الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزَّوجة من الإضرار بها وكَسْر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها أو نكاح غيرها، وقد فرَّق النَّصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسدٌ.
فصل
في حُكْمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشِّغار، والمحلِّل والمتعة،
ونكاح المُحرِم، ونكاح الزانية
أمَّا الشِّغار، فصحَّ النَّهيُ عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية. وفي «صحيح مسلم»
(1)
عن ابن عمر مرفوعًا: «لا شِغارَ في الإسلام» .
وفي حديث ابن عمر: «والشِّغار: أن يزوِّج الرَّجلُ ابنتَه على أن يزوِّجه
(2)
ابنتَه وليس بينهما صَداقٌ»
(3)
.
وفي حديث أبي هريرة: «والشِّغار: أن يقول الرَّجل للرَّجل: زوِّجني ابنتَك، وأزوِّجك ابنتي، وزوِّجني أختَك، وأزوِّجك أختي»
(4)
.
وفي حديث معاوية: أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكحَ عبدَ الرحمن بن الحكم ابنتَه، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنتَه، وكانا جعلا صَداقًا، فكتب معاويةُ إلى مروان يأمره بالتَّفريق بينهما، وقال: «هذا الشِّغار
(1)
حديث (1415).
(2)
بعده في ط الهندية وهامش ز بقلم مغاير: «الآخر» .
(3)
أخرجه البخاري (5112)، ومسلم (1415).
(4)
أخرجه مسلم (1416).
الذي نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم»
(1)
.
فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإمام أحمد
(2)
: الشِّغار الباطل أن يزوِّجه وليَّتَه على أن يزوَّجه الآخر وليَّتَه ولا مهرَ بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمَّوا مع ذلك مهرًا صحَّ العقد بالمسمَّى عنده.
وقال الخِرَقيّ
(3)
: لا يصحُّ ولو سمَّوا مهرًا على حديث معاوية.
وقال أبو البركات ابن تيميَّة
(4)
وغيره من أصحاب أحمد: إن سمَّوا مهرًا، وقالوا مع ذلك: وبُضْعُ كلِّ واحدةٍ مهرُ الأخرى
(5)
لم يصحَّ، وإن لم يقولوا ذلك صحَّ.
واخْتُلف في علَّة النَّهي، فقيل: هي جَعْل كلِّ واحدٍ
(6)
من العقدين شرطًا في الآخر، وقيل: العلَّة التَّشريك في البُضع، وجَعْل بُضع كلِّ واحدةٍ مهرًا للأخرى وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الوليِّ وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع مولِّيته، وهذا ظلمٌ لكلِّ واحدةٍ من
(1)
أخرجه أحمد (16856)، وأبو داود (2075) من حديث الأعرج أن العباس
…
فذكره، وإسناده حسن؛ فيه ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث؛ فانتفت شبهة تدليسه، ويشهد للنهي عن الشغار ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عمر وجابر وأنس رضي الله عنه ، وقد سبق بعضها.
(2)
ينظر «الهداية» : (1/ 392)، و «المغني»:(10/ 42).
(3)
في «مختصره» (ص 104).
(4)
في «المحرر» : (2/ 23).
(5)
ز، د، ب، ن:«للأخرى» .
(6)
ليست في ز، د، ب، ن.
المرأتين، وإخلاءٌ لنكاحهما عن مهرٍ تنتفع به.
وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنَّهم يقولون: بلدٌ شاغرٌ من أميرٍ، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشَغَر الكلبُ: إذا رفع رجله وأخلى مكانها. فإذا سمَّوا مهرًا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلِّ واحدٍ على الآخر شرطًا لا يؤثِّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد.
وأمَّا مَن فرَّق، فقال: إن قالوا مع التَّسمية: إنَّ بُضع كلِّ واحدةٍ مهرٌ للأخرى فسَدَ؛ لأنَّها لم يرجع إليها مهرها وصار بُضْعها
(1)
لغير المستحقِّ، وإن لم يقولوا ذلك صحَّ.
والَّذي يجيء على أصله أنَّهم متى عقدوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم: أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ القُصود
(2)
في العقود معتبرةٌ، والمشروط عُرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرطِ ذلك والتَّواطُؤ عليه ونيِّتهِ، فإن سُمِّي لكلِّ واحدةٍ مهرُ مثلها صحَّ، وبهذا تظهر حكمة النَّهي واتِّفاق الأحاديث في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
فصل
وأمَّا نكاح المحلِّل: ففي «المسند» والتِّرمذيِّ
(3)
من حديث ابن مسعودٍ
(1)
في جميع الأصول وط الهندية: «بعضه» والصواب ما أثبت. وينظر «الفتاوى الكبرى» : (3/ 204).
