الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه جَعْل الملك سببًا للعتق، فإنَّه قُربةٌ محبوبةٌ لله، فشرَعَ الله سبحانه التَّوسُّل إليه بكلِّ وسيلةٍ مُفضيةٍ إلى محبوبه، وليس كذلك الطَّلاق، فإنَّه بغيضٌ إلى اللَّه، وهو أبغض الحلال إليه، ولم يجعل ملك البضع بالنِّكاح سببًا لإزالته البتَّة.
وفرقٌ ثانٍ: أنَّ تعليق العتق بالملك من باب نذر القُرَب والطَّاعات والتَّبرُّر، كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدَّقنَّ بكذا وكذا، فإذا وُجد الشَّرط، لزمه ما علَّقه به من الطَّاعة المقصودة، فهذا لونٌ وتعليق الطَّلاق على الملك لونٌ آخر.
حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم طلاق الحائض والنفساء
والموطوءة في طُهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة
في «الصَّحيحين»
(1)
: أنَّ ابن عمر طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطَّاب عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلّق
(2)
قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النِّساء».
ولمسلم
(3)
(1)
أخرجه البخاري (5251، 5332)، ومسلم (1471) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
ح، م:«يطلق» .
(3)
هذا لفظ أبي داود (2181) من حديث ابن عمر، وإسناده على شرط الشيخين. ولفظ مسلم:(1471/ 5)«مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا» . وغيّر في ط الرسالة دون إشارة!
وفي لفظٍ
(1)
: «ثم إن شاء طلَّقها طاهرًا قبل أن يمسَّ، فذلك الطَّلاق للعدَّة كما أمر الله تعالى» .
وفي لفظٍ للبخاريِّ
(2)
: «مُرْه فليراجعها ثمَّ يطلِّقها في قُبُل عدَّتها» .
وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داود، والنَّسائيِّ
(3)
، عن ابن عمر قال: طلَّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائضٌ، فردَّها علَيَّ رسولُ الله
(4)
صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئًا، وقال:«إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك» .
قال ابن عمر: وقرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عِدَّتهنَّ» .
فتضمَّن هذا الحكمُ أنَّ الطَّلاقَ على أربعه أوجهٍ
(5)
: وجهان حلالٌ، ووجهان حرامٌ
(6)
.
(1)
عند مسلم (1471/ 4).
(2)
(5333) ولفظه: «فأمره أن يراجعها، ثم يطلق من قبل عدتها» ، ولمسلم (1471) نحوه، وما ذكره المصنف هو لفظ أبي داود (2184).
(3)
أخرجه أحمد (5524)، وأبو داود (2185)، والبيهقي في «الكبرى»:(7/ 327)، بسند صحيح، من طريق أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر؛ فانتفت شبهة تدليسه. وأخرجه مسلم (1471)، والنسائي (3392) وغيرهما دون قوله:«ولم يرها شيئًا» ، لذا ضعَّف الجمهور هذه الزيادة وإن لم ينفرد بها أبو الزبير؛ لمخالفتها جُلَّ الروايات عن ابن عمر، من ذلك قوله في البخاري (5253):«حُسبت عليَّ بتطليقة» ، أو أنها تؤوَّل على معنى:(لم يرها شيئا صوابًا أو مستقيمًا)، وقد صححها المصنف كما سيأتي. وانظر:«الفتح» : (9/ 352 - 354)، و «الإرواء» (2059).
(4)
ز: «فردّها عليه رسول الله
…
»، ن: «فردّها رسولُ الله
…
».
(5)
يروى أثرًا عن ابن عباس، وسيأتي تخريجه.
(6)
ط الهندية: «وجهان حلالان، ووجهان حرامان» وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: «حلال
…
حرام» يعني بالإفراد فيهما.
فالحلال
(1)
: أن يطلِّق امرأتَه طاهرًا من غير جماعٍ، أو يطلِّقها حاملًا مستبينًا حملُها.
والحرام: أن يطلِّقها وهي حائضٌ، أو يطلِّقها في طُهرٍ جامعها فيه. هذا في طلاق المدخول بها.
وأمَّا من لم يُدخَل بها، فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا، كما قال تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236].
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وهذه لا عدَّة لها، ونبَّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:«فتلك العدَّةُ التي أمر الله أن يطلَّق لها النِّساء»
(2)
، ولولا هاتان الآيتان اللَّتان فيهما إباحة الطَّلاق قبل الدُّخول، لمنع من طلاق من لا عدَّة لها
(3)
.
(1)
ط الفقي والرسالة: «فالحلالان
…
والحرامان» خلاف النسخ.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
ط الفقي والرسالة: «له عليها» خلاف النسخ.
وفي «سنن النَّسائيِّ» وغيره
(1)
من حديث محمود بن لَبيدٍ، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعًا، فقام غضبان، فقال:«أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتَّى قام رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه! أفلا أقتله.
وفي «الصَّحيحين»
(2)
عن ابن عمر: أنَّه كان إذا سئل عن الطَّلاق قال: أمَّا أنتَ طلَّقتَ امرأتَك مرَّةً أو مرَّتين فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وإن كنتَ طلَّقتها ثلاثًا، فقد حَرُمَتْ عليك حتَّى تنكح زوجًا غيرك، وعصيتَ الله فيما أمرك من طلاق امرأتك.
فتضمَّنت هذه النُّصوص أنَّ المطلَّقة نوعان: مدخولٌ بها وغير مدخولٍ بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثًا مجموعةً، وجواز تطليق غير المدخول بها طاهرًا أو حائضًا.
وأمَّا المدخول بها، فإن كانت حائضًا أو نفساء، حَرُم طلاقها، وإن كانت طاهرًا، فإن كانت مستبينة الحمل، جاز طلاقها بعد الوطء وقبله، وإن كانت
(1)
أخرجه النسائي (3401)، وفي «الكبرى» (5564)، وعنه ابن حزم في «المحلى»:(10/ 167) من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، وقد صححه المصنف هنا، وجوَّد ابنُ كثير إسنادَه، وقال الحافظ في «الفتح»:(9/ 362): «رجاله ثقات» ، ثم أَعلَّه بعدم سماع مخرمة من أبيه، مع تفرَّده به، وبأنَّ محمودًا وإن كانت له رؤية؛ فهو تابعي رواية، فيكون مرسلًا ضعيفًا، وضعّفه ابن حزم في «المحلى»:(10/ 168).
(2)
أخرجه البخاري (5264، 5332) معلقًا وموصولًا دون جملة العصيان، ومسلم (1471) واللفظ له. وغيِّر في المطبوع:«أما إن أنت» خلاف الأصول ولفظ الحديث.
حائلًا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طُهْر الإصابة، ويجوز قبله.
هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الطَّلاق، وأجمع المسلمون على وقوع الطَّلاق الذي أذن الله فيه وأباحه إذا كان من مكلَّفٍ مختارٍ، عالمٍ بمدلول اللَّفظ، قاصدٍ
(1)
له.
واختلفوا في وقوع المحرَّم من ذلك، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الطَّلاق في الحيض، أو في الطُّهر الذي واقعها فيه.
المسألة الثَّانية: في جمع الثَّلاث.
