعيُّ: واحدةٌ رجعيَّةٌ، وهو قول عمر

(1)

وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ

(2)

، واختاره أبو عبيد وإسحاق. وعن علي: واحدةٌ بائنةٌ، وهو قول أبي حنيفة. وعن زيد بن ثابتٍ: ثلاثٌ، وهو قول الليث. وقال مالك: إن كانت مدخولًا بها فثلاثٌ، وإن كانت غير مدخولٍ بها قُبِل منه دعوى الواحدة.

واختلفوا: هل يفتقر قوله «أمركِ بيدكِ» إلى نيَّةٍ أم لا؟ فقال أحمد والشَّافعيُّ وأبو حنيفة: يفتقر إلى نيَّةٍ، وقال مالك: لا يفتقر إلى نيَّةٍ.

واختلفوا: هل يفتقر وقوع الطَّلاق إلى نيَّة المرأة إذا قالت: اخترتُ نفسي، أو فسختُ نكاحك؟ فقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطَّلاق إلى نيَّتها إذا نوى الزَّوج. وقال أحمد والشَّافعيُّ: لا بدَّ من نيَّتها إذا اختارت بالكناية. ثمَّ قال أصحاب مالك: إن قالت: اخترتُ نفسي أو قبلتُ نفسي= لزم الطَّلاق، ولو قالت لم أُرِدْه، وإن قالت: قبلتُ أمري= سُئلتْ عمَّا أرادت؟ فإن أرادت الطَّلاق كان طلاقًا، وإن لم تُرِدُه لم يكن طلاقًا.

ثمَّ قال مالكٌ: إذا قال لها: «أمرك بيدك» وقال: قصدتُ طلقةً واحدةً، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم تكن له نيَّةٌ فله أن يُوقِع ما شاء. وإذا قال:«اختاري» وقال: أردتُ واحدةً، فاختارتْ نفسَها= طَلَقتْ ثلاثًا، ولا يُقبل قولُه.

(1)

كذا في النسخ. وفي المطبوع: «ابن عمر» .

(2)

سبق تخريج الآثار عنهم.

ص: 422

ثمَّ هاهنا فروعٌ كثيرةٌ مضطربةٌ غاية الاضطراب، لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ، والزَّوجة زوجتُه حتَّى يقوم دليلٌ على زوال عصمته عنها.

قالوا: ولم يجعل الله إلى النِّساء شيئًا من النِّكاح ولا من الطَّلاق، وإنَّما جعل ذلك إلى الرِّجال، وقد جعل الله سبحانه الرِّجال قوَّامين على النِّساء، إن شاءوا أمسكوا، وإن شاؤوا طلَّقوا، فلا يجوز للرَّجل أن يجعل المرأة قوَّامةً عليه، إن شاءت أمسكتْ، وإن شاءت طلَّقتْ.

قالوا: ولو أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيءٍ لم نتعدَّ إجماعَهم، ولكن اختلفوا، فطلبنا الحجَّة لأقوالهم من غيرها، فلم نجد الحجَّة تقوم إلا على هذا القول، وإن كان من رُوِي عنه قد رُوِي عنه خلافُه أيضًا. وقد أبطل من ادَّعى الإجماع في ذلك، فالنِّزاع ثابتٌ بين الصَّحابة والتَّابعين كما حكيناه، والحجَّة لا تقوم بالخلاف. فهذا ابن عبَّاسٍ وعثمان بن عفَّان قد قالا: إنَّ تمليك الرَّجل لامرأتِه أمرَها ليس بشيءٍ

(1)

. وابن مسعودٍ يقول فيمن جعل أمر امرأته بيدِ آخرَ فطلَّقها: ليس بشيءٍ

(2)

. وطاوس يقول فيمن ملَّك امرأتَه أمرَها: ليس إلى النِّساء طلاقٌ، ويقول فيمن ملَّك رجلًا أمرَ امرأتِه أيملك الرَّجل أن يطلِّقها؟ قال: لا

(3)

.

قلت: أمَّا المنقول عن طاوسٍ فصحيحٌ صريحٌ، لا مطعَن فيه سندًا وصراحةً.

(1)

سبق قريبًا.

(2)

سبق قريبًا.

(3)

سبق تخريجه قريبًا.