(2)
تصحفت في ث، ن، ط الهندية إلى:«المقصود» .
(3)
أخرجه أحمد في «المسند» (4283، 4284)، والترمذي (1120)، والنسائي (3416)، من طرقٍ عن سفيان عن أبي قيس عن الهزيل عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو أصح ما في الباب، وصححه الترمذي، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وابن الملقن. ينظر «البدر المنير»:(7/ 612)، و «التلخيص»:(3/ 372). وفي الباب عن علي، وجابر، وعُقبة بن عامر، وابن عباس رضي الله عنه، كما سيأتي.
قال: «لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المُحَلِّل والمُحَلَّل له» . قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي «المسند»
(1)
: من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لعنَ الله المُحَلِّل والمُحَلَّل له» ، وإسناده حسنٌ
(2)
.
وفيه
(3)
عن عليٍّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مثله.
وفي «سنن ابن ماجه»
(4)
من حديث عُقْبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله
(1)
برقم (8278)، وأخرجه البيهقي في «الكبرى»:(7/ 208) بألفاظ متقاربة، ومداره على عبد الله بن جعفر المخرّمي؛ لا بأس به، وعثمان بن محمد، وهو صدوق، والحديث حسنه البخاري كما في «علل الترمذي»:(1/ 413)، والمصنِّفُ هنا. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (684).
(2)
ب: «جيد» .
(3)
أي «المسند» (635)، وقد اختلف في وصله وإرساله؛ فأخرجه ابن ماجه (1935)، وأبو داود (2076)، والترمذي (1119)، والنسائي (5103) من طرقٍ عن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه متصلًا مرفوعًا، ومداره على الحارث، وهو ضعيف، قال الترمذي:«حديث علي وجابر حديث معلول» ، لكن يصح بشواهده، ينظر «العلل المتناهية»:(2/ 159)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم»:(6/ 315). وأخرجه النسائي (5104) عن الحارث مرسلًا، ولا يضر؛ فقد صح مرفوعًا كما سبق. ينظر «العلل» للدارقطني:(1/ 347).
(4)
برقم (1936)، وأخرجه الحاكم:(2/ 198 - 199)، والبيهقي:(7/ 208) ، والدارقطني (3618) من طرق عن الليث بن سعد، وقد اختلف على الليث في وصله وإرساله؛ فرواه يحيى بن بُكير عنه عن سليمان بن عبد الرحمن مرسلًا. ورواه أبو صالح وعثمان بن صالح عنه عن مِشْرَح بن هاعان عن عقبة متصلًا، ورجَّح إرسالَه أبو زرعة وأبو حاتم، وأُعِلَّ المتصل بأمرين: عدم سماع الليث من مِشرح؛ جزم بذلك يحيى بن بكير، ومال إليه البخاري؛ إلا أنه ثبت تصريحه بالسماع منه عند ابن ماجه والحاكم! وقوى سماعَه الزيلعيُّ وابنُ الملقن. كما أُعلَّ بتفرد مِشْرح به، وقد اختلف في حديثه؛ فحسَّنه عبد الحق الإشبيلي وشيخُ الإسلام، قال ابن حبان:«يروي عن عقبة أحاديث مناكير لا يتابع عليها، والصواب في أمره ترك ما انفرد من الروايات» ، وقال الحافظ:«مقبول» أي: حيث يتابَع. وقد انفرد هنا بجملة التيس المستعار؛ فهي ضعيفة، أما اللعن فصحيح بشواهده. والحديث صحح إسناده الحاكم:(2/ 198)، وضعفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية»:(2/ 158)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (1897). ينظر «العلل» للترمذي:(1/ 438)، و «نصب الراية»:(3/ 239).
- صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخْبركم بالتَّيس
(1)
المستعار؟»، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال:«هو المُحَلِّل، لعنَ الله المُحَلِّل والمُحَلَّل له» .
فهؤلاء الأربعة مِن سادات الصَّحابة، وقد شهدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحابَ التَّحليل، وهم: المحلِّل والمحلَّل له، وهذا إمَّا خبرٌ عن الله فهو خبر صدقٍ، وإمَّا دعاءٌ فهو دعاءٌ مستجابٌ قطعًا، وهذا يفيد أنَّه من الكبائر الملعونُ فاعلُها، ولا فرقَ عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتَّواطؤ والقصد، فإنَّ القصود
(2)
في العقود عندهم معتبرةٌ، والأعمال بالنّيَّات، والشّرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها بل للدَّلالة على
(1)
وقع في س، ز، د، ي:«ما التيس» وكانت كذلك في ن ثم أصلحت، ولم أجده في شيء من ألفاظ الحديث.