ونحن نذكر المسألتين تحريرًا وتقريرًا، كما ذكرناهما تصويرًا، ونذكر حجج الفريقين، ومنتهى أقدام الطَّائفتين، مع العلم بأنَّ المقلِّد المتعصِّب لا يترك قولَ مَن قلَّده ولو جاءته كلُّ آيةٍ، وأنَّ طالب الدَّليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يحكِّم إلا إيَّاه، ولكلٍّ من النَّاس موردٌ لا يتعدَّاه، وسبيلٌ لا يتخطَّاه، ولقد عُذِر مَن حَمَل ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت خطاه.
فأمَّا المسألة الأولى
(2)
، فإنَّ الخلاف في وقوع الطَّلاق المحرَّم لم يزل ثابتًا بين السَّلف والخلف، وقد وهم من ادَّعى الإجماعَ على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطَّلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: مَن ادَّعى الإجماعَ فهو كاذبٌ، وما يدريه لعلَّ النَّاس اختلفوا
(3)
.
(1)
ص، ب، د:«قاصدًا» .
(2)
استغرق البحث فيها إلى (ص 352).
(3)
نقله عبد الله بن أحمد في «مسائله» : (3/ 1314 - 1315). وينظر «المدخل» : (3/ 246، 5/ 50).
كيف والخلاف
(1)
بين النَّاس في هذه المسألة معلوم الثُّبوت عن المتقدِّمين والمتأخِّرين؟
قال محمَّد بن عبد السَّلام الخُشَنيُّ: حدَّثنا محمَّد بن بشَّارٍ، حدَّثنا عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنَّه قال في الرجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ: قال ابن عمر: لا يعتدُّ بذلك، ذكره أبو محمَّد بن حزمٍ في «المحلَّى»
(2)
بإسناده إليه.
وقال عبد الرزاق في «مصنَّفه»
(3)
: عن ابن جريجٍ، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنَّه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطَّلاق ووجه العدَّة. وكان يقول: وجه الطَّلاق أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماعٍ، وإذا استبان حملها.
وقال الخُشَني
(4)
: حدَّثنا محمَّد بن المثنَّى، حدَّثنا عبد الرَّحمن بن
(1)
د، ص زيادة:«في وقوع الطلاق» .
(2)
(10/ 163)، وكذا البيهقي في «الكبرى»:(7/ 418)، وصحح الحافظ إسناده في «التلخيص»:(3/ 437)، لكن جاء التصريح بأن المنفيَّ في قوله:(لا يعتدّ بذلك) هو الحيضة لا الطلاق، وذلك عند ابن أبي شيبة (18049) من الطريق نفسِه عن ابن عمر قال:«لا تعتدّ بتلك الحيضة» ، وبهذه الزيادة لم يَعُدْ في الحديث دلالةٌ على ما ذكره المصنف من عدم وقوع الطلاق في الحيض، عند القائلين بوقوعه.
(3)
(10923، 10925)، ملفَّق من الأثرين، ورجاله ثقات.
(4)
أخرجه ابن حزم في «المحلى» : (10/ 163)، وصححه المؤلف في «الصواعق المرسلة»:(2/ 329)، لكن جاء التصريح بأن المنفيَّ في قوله:(لا يعتدّ بها) هو الحيضة لا الطلاق، وذلك عند ابن أبي شيبة (18058) من الطريق نفسِه عن سعيد وخلاس قالا:«لا تَعتدُّ بتلك الحيضة» ، وقد سبق نظيرُه في كلام ابن عمر قريبًا.
مهديٍّ، حدَّثنا همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو أنَّه قال في الرَّجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ قال: لا يعتدُّ بها.
قال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ
(1)
: والعجب مِن جرأة مَن ادَّعى الإجماعَ على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قولَه في إمضاء الطَّلاق في الحيض أو في طهرٍ جامعها فيه كلمةً عن أحدٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم غير روايةٍ عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابتٍ:
إحداهما: رُوِّيناها من طريق ابن وهب، عن ابن سمعان، عن رجلٍ أخبره أنَّ عثمان بن عفَّان كان يقضي في المرأة التي يطلِّقها زوجها وهي حائضٌ أنَّها لا تعتدُّ بحيضتها تلك، وتعتدُّ بعدها ثلاثةَ قُرُوءٍ
(2)
.
قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهولٍ لا يعرف.
قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق
(3)
، عن هشام بن حسَّان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجلٍ سمَّاه، عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال فيمن طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ: يلزمه الطَّلاق، وتعتدُّ ثلاث حِيَضٍ سوى تلك الحيضة.
(1)
في «المحلى» : (10/ 163 - 164).
(2)
ذكره ابن حزم في «المحلى» : (10/ 164) عن ابن وهب معلَّقًا. وضعَّفه المصنِّف هنا.
(3)
في «المصنف» (10966)، وسيأتي كلام المؤلف في إعلاله.
قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنَّه لا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم قاطبةً، ومِن جُملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك في أنَّ الطَّلاقَ في الحيض أو في طُهرٍ جامعها فيه بدعةٌ، فإذْ لا شكَّ
(1)
في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكمَ بتجويز البدعة التي يقرُّون أنَّها بدعةٌ وضلالةٌ، أليس بحكم المشاهدة مُجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنَّها بدعةٌ؟
قال أبو محمد: وحتَّى لو لم يبلغنا الخلافُ، لكان القاطعُ على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلَغَه عن جميعهم كاذبًا على جميعهم.
قال المانعون من وقوع الطَّلاق المحرَّم: لا يُزال النِّكاح المتيقَّن إلا بيقينٍ مثله من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ متيقَّنٍ. فإذا أوْجَدْتمونا واحدًا من هذه الثَّلاثة، رفعنا حكمَ النِّكاح به، ولا سبيلَ إلى رفعه بغير ذلك.
قالوا: فكيف والأدلَّة المتكاثرة تدلُّ على عدم وقوعه، فإنَّ هذا الطَّلاق لم يشرعه الله البتَّة، ولا أذِنَ فيه، فليس من شرعه، فكيف يُقال بنفوذه وصحَّته؟
قالوا: وإنَّما يقع من الطَّلاق
(2)
ما ملَّكه الله للمطلِّق، ولهذا لا يقع به الرَّابعة؛ لأنَّه لم يملِّكها
(3)
إيَّاه، ومن المعلوم أنَّه لم يملِّكه الطَّلاق المحرَّم،
(1)
في ط الفقي والرسالة زيادة: «فيه بدعة [نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لأمره. فإذا كان] لا شك
…
» وهي زيادة مقحمة من «المحلى» لا وجود لها في النسخ ولا في ط الهندية.
(2)
ط الفقي والرسالة: «الطلاق المحرم» ولا وجود لها في النسخ ولا ط الهندية.
(3)
بعده في ب زيادة: «ولم يملكه» .
ولا أذِنَ له فيه، فلا يصحُّ ولا يقع.
قالوا: ولو وكَّل وكيلًا أن يطلِّق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلَّق
(1)
طلاقًا محرَّمًا لم يقع، لأنَّه غير مأذونٍ له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبرًا في صحَّة إيقاع الطَّلاق دون إذن الشَّارع؟! ومن المعلوم أنَّ المكلَّف إنَّما يتصرَّف بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلًّا للتَّصرُّف البتَّة.
قالوا: وأيضًا فالشَّارع قد حَجَر على الزَّوج أن يطلِّق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطُّهر، فلو صحَّ طلاقُه لم يكن لحَجْر الشَّارع معنًى، وكان حَجْر القاضي على مَن منعه التَّصرُّف أقوى مِن حَجْر الشَّارع حيث يبطل التَّصرُّف بحجره.
