المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: وظيفة المتعلم - الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

[محمود أحمد شوق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفهرس العام:

- ‌الباب الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية وأهم مجالاته المتعلقة بها

- ‌مقدمة الباب الأول:

- ‌الفصل الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الأول

- ‌أولًا: مفهوم التخطيط، على وجه العموم

- ‌ثانيًا: مفهوم التخطيط للتدريس وأهميته بالنسبة للمعلمين

- ‌ثالثًا: مفهوم تخطيط المنهج الدراسي

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌أهم مصادر الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني: أهم مجالات التخطيط المتعلقة بالمناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الثاني

- ‌أولًا: التخطيط للتربية الميدانية

- ‌ثانيًا: التخطيط لبداية ناجحة في التدريس

- ‌ثالثًا: التخطيط للتدريس فصلًا دراسيا أو عاما دراسيا

- ‌رابعًا: التخطيط لتدريس موضوع أو وحدة

- ‌خامسًا: التخطيط للعمل اليومي

- ‌سادسًا: التخطيط لتدريس الدرس

- ‌سابعًا: التخطيط لاستثمار الفروق الفردية بين المتعلمين

- ‌خاتمة الفصل الثاني:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني:

- ‌خاتمة الباب الأول:

- ‌الباب الثاني: الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثاني:

- ‌الفصل الثالث: أهم خصائص التربية الإسلامية

- ‌مقدمة الفصل الثالث

- ‌أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر

- ‌ثانيا: ثاتبة أصولها، مرنة تطبيقاتها

- ‌ثالثا: تعد التربية الإسلامية الإنسان للحياتين، الدنيا والآخرة في توازن واعتدال

- ‌رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته

- ‌خاتمة الفصل الثالث:

- ‌أهم مصادر الفصل الثالث:

- ‌الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي

- ‌مقدمة الفصل الرابع:

- ‌أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم

- ‌ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينفد

- ‌ثالثا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة

- ‌رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة وفق منهج الله

- ‌خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي

- ‌سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله

- ‌خاتمة الفصل الرابع:

- ‌أهم مصادر الفصل الرابع:

- ‌الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم

- ‌مقدمة الفصل الخامس

- ‌أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم

- ‌ثانيًا: المفهوم والمصطلح

- ‌ثالثًا: أسس التوجيه الإسلامي للعلوم ومنهجه

- ‌خاتمة الفصل الخامس:

- ‌أهم مصادر الفصل الخامس:

- ‌الفصل السادس: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مقدمة الفصل السادس:

- ‌أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة

- ‌ثانيا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مدخل

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في سياسة التعليم:

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم *:

- ‌أهم الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية

- ‌خاتمة الفصل السادس:

- ‌أهم مصادر الفصل السادس:

- ‌خاتمة الباب الثاني:

- ‌الباب الثالث: مصادر خبرات المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثالث:

- ‌الفصل السابع: أهم خصائص المتعلم

- ‌مقدمة الفصل السابع

- ‌أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم

- ‌ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم

- ‌ثالثًا: وظيفة المتعلم

- ‌رابعا: أهم خصائص نمو المتعلم

- ‌مدخل

- ‌ مرحلة التكوين:

- ‌ مرحلة الرضاعة

- ‌ مرحلة الطفولة:

- ‌ مرحلة التمييز:

- ‌ مرحلة البلوغ أو الرشد:

- ‌مرحلة الشباب:

- ‌خاتمة الفصل السابع:

- ‌أهم مصادر الفصل السابع:

- ‌الفصل الثامن: أهم خصائص المجتمع المسلم

- ‌مقدمة الفصل الثامن:

- ‌أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد

- ‌ثانيًا: الحكم بما أنزل الله والأخذ بالشورى والالتزام بالعدل

- ‌ثالثًا: الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌رابعا: تكوين الأسرة المسلمة

- ‌مدخل

- ‌ الترغيب في الزواج وبيان أسس اختيار كل من الزوجين:

- ‌ بيان حقوق كل من الزوجين ووقايتهما من الغواية:

- ‌ بيان حقوق الوالدين:

- ‌بيان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم

- ‌ وضع أسس لوقاية الأسرة من التفكك أو الانحراف:

- ‌خامسا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين

- ‌إرساء أسس المحبة وصولا إلى التضامن والتعاون

- ‌ التكافل الاجتماعي:

- ‌سادسًا: متابعة الاجتهاد

- ‌سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله

- ‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

- ‌خاتمة الفصل الثامن:

- ‌أهم مصادر الفصل الثامن:

- ‌الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة والعلمية والتقنية

- ‌مقدمة الفصل التاسع

- ‌أولا: المجال الدراسي

- ‌مدخل

- ‌ بالنسبة للأساسيات والتسلسل:

