الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هـ-
بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في المجال الدراسي:
حين تمر الأمم بفترات تخلف وتترك مكانها الريادي، وتجد نفسها وقد تخلت عن مكانها في الصفوف الأمامية من مسيرة التقدم، فإن من عوامل هذه الأمة وحفز أجيالها للعمل على استعادة مكانها في الطليعة تبصير أبنائها بإنجازات أسلافهم في مختلف الميادين. من أجل هذا تحرص الأمم على أن يستوعب أبناؤها ما حققته من إنجازات عبر التاريخ.
والمسلمون -اليوم- ليسوا في مكان الريادة كما كانوا بالأمس. فقد تخلفوا عن ركب التقدم، وفاتهم تسارع التقدم العلمي والتقني. وأصبحوا يتلقون الجديد منهما ولا ينتجدونه، وفي كثير من الأحيان، يتلقون معونات وقروضًا من الغير يستعينون بها على سد حاجتهم من المأكل والمشرب وتسيير أمور الحياة. ومن بين دول المسلمين ما يلبس ما لا ينسج ويركب ما لا يصنع، ويعيش حياة تذكر بتلك التي كانت منذ قرون خلت.
ويبين تاريخ هذه الأمة أنها كانت تحمل لواء الحضارة الإنسانية يوم أن كانت أوربا وكثير غيرها من البلدان المتقدمة اليوم، في تخلف وانحدار. فكانت ديار المسلمين منارة للعلم والنور، يشد العلماء إليها الرحال للتزود بالعلم والمعرفة؛ لأن العلماء المسلمين أخذوا عن سابقيهم من الهنود والإغريق والفرس وغيرهم، وتمثلوا ما أخذوه، ثم انتقلوا إلى مرحلة الإبداع والابتكار. يؤكد هذا فؤاد سيزكين في قوله عن إنجازات المسلمين العلمية: لسنا نخالف الحقائق التاريخية إذا اعتبرنا أن مرحلة "الأخذ والتمثل" تنتهي في أواسط القرن الثالث الهجري إلى مرحلة "الإبداع" كما يمكننا أن نصور الطابع الأساسي لبداية هذه المرحلة -أي: مرحلة الإبداع- في إدراك العلماء المسلمين بأنفسهم أنهم قادرون على الإبداع، وهم قادرون بالتالي على أن يصلوا إلى ما لم يصل إليه الإغريق من قبلهم "2، 15".
ولكن القارئ لكتب الغرب عن تاريخ العلوم يجد تعتيمًا وتشويها لإنجازات المسلمين العلمية، فمعظم هذه الكتب تقفز من عصر الإغريق إلى ما يسمى "عصر النهضة" ويتجاهل عصر الحضارة الإسلامية الذي يتوسطهما، وإذا مر بإنجازات المسلمين ففي عجالة لا تعطيها حقها. مع أن المسلمين قد أسسوا علومًا
وبدءوها وما كانوا فيها بمسبوقين، كما طوروا علومًا أخرى. فمحمد بن موسى الخوارزمي هو مؤسس "علم الجبر". ونصير الدين الطوسي هو مؤسس "علم المثلثات"، هذا إضافة إلى جهود العلماء المسلمين التي أسهمت في تقدم العلوم الأخرى مثل: الكندي وابن الهيثم في الجغرافيا والشيرازي وثابت بن قرة والبناني وجابر بن أملح في الفلك وابن سينا في الطب وثابت بن قرة والبيروني والكاشي وأبو جعفر في الرياضيات وابن خلدون في الاجتماع، وابن حزم والغزالي وإخوان الصفا في التربية وابن الجوزية والزرنوجي في علم النفس. وهؤلاء مجرد أمثلة.
وقليل من أبناء المسلمين المعاصرين من يعرف أن الأولين من المسلمين لهم إسهامات علمية ساعدت على تقدم البشرية. فقليل من علمائنا من اهتم بالبحث في المصادر الأصلية عن إنجازات المسلمين في العلوم، والأقل من كتب عن هذه الإنجازات. لجأ الكثير من هؤلاء إلى المراجع الأجنبية مع ما فيها من تشويه لجهود المسلمين في تقدم حضارة الإنسان. وزاد الطين بلة أن المناهج الدراسية في معظم المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي لم تعن العناية الكافية بإسهامات العلماء المسلمين العلمية، إضافة إلى قلة ما كتب عنها للقارئ العادي.
ولقصور المناهج الدراسية في العناية بإسهامات العلماء المسلمين في حضارة الإنسان أسباب كثيرة، يذكر المؤلف منها سببين رئيسيين: أحدهما: قلة المراجع والدراسات الخاصة بهذ الإسهامات، كما سبق أن ذكرنا. والثاني، أن مخططي مناهجنا الدراسية لا يهتمون كثيرًا بهذه الإسهامات. لذلك فإن طلابنا يتعلمون في مؤسساتنا التربوية أن الرياضيات من ابتكار نيوتن وغيره من غير المسلمين، ولا يعرفون أن للخوارزمي وغيره من العلماء المسلمين إسهاما في مجالها، وأن الاجتماع من ابتكار دور كايم وغيره من العلماء غير المسلمين، ولا يعرفون أن لابن خلدون وغيره من العلماء المسلمين إسهاما في مجاله، وأن التربية من ابتكار جون ديوي وغيره من العلماء المسلمين، ولا يعرفون أن ابن الجوزية وغيره من العلماء المسلمين لهم إسهامًا فيها، وأن علم النفس من ابتكار فرويد وغيره من العماء غير المسلمين، ولا يعرفون أن الزرنوجي وغيره من العلماء المسلمين لهم إسهامًا فيها.
وبهذا يقر في عقولنا أبناء المسلمين أن العلماء غير المسلمين هم بناة حضارة الإنسان، وأن المسلمين ليس لهم إسهام يذكر فيها، وبخاصة أن حال المسلمين -اليوم- لا ينبئ عنهم في سالف زمانهم وعن كبير إنجازهم.
علاج هذا القصور في المناهج الدراسية ينبغي -من وجهة نظر المؤلف- أن يبدأ على أيدي مخططي هذه المناهج. وذلك بأن يقدم كل منهج دراسي خبرات عن إسهامات العلماء المسلمين كلما كان هذا ممكنًا. بمعنى أنه إذا كان المنهج الدراسي