قالوا: وبهذا أبطلنا البيعَ وقتَ النِّداء يوم الجمعة؛ لأنَّه بيعٌ حَجَر الشَّارعُ على بائعه في هذا الوقت، فلا يجوز تنفيذُه وتصحيحُه.
قالوا: ولأنَّه طلاقٌ محرَّمٌ منهيٌّ عنه، والنَّهي
(2)
يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، فلو صحَّحناه لكان لا فرق بين المنهيِّ عنه والمأذون فيه من جهة الصِّحَّة والفساد.
قالوا: وأيضًا فالشَّارع إنَّما نهى عنه وحرَّمه لأنَّه يبغضُه، ولا يحبُّ وقوعَه، بل وقوعُه مكروهٌ إليه، فحرَّمه لئلَّا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضدُّ هذا المقصود.
قالوا: وإذا كان النِّكاح المنهيُّ عنه لا يصحُّ لأجل النَّهي، فما الفرق بينه
(1)
د، ص، ن:«وطلق» ، وط الهندية:«فلو طلق» .
(2)
د، ح، وط الهندية:«فالنهي» .
وبين الطَّلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النِّكاح، وصحَّحتم ما حرَّمه ونهى عنه من الطَّلاق، والنَّهي يقتضي البطلان في الموضعين؟
قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم العامُّ الذي لا تخصيص فيه بردِّ ما خالف أمرَه وإبطالِه وإلغائه، كما في «الصَّحيح»
(1)
عنه، من حديث عائشة:«كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» ، وفي لفظٍ
(2)
: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» . وهذا صريحٌ في أنَّ هذا الطَّلاق المحرَّم الذي ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم مردودٌ وباطلٌ، فكيف يقال: إنَّه صحيحٌ لازمٌ نافذٌ؟ فأين هذا مِن الحكم بردِّه؟
قالوا: وأيضًا فإنَّه طلاقٌ لم يشرعه الله أبدًا، فكان مردودًا باطلًا كطلاق الأجنبيَّة، ولا ينفعكم الفرق بأنَّ الأجنبيَّة ليست محلًّا للطَّلاق بخلاف الزَّوجة، فإنَّ هذه الزَّوجة ليست محلًّا للطَّلاق المحرَّم، ولا هو ممَّا ملَّكه الشَّارعُ إيَّاه.
قالوا: وأيضًا فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بالتَّسريح بإحسانٍ، ولا أسوأ
(3)
من التَّسريح الذي حرَّمه الله ورسوله، وموجَب عقد النِّكاح أحد أمرين: إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وإما
(4)
تسريحٌ بإحسانٍ، والتَّسريح المحرَّم أمرٌ ثالثٌ غيرهما، فلا عبرة به البتَّة.
(1)
أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
(2)
المطبوع: «رواية» .
(3)
غير محررة في ص، ب، د ويظهر لي أنها:«أشر شرًّا» أو «أسوأ سوءًا» .
(4)
د، ح، ب، ط الهندية:«و» .
قالوا: وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وصحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المبَيِّن عن الله مرادَه من كلامه، أنَّ الطَّلاق المشروع المأذون فيه هو الطَّلاق في زمن الطُّهر الذي لم يُجامَع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاقٍ للعدَّة في حقِّ المدخول بها، فلا يكون طلاقًا، فكيف تحرُم المرأةُ به؟
قالوا: وقد قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الطَّلاقَ
(1)
المأذونَ فيه، وهو الطَّلاق للعِدَّة، فدلَّ على أنَّ ما عداه ليس من الطَّلاق، فإنَّه حَصَر الطَّلاقَ المشروعَ المأذونَ فيه الذي يملك به الرَّجعة في مرَّتين، فلا يكون ما عداه طلاقًا. قالوا: ولهذا كان الصَّحابة يقولون: إنَّهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطَّلاق المحرَّم، كما روى ابن وهب، عن جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: مَن طلَّق كما أمره اللَّه، فقد بيَّن الله له، ومَن خالف، فإنَّا لا نطيق خلافه
(2)
.
ولو وقع طلاقُ المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاقٍ لهم، ولم يكن للتَّفريق معنًى إذ كان النَّوعان واقعَين نافذَين.
(1)
ص، د:«طلاق» .
(2)
علَّقه ابن حزم في «المحلى» : (10/ 163) عن ابن وهب به. وأخرجه عبد الرزاق (11342) والطبراني في «الكبير» (9628، 9629) بنحوه، من طريقين عن ابن سيرين عن علقمة عنه، ولفظه:«من طلق كما أمره الله فقد بُيِّن له، ومن لَبَس جعلنا به لَبْسه، والله لا تَلبِسون على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما تقولون» ، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»:(4/ 338): «ورجاله رجال الصحيح» . وذكره بنحوه مالك في «الموطأ» (1582) بلاغًا عن ابن مسعود.
وقال ابن مسعودٍ أيضًا: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، وإلَّا فواللَّه ما لنا طاقةٌ بكلِّ ما تُحْدِثون
(1)
.
وقال بعض الصَّحابة وقد سئل عن الطَّلاق الثَّلاث مجموعةً: مَن طلَّق كما أمر فقد بُيِّن له، ومَن لبَّس تركناه وتلبيسَه
(2)
.
قالوا: ويكفي من ذلك كلِّه ما رواه أبو داود
(3)
بالسَّند الصَّحيح الثَّابت: حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابنَ عمر ــ قال أبو الزبير: وأنا أسمع ــ: كيف ترى في رجلٍ طلَّق امرأته حائضًا؟ فقال ابنُ عمر: طلَّقَ ابن عمر امرأتَه حائضًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألَ عمرُ عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائضٌ، قال عبد الله: فردَّها عليَّ ولم يَرَها شيئًا، وقال:«إذا طَهُرت، فليطلِّق أو ليمسك» ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُل عدَّتهنَّ» .
قالوا: وهذا إسنادٌ في غاية الصِّحَّة، فإنَّ أبا الزبير غير مدفوعٍ عن الحفظ والثِّقة، وإنَّما يُخشَى من تدليسه، فإذا قال: سمعتُ أو حدَّثني، زال محذور التَّدليس، وزالت العلَّة المتوهَّمة، وأكثرُ أهل الحديث يحتجُّون به إذا قال:«عن» ولم يصرِّح بالسَّماع، ومسلمٌ يصحِّح ذلك مِن حديثه، فأمَّا إذا صرَّح بالسَّماع، فقد زال الإشكال، وصحَّ الحديثُ، وقامت به الحجَّة.
(1)
أخرجه الدارمي (103) بنحوه، وفيه المسعودي، متكلم فيه من قبل حفظه. وهو في معنى أثره المذكور قبله.
(2)
هو في معنى أثر ابن مسعود، وقد سبق تخريجه قريبًا.
(3)
سبق تخريجه.
قالوا: ولا نعلم خبر
(1)
أبي الزبير هذا رُدَّ بما يوجب
(2)
ردَّه، وإنَّما رَدَّه مَن رَدَّه استبعادًا واعتقادًا أنَّه خلاف الأحاديث الصَّحيحة، ونحن نحكي كلامَ مَن ردَّه، ونبيِّن أنَّه ليس فيه ما يوجب الرَّدَّ.
قال أبو داود
(3)
: والأحاديث كلُّها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال الشَّافعيُّ
(4)
: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه.