- ‌ بالنسبة للتطورات المعاصرة في المجال

- ‌ بالنسبة للتطبيقات:

- ‌ بالنسبة للتوجيه الإسلامي للمجال الدراسي

- ‌ بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في المجال الدراسي:

- ‌ثانيًا: الثقافة العلمية والتقنية

- ‌خاتمة الفصل التاسع:

- ‌أهم مصادر الفصل التاسع:

- ‌خاتمة الباب الثالث:

- ‌الباب الرابع: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسى ومعوقاته

- ‌مقدمة الباب الرابع

- ‌الفصل العاشر: أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل العاشر

- ‌أولا: الإعداد للمهمة

- ‌ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي

- ‌ثالثا: أهم أسس إعداد محتوى المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس اختيار خبرات المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس تنظيم خبرات المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: أهم أسس إعداد طرائق التدريس *

- ‌خامسًا: أهم أسس الإعداد لاستخدام وسائل تقانة التعليم *

- ‌سادسًا: أهم أسس إعداد المناشط المدرسية *

- ‌سابعًا: أهم أسس الإعداد لتقويم مخرجات المنهج الدراسي

- ‌ثامنًا: تقويم المنهج الدراسي الذي تم إعداده

- ‌خاتمة الفصل العاشر:

- ‌أهم مصادر الفصل العاشر:

- ‌الفصل الحادي عشر: أهم خطوات تطبيق المنهج الدراسي الجديد

- ‌مقدمة الفصل الخادي عشر

- ‌أولًا: التخطيط للتطبيق الميداني

- ‌ثانيًا: إعداد متطلبات التطبيق

- ‌ثالثًا: تدريب المشاركين في تطبيق المنهج الجديد

- ‌رابعًا: بث الشعور بالحاجة إلى منهج جديد، والتوعية بمتطلباته ومشكلاته

- ‌خامسا: تجريب المنهج الجديد

- ‌سادسًا: تعميم المنهج الجديد ومتابعته بالتقويم والتطوير

- ‌خاتمة الفصل الحادي عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الحادي عشر:

- ‌الفصل الثاني عشر: أهم معوقات تخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل الثاني عشر

- ‌أولًا: معوقات خاصة بطبيعة التخطيط التربوي

- ‌ثانيًا: معوقات خاصة بالجوانب الفنية لعملية تخطيط المناهج

- ‌ثالثًا: معوقات خاصة بالقائمين بعملية تخطيط المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: معوقات إدارية

- ‌خامسًا: معوقات اجتماعية

- ‌سادسًا: معوقات سياسية

- ‌سابعًا: معوقات خاصة بالظروف الطارئة، وعدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب

- ‌ثامنًا: القصور في الاعتمادات المالية

- ‌خاتمة الفصل الثاني عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني عشر:

- ‌خاتمة الباب الرابع:

الفصل: ‌ثالثا: وظيفة المتعلم

‌ثالثًا: وظيفة المتعلم

وظائف المتعلم الأساسية في الحياة، كما بينها الحق تبارك وتعالى، اثنتان: تشمل الأولى منهما الثانية إلا أننا نعطي الثانية هذه الأهمية لإبرازها فقط. كما يتضح من شكل "4".

شكل "4" وظيفة المتعلم.

ص: 249

أ- عبادة الله: الوظيفة الأساسية بل الوظيفة الأم للإنسان في الحياة الدنيا هي عبادة الله.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56، 57] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] .

وأهم أسس هذه العبادة ما يلي:

1-

الانقياد المطلق لله:

فهذا الانقياد هو أساس حياة المسلم، فهو يؤدي الفرائض لله سبحانه وتعالى، ويعمل -أينما يكون، وفي كل حين ومهما كانت طبيعة العمل الذي يعمله- فيكون علمه كله لله سبحانه وتعالى ما دام مراعيًا حدود الله فيه ومخلصًا النية لله. ويتسع نطاق العبودية ليشمل جميع ما يفعل الإنسان في سره وعلنه، وما يتلعق منه بذاته وما يتعلق منه بغيره من بني الإنس أو من غير بني الإنس، وما يدخل منه في نطاق الأحياء، وما يدخل منه في نطاق الجوامد والمواد. فهو في كل هذا يؤدي وظيفته الأساسية في الكون. وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وهي عبادة مختارة، ويختارها الإنسان ويعتز بها ويبذل في سبيلها من نفسه وماله وبنيه وذويه كل رخيص وغال طوعًا، بل يستبق إلى ذلك ما استطاع إليه سبيلًا. ومن ثم فإن حقوق الإنسان وحرياته في تعامله مع الإنسان الآخر والمجتمع والدولة تصبح مرتبطة بعقيدة التوحيد وتربيته عليها.

وهذا الانقياد هو القاعدة الكبرى التي يستمد منها المسلم نظام الحياة كله".