ص: 423

وأمَّا المنقول عن ابن مسعودٍ فمختلفٌ، فنُقِل عنه موافقة عليٍّ وزيدٍ في الوقوع، كما رواه ابن أبي ليلى عن الشَّعبيِّ: أنَّ «أمرك بيدك» و «اختاري» سواءٌ في قول علي وابن مسعودٍ وزيد

(1)

، ونقل عنه فيمن قال لامرأته:«أمرُ فلانة بيدكِ إن أدخلتِ هذا العدلَ البيتَ» ، ففعلتْ، أنَّها امرأته، ولم يُطلِّقها عليه

(2)

.

وأمَّا المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان فإنَّما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطَّلاقَ إلى الزَّوج، وقالت: أنت طالقٌ. وأحمد وغيرُه

(3)

يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطَّلاق، إذا اختارتْ نفسَها أو طلَّقتْ نفسَها.

فلا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة إلغاءُ التَّخيير والتَّمليكِ البتَّةَ إلا هذه الرِّواية عن ابن مسعودٍ، وقد رُوِي عنه خلافها، والثَّابت عن الصَّحابة اعتبارُ ذلك ووقوعُ الطَّلاق به، وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدَّم.

والقول بأنَّ ذلك لا أثرَ له لا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة البتَّةَ، وإنَّما وهِمَ أبو محمد في المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان، ولكن هذا مذهب طاوسٍ، وقد نُقل عن عطاء ما يدلُّ على ذلك، فروى عبد الرزاق

(4)

عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: رجلٌ قال لامرأته: أمركِ بيدكِ بعد يومٍ أو يومين، قال:

(1)

أخرجه البيهقي (7/ 349)، وعبد الرزاق (11971) وفيه:«عمر» مكان «ابن مسعود» .

(2)

سبق قريبًا.

(3)

في المطبوع: «ومالك» خلاف جميع النسخ.

(4)

في «المصنف» (11948، 11954)، وسنده صحيح. وهو في «المحلى» (10/ 119) بلفظ المؤلف.

ص: 424

ليس هذا بشيءٍ. قلت: فأرسل إليها رجلًا أنَّ أمرها بيدها يومًا أو ساعةً، قال: ما أدري ما هذا؟ ما أظنُّ هذا شيئًا. قلت لعطاءٍ: أملَّكتْ عائشةُ حفصةَ

(1)

حين ملَّكها المنذر بن الزبير [أمرَها]

(2)

؟ قال عطاء: لا، إنَّما عرضت عليهم

(3)

أَيُطلِّقها أم لا، ولم يُملِّكها أمْرَها.

ولولا هيبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدَلْنا عن هذا القول، ولكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم القدوة وإن اختلفوا في حكم التَّخيير، ففي ضمن اختلافهم اتَّفاقُهم على اعتبارِ التَّخييرِ وعدمِ إلغائه، ولا مفسدةَ في ذلك. والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطَّلاق بيد المرأة، إنَّما تكون لو كان بيدها استقلالًا، فأمَّا إذا كان الزَّوج هو المستقلُّ بها، فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة، ليصير حاله معها على بيِّنةٍ، إن أحبَّتْه أقامتْ معه، وإن كرهتْه فارقتْه، فهذا مصلحةٌ له ولها، وليس في هذا ما يقتضي تغييرَ شرعِ الله وحكمته، ولا فرقَ بين توكيلِ المرأة في طلاق نفسها وتوكيلِ الأجنبيِّ، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبيِّ في الطَّلاق، كما يصحُّ توكيله في النِّكاح والخلع.

وقد جعل الله سبحانه للحكمينِ النَّظرَ في حال الزَّوجين عند الشِّقاق، إن رأيا التَّفريق فرَّقا، وإن رأيا الجمع جمعَا، وهو طلاقٌ أو فسخٌ من غير الزَّوج، إمَّا برضاه إن قيل: هما وكيلان، أو بغير رضاه إن قيل: هما حَكَمان. وقد

(1)

هي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، زوَّجتْها عائشةُ المنذرَ، انظر القصة في «الموطأ» (1596).

(2)

الزيادة من «المصنف» و «المحلى» ليستقيم السياق.

(3)

كذا في «المحلى» ، ومنه نقل المؤلف. وفي «المصنَّف»:«عليها» و «لتطلقها» و «لم تملكها» .

ص: 425