وقال الخطابي
(5)
: حديث يونس بن جُبير
(6)
أثبت من هذا، يعني قوله:«مُرْه فليراجعها» ، وقوله:«أرأيت إن عَجَز واستحمق؟ قال: فمه» .
وقال ابن عبد البرِّ
(7)
: وهذا لم يقله عنه أحدٌ غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعةٌ جِلّة
(8)
، فلم يقل ذلك أحدٌ منهم، وأبو الزبير ليس بحجَّةٍ فيما خالفَه فيه مثلُه، فكيف بخلاف مَن هو أثبت منه.
(1)
د، ن، والمطبوع:«في خبر» .
(2)
ط الفقي والرسالة: «هذا ما يوجب» وهو تصرف لا موجب له.
(3)
عقب الحديث رقم (2185).
(4)
نقله البيهقي في «السنن الكبرى» : (7/ 327)، وفي «معرفة السنن والآثار»:(11/ 28).
(5)
في «معالم السنن» : (2/ 636) بهامش «السنن» .
(6)
أخرجه البخاري (5252)، ومسلم (1471/ 7 - 10).
(7)
في «التمهيد» : (15/ 65 - 66).
(8)
غُيّرت في ط الفقي والرسالة إلى «أجلة» خلاف النسخ وط الهندية.
وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا
(1)
.
فهذا جملة ما رُدَّ به خبرُ أبي الزبير، وهو عند التَّأمَّل لا يوجب رَدَّه ولا بطلانَه.
أمَّا قول أبي داود: «الأحاديث كلُّها على خلافه» ، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أنَّ الحجَّة من جانبكم، فدعوا التَّقليدَ وأخبرونا أين في الأحاديث الصَّحيحة ما يخالف حديثَ أبي الزبير؟ فهل فيها حديثٌ واحدٌ فيه
(2)
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَب عليه تلك الطَّلقة، وأمره أن يعتدَّ بها؟ فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلافٌ صريحٌ لحديث أبي الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلًا.
وغاية ما بأيديكم: «مُرْه فليراجعها» والرَّجعة تستلزم وقوعَ الطَّلاق، وقول ابن عمر وقد سُئل: أتعتدُّ بتلك التَّطليقة؟ فقال: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق» ، وقول نافع أو من دونه:«فحُسِبَت من طلاقها» . وليس وراء ذلك حرفٌ واحدٌ يدلُّ على وقوعها والاعتداد بها، ولا ريب في صحَّة هذه الألفاظ، ولا مطعن فيها، وإنَّما الشَّأن كلُّ الشَّأن في معارضتها لقوله:«فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا» وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلَّة المتقدِّمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر التَّفاوت، وعدم المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمةٍ كلمةٍ
(3)
منها:
(1)
نقله الخطابي في «المعالم» تنظر الإحالة السابقة.
(2)
من ح، ز، م، ن.
(3)
م، ب:«ما في كل كلمة» ، ن:«ما في ذلك كلمة كلمة» .
أمَّا قوله: «مُرْه فليراجعها» ، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معانٍ:
أحدها: ابتداء النِّكاح، كقوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230]، ولا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم بالقرآن أنَّ المطلِّق هاهنا: هو الزَّوج الثَّاني، وأنَّ التَّراجع بينها وبين الزَّوج الأوَّل، وذلك نكاحٌ مبتدأٌ.
وثانيها: الرَّدُّ الحسِّيُّ إلى الحالة التي كان عليها أوَّلًا، كقوله لأبي النعمان بن بشير لمَّا نَحَل ابنَه غلامًا خصَّه به دون ولده:«رُدَّه»
(1)
، فهذا ردُّ ما لم تصحَّ فيه الهبة الجائرة التي سمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم: جَوْرًا، وأخبر أنَّها لا تصلح، وأنَّها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله.
ومِن هذا قوله لمن فرَّق بين جاريةٍ وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك، وردَّ البيعَ
(2)
، وليس هذا الرَّدُّ مستلزمًا لصحَّة البيع، فإنَّه بيعٌ باطلٌ
(3)
، بل هو ردُّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمرُ بمراجعة ابن عمر امرأتَه ارتجاعٌ وردٌّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطَّلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطَّلاق في الحيض البتَّة.
(1)
أخرجه البخاري (2586)، ومسلم (1623) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه .
(2)
أخرجه أبو داود (2696)، والترمذي (1330)، وابن ماجه (2249) من طريق ميمون عن علي:«أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وردَّ البيع» ، وميمون لم يدرك عليًّا، وصححه الحاكم:(2/ 55 - 125)، وله شاهد من حديث أبي أيوب، وقد سبق تخريجه.
(3)
ب زيادة: «مردود» .
وأمَّا قوله: «أرأيتَ إن عَجَز واستَحْمَق» ، فيا سبحان الله أين البيان في هذا اللَّفظ بأنَّ تلك الطَّلقة حَسَبها عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ والأحكامُ لا تؤخذ بمثل هذا، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حَسَبها عليه واعتدَّ عليه بها لم يَعْدِل عن الجواب بفعله وشرعه إلى:«أرأيت» ، وكان ابن عمر أكره ما إليه أرأيت، فكيف يعدِل للسَّائل عن صريح السُّنَّة إلى لفظة «أرأيت» الدَّالَّة على نوعٍ من الرَّأي سببه عجز المطلِّق وحمقه عن إيقاع الطَّلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه؟!
والأظهر فيما هذه صفتُه أنَّه لا يعتدُّ به، وأنَّه ساقطٌ مِن فِعْل فاعله، لأنَّه ليس في دين الله تعالى حكمٌ نافذٌ سببه العجزُ والحمقُ عن امتثال الأمر، إلا أن يكون فعلًا لا يمكن ردُّه، بخلاف العقود المحرَّمة التي مَن عَقَدها على الوجه المحرَّم، فقد عَجَز واستحمق، وحينئذٍ فيقال: هذا أدلُّ على الرَّدِّ منه على الصِّحَّة واللُّزوم، فإنَّه عَقْد عاجزٍ أحمق على خلاف ما أمر
(1)
الله ورسوله، فيكون مردودًا باطلًا. فهذا الرَّأي والقياس أدلُّ على بطلان طلاق مَن عَجَز واستحمق منه على صحَّته واعتباره.
وأمَّا قوله: «فحُسِبَت من طلاقها» ، ففِعْلٌ مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعلُه، فإذا سمِّي فاعله، وظهر، وتبيَّن من هو
(2)
؛ هل في حُسْبانه حجَّةٌ أو لا؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول دليلٌ البتَّة. وسواءٌ كان القائل «فحُسِبَت» ابنَ عمر أو نافعًا أو من دونه= ليس فيه بيانٌ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حسبها حتَّى
(1)
م، ح، ط الهندية:«خلاف أمر» .
(2)
المطبوع: «فاعله، ظهر، وتبيّن هل» . ح: «فاعله وتبين من هو ظهر
…
»، وفي ص، ب:«تبيّن» بدون الواو.
تلزمُ الحجَّة به، وتحرمُ مخالفته، فقد تبيَّن أنَّ سائر الأحاديث لا تخالف حديثَ أبي الزبير، وأنَّه صريحٌ في أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا، وسائر الأحاديث مجملةٌ لا بيانَ فيها.