الفرد في خلوته والناس في جمعهم، في وقت التعبد وفي وقت العمل، في وقت التعامل في تجارة أو صناعة أو سياسة أو حرب أو سلم، في وقت المودة، وفي وقت الخصومة، في كل لحظة من اللحظات يربي الإسلام الفرد على أن تكون صلته بالله، وتعامله مع الله، وخشيته من الله وحبه لله، ورجوعه إلى منهج الله". "11، 41".

ص: 250

قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 26، 27] .

2-

علاقة المسلم بالله في عبادته له مباشرة، لا وساطة فيها:

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] .

وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] .

وقال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] .

3-

الإله المعبود في الإسلام هو عالم الغيب المحيط بكل شيء علمًا:

قال تعالى: {مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61] .

وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .

ص: 251

وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] .

4-

لقد ترك الله للإنسان حرية الاختيار لكن هذه الحرية مقيدة بجدود الله، وكل إنسان سوف يحاسب على اختياره في الآخرة: قال تعالى:

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39-41] .

وقال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13، 14] .

وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] .

وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 7-12] .

وقال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .

وقال تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 38-41] .

مما سبق يتبين أن مدلول العبادة في الإسلام شامل لا يقتصر على أداء العبادات فقط. فالحياة وحدة لا تنفصل فيها العبادات عن السلوك. ومن أهم

ص: 252

مقوماتها عقيدة التوحيد والإيمان بالله الواحد الأحد وبملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وعبادة هذه مقوماتها لا بد من أن تقود إلى تحكيم شريعة الله والسير على منهجه في القول والعمل. وفي المعاملات والأخلاق.

ب- عمارة الأرض:

الشق الجزئي من وظيفة الإنسان في الحياة الدنيا -لأنه جزء من عبادة الله- هو عمارة الأرض. فقد استخلف الله تبارك وتعالى الإنسان في الأرض واستعمره فيها.

قال تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] .

وقال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .

وقال تعالى: {لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10] .

وقال تعالى: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ} [الأعراف: 74] .

وأهم أسس هذه العمارة، ما يلي:

1-

إعانة الله تبارك وتعالى للإنسان على هذه العمارة بسبل شتى، أهما: عقيدة التوحيد التي توحد طاقة الإنسان في عبوديته لله وحده، وتحرر إرادته من أية رقابة سوى رقابته لله سبحانه وتعالى ثم رقابته لنفسه للالتزام بما أحل الله وتجنب ما حرم الله، وتحرر طاقته لاستثمار ما أودع الله في الأرض من خيرات.

2-

وأعان الله تبارك وتعالى الإنسان على عمارة الأرض بأن أنزل له الشريعة التي تحدد له علاقته مع ربه وعلاقته مع نفسه وعلاقته مع غيره من البشر ومع المجتمع بعامة، وغير ذلك من العلاقات التي بينها الله تبارك وتعالى في كتابه الحكيم، وجاءت السنة المطهرة فوضحت

ص: 253

وشرحت وأضافت ما زاد الشرع وضوحًا وانسجامًا مع مقتضايات الحياة في كل عصر ومصر.

3-

وأعان الله تبارك وتعالى الإنسان على عمارة الأرض بأن سخر له ما في الكون من سموات وأرض وحيوان ونبات وهواء وماء والشمس والقمر والنجوم وأنساق الكواكب وتراكيب الفضاء، وغيرها مما أودع الله في الكون من عناصر ونظم.

4-

وأعان الله تبارك وتعالى الإنسان على عمارة الأرض بأن جعله قادرًا على تحصيل العلم. فأودع فيه السمع والبصر والفؤاد، ووهب العقل الذي به يفكر، واللسان الذي به يعبر، واليد التي بها يتناول، والرجل التي بها يسعى.

5-

وأعان الله، تبارك وتعالى، الإنسان على عمارة الأرض بأن أودع فيه من الأجهزة ما يعوضه عما يفقده من طاقة، والأعضاء التي يمكن تعويضها من إنسان لإنسان. فنحن نسمع كل من يوم عن قلب أو كلية أو قرنية أو دم ينقل من إنسان لآخر. أما ترقيع جلد الإنسان من موضع من جسمه لموضع آخر فهذه خاصة أخرى أودعها الله في الإنسان لتساعده على التمتع بالصحة التي تعينه على عمارة الأرض.

6-

واستخلاف الله الإنسان في الأرض وتسخير الكون له وإعانته على عمارة الأرض في حياته الدنيا يحاسبه الله عليه في الحياة الآخرة. فكما سبق أن بينا فإن هذه النعمة مثل غيرها -امتحان للإنسان من ربه ليرى ماذا هو صانع بها. فهل يستخدمها في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض؟ أم يستخدمها ليهلك الحرث والنسل والزرع والضرع؟ فإذا عمر الأرض لصالح البشرية كلها تكون خطاه على منهج الله، وإلا فقد حاد عن هذا المنهج. فهذه النعم لا يوفي الإنسان واجب شكر الله عليها إلا باتباع صراطه الحميد.