(2)
تصحفت في ث، ب، ن، وط الهندية إلى «المقصود» .
المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرةَ بالألفاظ لأنَّها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها فترتَّبت عليها أحكامُها.
فصل
وأمَّا نكاح المُتْعة: فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه أحلَّها عام الفتح، وثبت عنه أنَّه نهى عنها عام الفتح
(1)
، واخْتُلِف هل نهى عنها يوم خيبر؟ على قولين، والصَّحيح: أنَّ النَّهي عنها إنَّما كان عام الفتح، وأنَّ النَّهي يوم خيبر إنَّما كان عن الحُمُر الأهليَّة، وإنَّما قال عليٌّ لابن عبَّاسٍ:«إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن مُتْعة النِّساء، ونهى عن الحُمُر الأهليَّة»
(2)
محتجًّا عليه في المسألتين، فظنَّ بعضُ الرُّواة أنَّ التَّقييد بيوم خيبر راجعٌ إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثمَّ أفرد بعضُهم أحدَ الفصلين وقيَّده بيوم خيبر، وقد تقدَّم بيان المسألة في غزاة الفتح
(3)
.
وظاهر كلام ابن مسعودٍ إباحتها، فإنَّ في «الصَّحيحين»
(4)
عنه: «كنَّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساءٌ، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمَّ رخَّص لنا بعدُ أن ننكح المرأةَ بالثَّوب إلى أجلٍ، ثمَّ قرأ عبد الله: {(86) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
(1)
أخرج ذلك مسلم (1406) من حديث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح، حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها» .
(2)
أخرجه البخاري (4216)، ومسلم (1407).
(3)
(3/ 567 - 570).
(4)
أخرجه البخاري (5071، 5075)، ومسلم (1404).
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ} [المائدة: 87]، ولكن في «الصَّحيحين»
(1)
عن علي: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّم مُتعةَ النِّساء» .
وهذا التَّحريم إنَّما كان بعد الإباحة، وإلَّا لزم منه النَّسخ مرَّتين، ولم يحتجَّ به على
(2)
ابن عبَّاسٍ، ولكنَّ النَّظر: هل هو تحريمُ بتاتٍ أو تحريمٌ مثل تحريم الميتة
(3)
والدَّم، وتحريم نكاح الأمَة، فيباح عند الضَّرورة وخوف العَنَت؟ هذا هو الذي لحظه ابنُ عبَّاسٍ، وأفتى بحلِّها للضَّرورة، فلمَّا توسَّع النَّاس فيها، ولم يقتصروا على موضع الضَّرورة، أمسك عن فتياه ورجع عنها.
فصل
وأمَّا نكاح المُحْرم: فثبت عنه في «صحيح مسلم»
(4)
من رواية عثمان بن عفَّان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنْكِح المحرمُ ولا يُنْكَح» .
واخْتُلِف عنه صلى الله عليه وسلم، هل تزوَّج ميمونةَ حلالًا أو حرامًا؟ فقال ابن عبَّاسٍ: تزوَّجها محرمًا
(5)
، وقال أبو رافع: تزوَّجها حلالًا، وكنتُ الرَّسولَ بينهما
(6)
. وقول أبي رافع أرجح لعدَّة أوجهٍ:
(1)
سبق تخريجه قريبًا.
(2)
في المطبوع: «عليٌّ على
…
» خلاف النسخ.
(3)
بعده في ي وفي هامش س: «ضرورة» .
(4)
حديث (1409).
(5)
سبق تخريجه.
(6)
سبق تخريجه.
أحدها: أنَّه إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عبَّاسٍ لم يكن حينئذٍ ممَّن بلغ الحُلُم، بل كان له نحو العشر سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه.
الثَّاني: أنَّه كان الرَّسولَ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها، وعلى يديه دار الحديث، فهو أعلم
(1)
بلا شكٍّ، وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة محقِّقٍ له ومتيقِّنٍ، لم ينقله عن غيره، بل باشره بنفسه.