قال المُوْقِعون: لقد ارتقيتم أيُّها المانعون مرتقًى صعبًا، وأبطلتم أكثرَ طلاق المطلِّقين، فإنَّ غالبه طلاقٌ بدعيٌّ، وجاهرتم بخلاف الأئمَّة، ولم تَحَاشَوا
(1)
خلافَ الجمهور، وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهورُ الصَّحابة ومَن بعدهم بخلافه، والقرآنُ والسُّنن تدلُّ على بطلانه؛ قال تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وهذا يعمُّ كلَّ طلاقٍ، وكذلك قوله:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، ولم يفرِّق، وكذلك قوله:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، وقوله:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} [البقرة: 241] وهذه مُطلَّقةٌ، وهي عموماتٌ لا يجوز تخصيصها إلا بنصٍّ أو إجماعٍ.
قالوا: وحديث ابن عمر دليلٌ على وقوع الطَّلاق المحرَّم من وجوهٍ:
أحدها: الأمر بالمراجعة، وهي لمُّ شَعَث النِّكاح، وإنَّما شعثه وقوع الطَّلاق.
الثَّاني: قول ابن عمر: «فراجعتها وحسبت لها التَّطليقة التي طلَّقها» ، وكيف يُظنُّ بابن عمر أنَّه يخالف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيحسبها مِن طلاقها، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا.
(1)
ط الفقي والرسالة: «تتحاشوا» خلاف النسخ وط الهندية، و «تحاشوا» حذفت منه إحدى التاءين في المضارع من باب تفاعَلَ، وهو سائغ. والمعنى: لم تتنزهوا ولم تتجنبوا.
الثَّالث: قول ابن عمر لمَّا قيل له: أيحتسب بتلك الطلقة
(1)
؟ قال: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق» أي: عَجْزه وحُمْقه لا يكون عذرًا له في عدم احتسابه بها.
الرَّابع: أنَّ ابن عمر قال: «وما يمنعني أن أعتدَّ بها؟»
(2)
، وهذا إنكارٌ منه لعدم الاعتداد بها، وهذا يبطل تلك اللَّفظة التي رواها عنه أبو الزبير، إذ كيف يقول ابن عمر:«وما يمنعني أن أعتدَّ بها؟» وهو يرى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد ردَّها عليه، ولم يرها شيئًا.
الخامس: أنَّ مذهبَ ابن عمر الاعتداد بالطَّلاق في الحيض، وهو صاحب القصَّة، وأعلم النَّاس بها، وأشدُّهم اتِّباعًا للسُّنن، وتحرُّجًا من مخالفتها
(3)
. قالوا: وقد روى ابن وهب في «جامعه»
(4)
: حدَّثنا ابن أبي ذئبٍ: أنَّ نافعًا أخبرهم عن ابن عمر: أنَّه طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة التي أمر الله أن تُطَلَّق
(5)
لها النِّساء، وهي واحدةٌ» هذا لفظ حديثه.
قالوا: وروى عبد الرزاق
(6)
، عن ابن جُريجٍ قال: أرسلنا إلى نافع وهو
(1)
م، ط الهندية:«التطليقة» .
(2)
أخرجه مسلم (1471/ 11) بلفظ: «ما لي لا أعتد بها؟» .
(3)
ح، د، ص:«لمخالفتها» .
(4)
لم أجده في القطعة المطبوعة منه، وعلَّقه ابن حزم (10/ 164) عن ابن وهب به.
(5)
ح، د، ص:«يطلّق» .
(6)
(10957)، وكذا الشافعي كما في «معرفة السنن»:(5/ 453) للبيهقي، من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج به.
يترجَّل في دار النَّدوة ذاهبًا إلى المدينة، ونحن مع عطاءٍ: هل حُسِبتْ تطليقةُ عبد الله بن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
قالوا: وقد
(1)
روى حمَّادُ بن زيدٍ، عن عبد العزيز بن صُهَيبٍ، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن طلَّق في بدعةٍ ألزمناه بدعته» . رواه عبد الباقي بن قانعٍ، حدثنا إسماعيل بن أمية الذَّارِع
(2)
، حدثنا حمّاد فذكره
(3)
.
قالوا: وقد تقدَّم مذهب عثمان بن عفَّان، وزيد بن ثابتٍ في فتواهما بالوقوع.
قالوا: وتحريمُه لا يمنع ترتُّب أثره وحكمه عليه كالظِّهار، فإنَّه منكرٌ من القول وزورٌ، وهو محرَّمٌ بلا شكٍّ، وترتَّبَ عليه أثرُه وهو تحريم الزَّوجة إلى أن يكفِّر، فهكذا الطَّلاق البدعيُّ يحْرُم
(4)
، ويترتَّبُ عليه أثره إلى أن يراجع، ولا فرق بينهما.
قالوا: وهذا ابن عمر يقول للمطلِّق ثلاثًا: حرمت عليك حتَّى تنكح
(1)
ليست في ح، د، ز.
(2)
كذا في الأصول وط الهندية، بإسقاط شيخِ (ابن قانع)، وهو (عبد الوارث بن إبراهيم العسكري) عند الدارقطني (3944)، أو (أبو يحيى زكريا الساجي) عند ابن حزم (10/ 164)، وابن حزم جعله من مسند أنس، وهو عند الدارقطني والبيهقي من مسند معاذ، كما سيأتي. والمؤلف صادر عن ابن حزم.
(3)
أخرجه الدارقطني في «السنن» (3944، 4020، 4021)، والبيهقي في «الكبرى»:(7/ 327)، من طرق عن أنس عن معاذ بن جبل، وأعلَّه الدارقطني بإسماعيل بن أبي أمية، فقال:«متروك الحديث» ، وسيأتي حكمُ ابن حزم عليه بالوضع.
(4)
م، ب، ط الهندية:«محرم» .
زوجًا غيرك، وعصيتَ ربَّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك
(1)
. فأوقع عليه الطَّلاقَ الذي عصى به المطلِّقُ ربَّه عز وجل.
قالوا: وكذلك القذف محرَّمٌ، وترتَّبَ عليه أثرُه مِن الحدِّ، وردِّ الشَّهادة وغيرهما.
قالوا: والفرق بين النِّكاح المحرَّم والطَّلاق المحرَّم: أنَّ النِّكاح عقدٌ يتضمَّن حلَّ الزَّوجة وملك بُضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعًا، فإنَّ الأبضاع في الأصل على التَّحريم، ولا يُباح منها إلا ما أباحه الشَّارع، بخلاف الطَّلاق، فإنَّه إسقاطٌ لحقِّه وإزالةٌ لملكه، وذلك لا يتوقَّف على كون السَّبب المزيل مأذونًا فيه شرعًا، كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرَّم، وبالإقرار الكاذب، وبالتَّبرُّع المحرَّم، كهبتها لمن يعلم أنَّه يستعين بها على المعاصي والآثام.
قالوا: والإيمان أصل العقود وأجلُّها وأشرفها، يزول بالكلام المحرَّم إذا كان كفرًا، فكيف لا يزول عقدُ النِّكاح بالطَّلاق المحرَّم الذي وُضع لإزالته.
قالوا: ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل، فإنَّه يقع مع تحريمه، لأنَّه لا يحلُّ له أن يهزلَ
(2)
بآيات اللَّه، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«ما بال أقوامٍ يتَّخذون آيات الله هُزُوًا: طلَّقتُك راجعتُك، طلَّقتُك راجعتُك»
(3)
. فإذا
(1)
سبق تخريجه.
(2)
في المطبوع: «لا يحلّ له الهزل» . ون: «لا يحل أن يهزل» .
(3)
أخرجه ابن ماجه (2017)، والطبري في «التفسير»:(5/ 139)، والبيهقي في «الكبرى»:(7/ 323) عن أبي موسى، موصولًا ومرسلًا. وحسَّن الموصولَ البوصيريُّ في «الزوائد»:(1/ 127)، وصححه ابن حبان (4265)، وأحمد شاكر في تعليقه على الطبري، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (4431) من أجل عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
وقع طلاق الهازل مع تحريمه، فطلاق الجادِّ أولى أن يقع مع تحريمه.
قالوا: وفرقٌ آخر بين النِّكاح المحرَّم والطَّلاق المحرَّم: أنَّ النِّكاح نعمةٌ فلا يستباح بالمحرَّمات، وإزالته وخروج البُضع عن ملكه نقمةٌ، فيجوز
(1)
أن يكون سببها محرَّمًا.
قالوا: وأيضًا فإنَّ الفروج يُحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوعَ الطَّلاق، وتجديد الرَّجعة أو العقد.
قالوا: وقد عهدنا النِّكاح لا يدخل فيه إلا بالتَّشديد والتَّأكيد؛ من الإيجاب والقبول، والوليِّ والشَّاهدين، ورضى الزَّوجة المعتبر رضاها، ويخرج منه بأيسر شيءٍ، فلا يحتاج الخروج منه إلى شيءٍ من ذلك، بل يدخل فيه بالعزيمة، ويخرج منه بالشُّبهة، فأين أحدهما من الآخر حتَّى يُقاس عليه؟!
قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشَّرع كلِّهم قديمًا وحديثًا: «طلَّق امرأته وهي حائضٌ» ، و «الطَّلاق نوعان: طلاق سنَّةٍ، وطلاق بدعةٍ»، وقول ابن عبَّاسٍ:«الطَّلاقُ على أربعة أوجهٍ: وجهان حلالٌ، ووجهان حرامٌ»
(2)
. فهذا الإطلاق والتَّقسيم دليلٌ على أنَّه عندهم طلاقٌ حقيقةً،
(1)
ز: «فلا يجوز» ، خطأ.
(2)
أخرجه عبد الرزاق (10950)، ومن طريقه الدارقطني في «السنن» (3890، 3990)، والبيهقي في «الكبرى»:(7/ 325) من طريق وهب بن نافع عن عكرمة عنه، ورجاله ثقات غير وهب فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» .
وشمول اسم الطَّلاق له كشموله للطَّلاق الحلال، ولو كان لفظًا مجرَّدًا لغوًا لم يكن له حقيقةٌ، ولا قيل:«طلَّق امرأته» ، فإنَّ هذا اللَّفظ إذا كان لغوًا كان وجوده كعدمه، ومثل هذا لا يقال فيه «طلَّق» ، ولا يقسَّم الطَّلاق إليه
(1)
ــ وهو غير واقعٍ ــ إليه وإلى الواقع، فإنَّ الألفاظ اللَّاغية التي ليس لها معانٍ ثابتةٌ لا تكون هي ومعانيها قِسْمًا من الحقيقة الثَّابتة لفظًا.
فهذا أقصى ما تمسَّك به المُوْقِعون، وربَّما ادَّعى بعضهم الإجماعَ لعدم علمه بالنِّزاع.
قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقاماتٍ بها يستبين الحقُّ في المسألة.
المقام الأوَّل: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنَّه لا سبيل لكم إلى إثباته البتَّة، بل العلم بانتفائه معلومٌ.
المقام الثَّاني: أنَّ فتوى الجمهور بالقول لا يدلُّ على صحَّته، وقول الجمهور ليس بحجَّةٍ.
المقام الثَّالث: أنَّ الطَّلاق المحرَّم لا يدخل تحت نصوص الطَّلاق المُطْلقة التي رتَّب الشَّارع عليها أحكامَ الطَّلاق. فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثَّلاث كنَّا أسعدَ بالصَّواب منكم في المسألة.
فنقول: أمَّا المقام الأوَّل، فقد تقدَّم من حكاية النِّزاع ما يُعْلَم معه بطلان دعوى الإجماع، كيف، ولو لم يُعلَم ذلك لم يكن لكم سبيلٌ إلى إثبات
(1)
كذا في جميع الأصول، وليست في المطبوع.
الإجماع
(1)
الذي تقوم به الحجَّة، وتنقطع معه المعذرة، وتَحْرُم معه المخالفة، فإنَّ الإجماعَ الذي يوجب ذلك هو الإجماعُ القطعيُّ المعلوم.
وأمَّا المقام الثَّاني: وهو أنَّ الجمهور على هذا القول، فأوْجِدُونا في الأدلَّة الشَّرعيَّة أنَّ قول الجمهور حجَّةٌ مضافةٌ إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله، وإجماع أمَّته.
ومَن تأمَّل مذاهبَ العلماء قديمًا وحديثًا من عهد الصَّحابة وإلى الآن، واسْتَقرى أقوالَهم
(2)
وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكلٍّ منهم أقوالًا عديدةً انفرد بها عن الجمهور، ولا يُستثنى من ذلك أحدٌ قطُّ، ولكن مستقلٌّ ومستكثرٌ، فمَن شئتم سمّوه
(3)
من الأئمَّة ثم
(4)
تتبَّعوا ما له مِن الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ولو تتبَّعنا ذلك وعددناه، لطال الكتاب به جدًّا، ونحن نحيلكم على الكتب المتضمِّنة لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفةٌ بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم.
ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد، ولا تدفعها السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، وأمَّا ما كان هذا سبيله، فإنَّهم كالمتَّفقين على إنكاره وردِّه، هذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين.
(1)
«كيف، ولو
…
الإجماع» كتب عليها في ص (لا إلى) يعني يضرب عليها ليكون السياق: «دعوى الإجماع الذي تقوم به
…
».
(2)
ط الفقي والرسالة: «أحوالهم» خلاف النسخ وط الهندية.
(3)
المطبوع: «سميتموه» .
(4)
سقطت من ط الفقي والرسالة.
وأمَّا المقام الثَّالث: وهو دعواكم دخولَ الطَّلاق المحرَّم تحت نصوص الطَّلاق، وشمولها للنَّوعين إلى آخر كلامكم، فنسألكم: ما تقولون فيمن ادَّعى دخولَ أنواع البيع المحرَّم والنِّكاح المحرَّم تحت نصوص البيع والنِّكاح، وقال: شمولُ الاسمِ الصَّحيحَ
(1)
مِن ذلك والفاسدَ سواءٌ؟
بل وكذلك سائر العقود المحرَّمة إذا ادَّعى دخولَها تحت ألفاظ العقود الشَّرعيَّة، وكذلك العبادات المحرَّمة المنهيُّ عنها إذا ادَّعى دخولَها تحت الألفاظ الشَّرعيَّة، وحَكَم لها بالصِّحَّة لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحةً أو باطلةً؟
فإن قلتم: صحيحةٌ، ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولًا معلومَ الفساد بالضَّرورة من الدِّين، وإن قلتم: دعواه باطلةٌ، تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وإن قلتم: تُقبل في موضعٍ، وتردُّ في موضعٍ، قيل لكم: ففرِّقوا لنا بفرقانٍ صحيحٍ مطَّردٍ منعكسٍ، معكم به برهانٌ من الله، بين ما يدخل من العقود المحرَّمة تحت ألفاظ النُّصوص، فيثبت له حكم الصِّحَّة، وبين ما لا يدخل تحتها، فيثبت له حكم البطلان. وإن عجَزْتم عن ذلك، فاعلموا أنَّه ليس بأيديكم سوى الدَّعوى التي يحْسِن كلُّ أحدٍ مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتجُّ لقوله لا بقوله.