الثَّالث: أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يكن معه في تلك العمرة، فإنَّها كانت عمرة القضيَّة، وكان ابن عبَّاسٍ إذ ذاك من المستضعفين الذين عذَرَهم الله من الولدان، فإنما سمعَ القصَّةَ
(2)
مِن غير حضورٍ منه لها.
الرَّابع: أنَّه صلى الله عليه وسلم حين دخلَ مكَّة بدأ بالطَّواف بالبيت، ثمَّ سعى بين الصَّفا والمروة، وحلَقَ ثمَّ حلَّ.
ومن المعلوم أنَّه لم يتزوَّج بها في طريقه، ولا بدأ بالتَّزويج قبل الطَّواف بالبيت، ولا تزوَّج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنَّه لم يقع، فصحَّ قول أبي رافع يقينًا.
الخامس: أنَّ الصَّحابة غلَّطوا ابنَ عبَّاسٍ، ولم يغلِّطوا أبا رافع.
السَّادس: أنَّ قول أبي رافع موافقٌ لنهي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن نكاح المُحْرم، وقول ابن عبَّاسٍ مخالفه، وهو مستلزمٌ لأحد أمرين، إمَّا نسخه، وإمَّا تخصيص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بجواز النِّكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالفٌ للأصل ليس عليه دليلٌ فلا يقبل.
(1)
ن: «أعلم به» ، وط الهندية:«أعلم منه» .
(2)
س، ي:«القضية» . ومحتملة في د، ز.
السَّابع: أنَّ ابنَ أختها يزيد بن الأصمِّ شهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاسٍ. ذكره مسلم
(1)
.
فصل
وأمَّا نكاح الزَّانية: فقد صرَّح سبحانه بالحكم بتحريمه في سورة النُّور، وأخبر أنَّ من نكَحَها فهو إمَّا زانٍ أو مشركٌ، فإنَّه إمَّا أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشركٌ، وإن التزمه واعتقد وجوبَه وخالفه فهو زانٍ، ثمَّ صرَّح بتحريمه فقال:{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3].
ولا يخفى أنَّ دعوى نسخ الآية بقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] مِن أضْعَف ما يُقال، وأضعفُ منه حَمْل النِّكاح على الزِّنا، إذ يصير معنى الآية: الزَّاني لا يزني إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزَّانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشركٌ، وكلام الله ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
وكذلك حَمْل الآية على امرأةٍ بغيٍّ مشركةٍ في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو سبحانه إنَّما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفَّة، فقال:{فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]، فإنَّما أباح نكاحها في هذه
(2)
الحال دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإنَّ الأبضاع في الأصل على التَّحريم، فيقتصر في إباحتها على ما
(1)
حديث (1411).
(2)
ز، د، ن:«هذا» .
ورد به الشَّرع، وما عداه فعلى أصل التَّحريم.
وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26]. والخبيثات: الزَّواني. وهذا يقتضي أنَّ من تزوَّج بهنَّ فهو خبيثٌ مثلهنَّ.
وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرَّجلُ زوجَ بغيٍّ، وقُبْح هذا مستقرٌّ في فِطَر الخلق، وهو عندهم غاية المسبَّة.
وأيضًا: فإنَّ البغيَّ لا يؤمَن أن تُفسِدَ على الزوج
(1)
فراشَه، وتعلِّق عليه أولادًا من غيره، والتَّحريم يثبت بدون هذا.
وأيضًا: فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فرَّق بين الرَّجل وبين المرأة التي وجدها حُبْلى من الزِّنا
(2)
.
وأيضًا: فإنَّ مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي استأذن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّج عَناق وكانت بغيًّا، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم آية النُّور، وقال:«لا تنكحها»
(3)
(4)
.
(1)
ي، وط الرسالة:«الرجل» .
(2)
أخرجه أبو داود (2131)، والحاكم:(2/ 183) من حديث ابن المسيب، عن رجل يقال له: بصرة، قال: تزوجت امرأة بِكرًا في سِترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حُبلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا وَلدتْ فاجلدوها» ، وهو حديث ضعيف، وقد سبق تخريجه.
(3)
أخرجه أبو داود (2051)، والترمذي (3177)، والنسائي (3228) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن مرثد رضي الله عنه ، وله طرق أخرى، قال الترمذي:«حديث حسن غريب» ، وصححه الحاكم:(2/ 166)، والألباني في «صحيح أبي داود - الأم»:(6/ 292).
(4)
إلى هنا تنتهي نسختي تشستربتي (ي)، وأحمد الثالث (ث)، وتبدأ نسختا دار الكتب (م)، والحرم المكي (ح).