وإذا كُشف الغطاء عمَّا قرَّرتموه في هذه الطَّريق وُجِد عينُ محلِّ النِّزاع
(2)
جعلتموه مقدِّمةً في الدَّليل، وذلك عين المصادرة على
(1)
ط الفقي والرسالة: «للصحيح» خلاف النسخ وط الهندية.
(2)
ط الفقي والرسالة زيادة «فقد» ولا وجود لها في النسخ ولا ط الهندية، والنص بدونها مستقيم.
المطلوب
(1)
، فهل وقع النِّزاع إلا في دخول الطَّلاق المحرَّم المنهيِّ عنه تحت قوله:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} [البقرة: 241]، وتحت قوله:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وأمثال ذلك، وهل سلَّم لكم منازعوكم قطُّ ذلك حتَّى تجعلونه مقدِّمةً لدليلكم؟
قالوا: وأمَّا استدلالكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجَّةً عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجَّةً لكم من وجوهٍ:
أحدها: صريحُ قوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا» ، وقد تقدَّم بيان صحَّته. قالوا: فهذا الصَّحيح الصَّريح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين، بل جميع تلك الألفاظ إمَّا صحيحةٌ غير صريحةٍ، وإمَّا صريحةٌ غير صحيحةٍ كما ستقفون عليه.
الثَّاني: أنَّه قد صحَّ عن ابن عمر بإسنادٍ كالشَّمس من رواية عبيد الله عن نافع عنه، في الرَّجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ، قال: «لا يعتدُّ
(2)
بذلك»، وقد تقدَّم.
الثَّالث: أنَّه لو كان صريحًا في الاعتداد به، لما عدَلَ عنه إلى مجرَّد الرَّأي، وقوله للسَّائل:«أرأيت؟» .
الرَّابع: أنَّ الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابًا شديدًا، وكلُّها صحيحةٌ عنه، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن عنده نصٌّ صريحٌ عن
(1)
المصادرة على المطلوب هي: جَعْل النتيجة مقدمة بتغيير في اللفظ. ينظر «التوقيف» (ص 307)، و «بيان المختصر»:(1/ 147).
(2)
د، ص، م:«تعتد» .
رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقوع تلك الطَّلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظ، نظَرْنا إلى مذهب ابن عمر وفتواه، فوجدناه صريحًا في عدم الوقوع، ووجدنا أحدَ ألفاظ حديثه صريحًا في ذلك، فقد اجتمع صريحُ روايته وفتواه على عدم الاعتداد، وخالفَ في ذلك ألفاظٌ مجملةٌ مضطربةٌ، كما تقدَّم بيانه.
وأمَّا قول ابن عمر: «وما لي لا أعتدُّ بها» ، وقوله:«أرأيتَ إن عَجَز واستحمق» ، فغاية هذا أن تكون روايةً صريحةً عنه بالوقوع، ويكون عنه روايتان.
وقولكم: كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردَّها عليه ولم يعتدَّ عليه بها؟ فليس هذا بأوَّل حديثٍ خالفه راويه، وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها
(1)
أسوةٌ حسنةٌ في
(2)
تقديم رواية الصَّحابيِّ ومَن بعده على رأيه.
وقد روى ابن عبَّاسٍ حديثَ بَريرة، وأنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقها، وأفتى بخلافه
(3)
، فأخَذَ النَّاسُ بروايته، وتركوا رأيه، وهذا هو الصَّواب، فإنَّ الرِّواية معصومةٌ عن معصومٍ، والرَّأي بخلافها، كيف وأصْرَح الرِّوايتين عنه موافقته لما رواه مِن عدم الوقوع.
(1)
ب، ونسخة على هامش ن:«خالفها رواتها» .
(2)
ب: «أسوة في تقديم» .
(3)
تقدم حديث بريرة، أما فتواه فأخرجها سعيد بن منصور (1947) والطحاوي في «مشكل الآثار»:(11/ 181)، من طريق عكرمة عنه أنه كان يقول في بيع الأَمة:«هو طلاقها» ، وهذا يخالف التخيير الثابت في حديث بريرة. والمسألة في «الفتح»:(9/ 404).
على أنَّ في هذا فقهًا دقيقًا إنَّما يعرفه مَن له غَورٌ على أقوال الصَّحابة ومذاهبهم، وفهمهم عن الله ورسوله، واحتياطهم للأمَّة، ولعلَّك تراه قريبًا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم في إيقاع الطَّلاق الثَّلاث جملةً.
وأمَّا قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئبٍ في آخره: «وهي واحدةٌ» فلَعَمْرُ الله لو كانت هذه اللَّفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدَّمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأوَّل وهلةٍ، ولكن لا ندري أقالها ابنُ وهب من عنده، أم ابن أبي ذئبٍ، أو
(1)
نافع؟ فلا يجوز أن يُضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يُتَيَقَّن أنَّه من كلامه، ويُشْهَد به عليه، وتُرَتَّب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال، والظَّاهر أنَّها من قول مَن دون ابن عمر، ومراده بها أنَّ ابن عمر إنَّما طلَّقها طلقةً
(2)
واحدةً، لم يكن ذلك منه ثلاثًا، أي طلَّق ابنُ عمر امرأتَه واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
وأمَّا حديث ابن جُريجٍ، عن عطاء، عن نافع: أنَّ تطليقة عبد الله حُسِبت عليه، فهذا غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يُعرَف مَن الذي حَسَبها، أهو عبد الله نفسه، أو أبوه عمر، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولا يجوز أن يُشْهَد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوهم والحُسْبان، وكيف يعارَض صريحُ قوله:«ولم يرها شيئًا» بهذا المجمل
(3)
؟ والله يشهد ــ وكفى به شهيدًا ــ لو
(4)
تيقَّنَّا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حَسَبها عليه، لم نتعدَّ ذلك، ولم نذهب إلى سواه.
(1)
ن، ط الهندية:«أم» .
(2)
(3)
ح، د، ز:«المحمل» .
(4)
ط الهندية: «ولو» ، و ط الفقي والرسالة:«أنّا لو» .
وأمَّا حديث أنس: «مَن طلَّق في بدعةٍ ألزمناه بدعتَه» فحديثٌ باطلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نشهد بالله أنَّه حديثٌ باطلٌ عليه، ولم يروه أحدٌ من الثِّقات من أصحاب حمَّاد بن زيدٍ، إنَّما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذَّرَّاع الكذَّاب
(1)
الذي يَذْرَع ويفصِّل، ثمَّ الرَّاوي له عنه عبد الباقي بن قانعٍ، وقد ضعَّفه البرقانيُّ وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال الدَّارقطنيُّ: يخطئ كثيرًا
(2)
. ومثل هذا إذا تفرَّد بحديثٍ لم يكن حديثُه حجَّةً.
وأمَّا إفتاء عثمان بن عفَّان، وزيد بن ثابتٍ بالوقوع، فلو صحَّ ذلك ــ ولا يصحُّ أبدًا ــ فإنَّ أثر عثمان فيه كذَّابٌ عن مجهولٍ لا يعرف عينُه ولا حالُه، فإنَّه من رواية ابن سمعان، عن رجلٍ. وأثر زيد فيه مجهولٌ عن مجهولٍ: قيس بن سعدٍ، عن رجلٍ سمَّاه، عن زيد. فيا للَّه العجب، أين هاتين الرِّوايتين
(3)
من رواية عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثَّقفيِّ، عن عبيد الله حافظ الأمَّة، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه قال:«لا يعتدُّ بها»
(4)
. فلو كان هذا الأثر من قِبَلكم لَصُلْتم به وجُلْتم.
(1)
قال ابن حزم في «المحلى» : (10/ 164 - 165): «حديث أنس موضوع، وإسماعيل ضعيف متروك» ، وقال الدارقطني:«متروك الحديث كان يضع الحديث» وقال الخطيب: «له أحاديث منكرة» . ينظر «المتفق والمفترق» : (1/ 336 - 337)، و «الضعفاء»:(1/ 109) لابن الجوزي، و «لسان الميزان»:(2/ 106 - 107).
(2)
ينظر «لسان الميزان» : (5/ 50 - 52).
(3)
كذا في جميع الأصول وط الهندية، والوجه:«هاتان الروايتان» . وأصلحت في الطبعات اللاحقة.
(4)
سبق تخريجها.
وأمَّا قولكم: إنَّ تحريمه لا يمنع ترتُّبَ أثرِه عليه، كالظِّهار، فيقال أوَّلًا: هذا قياسٌ يدفعه ما ذكرناه من النَّصِّ، وسائرُ تلك الأدلَّة التي هي أرجح منه. ثمَّ يقال ثانيًا: هذا معارَضٌ بمثله سواءٌ معارضةَ القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتُّبَ أثره عليه كالنِّكاح. ويقال ثالثًا: ليس للظِّهار جهتان: جهة حلٍّ، وجهة حرمةٍ، بل كلُّه حرامٌ، فإنَّه منكرٌ من القول وزورٌ، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلالٍ جائزٍ، وحرامٍ باطلٍ، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبيِّ والرِّدَّة، فإذا وُجِد لم يوجد إلا مع مفسدته، فلا يتصوَّر أن يقال: منه حلالٌ صحيحٌ، وحرامٌ باطلٌ، بخلاف النِّكاح والطَّلاق والبيع، فالظِّهار نظير الأفعال المحرَّمة التي إذا وقعت قارَنَتْها
(1)
مفاسدها، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها، فإلحاق الطَّلاق بالنِّكاح، والبيع والإجارة، والعقود المنقسمة إلى حلالٍ وحرامٍ وصحيحٍ وباطلٍ أولى.
وأمَّا قولكم: إنَّ النِّكاح عقدٌ يُمْلك به البُضع، والطَّلاق عقدٌ يخرج به، فنعم، مِن أين لكم برهانٌ من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما، والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الآخر وإبطاله؟
وأمَّا زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرَّم، فذلك ملكٌ قد زال حسًّا، ولم يبق له محلٌّ. وأمَّا زواله بالإقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنَّا صدَّقناه ظاهرًا في إقراره، وأزلنا ملكَه بالإقرار المصدَّق فيه وإن كان كاذبًا.
وأمَّا زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفرٌ، فقد تقدَّم جوابه، وأنَّه ليس في الكفر حلالٌ وحرامٌ.
(1)
م، ح:«قاربتها» .
وأمَّا طلاق الهازل، فإنَّما وقع، لأنَّه صادف محلًّا
(1)
، وهو طهرٌ لم يجامع فيه فنَفَذ، وكونه هَزَل به إرادةً منه أن لا يترتَّبَ أثرُه عليه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشَّارع، فهو قد أتى بالسَّبب التَّامِّ، وأراد أن لا يكون سببه، فلم ينفعه ذلك، بخلاف من طلَّق في غير زمن الطَّلاق، فإنَّه لم يأتِ بالسَّبب الذي نَصَبَه الله سبحانه مُفضيًا إلى وقوع الطَّلاق، وإنَّما أتى بسببٍ من عنده، وجعَلَه هو مفضيًا إلى حكمه، وذلك ليس إليه.
وأمَّا قولكم: إنَّ النِّكاح نعمةٌ، فلا يكون سببه إلا طاعةً بخلاف الطَّلاق، فإنَّه من باب إزالة النِّعم، فيجوز أن يكون سببه معصيةً.
فيقال: وقد يكون الطَّلاق مِن أكبر النِّعم التي يفكُّ بها المطلِّق الغلَّ مِن عُنقه والقيدَ من رجله، فليس كلُّ طلاقٍ نقمةً، بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكَّنهم من المفارقة بالطَّلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ، أو التَّخلُّص ممَّن لا يحبُّها ولا يلائمها، فلم يُرَ للمتحابَّين مثل النِّكاح، ولا للمتباغضين مثل الطَّلاق.
ثمَّ كيف يكون نقمةً
(2)
والله تعالى يقول: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة: 236]، ويقول:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]؟
وأمَّا قولكم: إنَّ الفروج يُحتاط لها، فنعم، وهكذا قلنا سواءٌ، فإنَّا احتطنا وأبقينا الزَّوجين على يقين النِّكاح حتَّى يأتي ما يزيله بيقينٍ، فإن أخطأنا
(1)
د، ص، ب:«محله» .
(2)
في الأصول عدا ن وط الهندية: «نعمة» ، تصحيف.
فخطؤنا في جهةٍ واحدةٍ، وإن أصبنا فصوابنا في جهتين، جهة الزَّوج الأوَّل، وجهة الثَّاني، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفَرْج على مَن كان حلالًا له بيقينٍ، وإحلاله لغيره، فإن كان خطأً، فهو خطأٌ من جهتين. فتبيَّن أنَّا أولى بالاحتياط منكم، وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في طلاق السَّكران نظير هذا الاحتياط سواء، فقال: الذي لا يأمر بالطَّلاق إنَّما أتى خصلةً واحدةً، والَّذي يأمر بالطَّلاق أتى خصلتين؛ حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ من هذا
(1)
.
وأمَّا قولكم: إنَّ النِّكاح يُدخَل فيه بالعزيمة والاحتياط، ويُخْرَج منه بأدنى شيءٍ.
قلنا: ولكن لا يُخْرَج منه إلا بما نصبَه الله سببًا يخرج به منه، وأذن فيه وأمَّا ما نَصَبه المرءُ مِن
(2)
عنده، ويجعله هو سببًا للخروج منه، فكلَّا.
فهذا منتهى أقدام الطَّائفتين في هذه المسألة الضَّيِّقة المعترَك، الوعرة المَسْلَك التي يتجاذب أعِنَّةَ أدلَّتِها الفرسانُ، وتتضاءل لدى صَوْلتها شجاعةُ الشُّجعان، وإنَّما نبَّهنا على مأخَذِها وأدلَّتها ليعلم الغرُّ
(3)
الذي بضاعته من العلم مزجاةٌ: أنَّ هناك شيئًا
(4)
آخر وراء ما عنده، وأنَّه إذا كان ممَّن قَصُر في العلم باعُه، وضَعُف خلفَ الدَّليل، وتقاصرَ عن جَنْي ثمارِه ذراعُه، فليعذر
(1)
سبق ذكرها (ص 303).
(2)
في المطبوع: «المؤمن» ! وهي مشتبهة في بعض النسخ. ووقع في ز، د، ح:«ينصبه» بدلًا من «نصبه» .
(3)
تصحفت في د، ص، م إلى:«الغير» .
(4)
د: «سببًا» .