7-

وعمارة الأرض وإن كانت تكليفًا من الحق تبارك وتعالى للإنسان ما دامت الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة، إلا أنها بالنسبة للإنسان الفرد موقوتة بأجله في الحياة. وهذا يعني أن على الإنسان أن يستفرغ طاقته وعلمه في العمل على عمارة الأرض دون تأجيل أو تسويف؛ خشية أن يوافيه الموت الذي لا يعلم ميقاته إلا الله سبحانه وتعالى وهو لم يؤد الواجب الذي أناطه الله به، وهذه العمارة تعتمد على العلم الذي حض الله على اكتسابه والعمل الذي حض الله الإنسان على الدأب فيه وعلى إحسانه.

ص: 254

8-

وللعمل -وفق منهج الله- أسس سوف نحاول فيما يلي أن نوضح أهمها، أما العلم فقد عالجناه في الفصل الرابع من هذا الكتاب بشيء من التفصيل.

8-

1 لقد بين الإسلام القدرة في العمل من الأنبياء. فعمل محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة ورعي الغنم. وعمل نوح عليه السلام نجارًا ليبني سفينته التي أنقذته ومن اتبعه من الغرق، وعمل موسى عليه السلام أجيرًا لدى شعيب عليهما السلام، وعمل داود عليه السلام بصناعة الحديد، وعمل يوسف عليه السلام خازنًا ومتصرفا في أموال عزيز مصر، وعمل زكريا عليه السلام بالنجارة.

8-

2 تتطلب عمارة الأرض -وفق منهج الله- العمل الدءوب للارتقاء بحياة البشر، والوفاء بحق نعمة تسخير ما في الكون للإنسان ويعمل المسلم مرضاة لله وحبا له ورغبة في ثوابه وخشية من الحساب في الآخرة، وهو يشعر برقابة الله له، في عمله، سواء في السر أو العلن. ويعلم أن العمل في الدنيا زاده ليوم الميعاد الذي لا يعلمه إلا الله.

8-

3 يهدف الإسلام إلى عمارة الأرض في أقصى مداها وأفضل أساليبها وأكثر عطائها. لذلك، حث المسلم على العمل الجاد المثمر المتواصل. فالإنسان مكلف بالعمل الكادح ليعمر الأرض، التي جعله الله فيها خليفة.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: 6] .

وقال تعالى: {قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] .

8-

4 لم يرض الله للمسلمين، أن يعتكفوا في المساجد دون الضرب في مناكب الأرض، واستغلال ثرواتها لصالح البشرية، بل أمرهم بالجمع بين أداء واجبات العبادة، والعمل. فقال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] .

ص: 255

ووصل اهتمام الدين الحنيف بالعمل إلى درجة حث المسلمين عليه حتى لو أحسوا بقيام الساعة.

قال صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر". "رواه أحمد بن حنبل".

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها". "متفق عليه".

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة". "متفق عليه".

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده". "أخرجه البخاري".

8-

5 الإسلام يرغب المسلمين في إتقان عملهم فيجعل لإحسان العمل أجرًا مقررًا من الله تبارك وتعالى، ويحذر من الغش أو الخداع فيه.

قال تعالى: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] .

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". "رواه البيهقي".

وقال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا". "رواه مسلم بن الحجاج وأحمد بن حنبل".

8-

6 لا بد من أن يؤسس العمل على النية، فأعمال المسلم لا بد من أن تكون مقصودة، يعملها المسلم وقد عقد العزم عليها، وابتغى بها وجه الله عن إرادة وتصميم وتهيؤ.

عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا

ص: 256

يصيبها أو امرأة ينكها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "وراه البخاري ومسلم".

8-

7 الله يتابع عمل الإنسان ويحاسبه عليه، وأن التغير في حياة البشر ينبغي أن يؤسس على سعيهم لإحداثه، لذلك، فإن تقدم الأمة لا يكون بنقل الخبرة من الغير ولكن باكتسابها، ولا يكون باستيراد أدوات الإنتاج ولكن بصنعها ولا يكون بأخذ التقنية عن الغير ولكن بحيازتها وامتلاكها، ولا يكون بأخذ العلم من الآخرين ولكن بإنتاجه في مراكز البحوث ومعامل الجامعات اختصارًا. باستنفار طاقات الأمة كلها.

قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ و

} [الرعد: 11] .

وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39-41] .

8-

8 رغم تكليف الإنسان بالكدح في الحياة الدنيا للوفاء بأمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها، إلا أن الخالق هو الأعلم بقدرات خلقه. لذلك فإن منهج الله قد التزم بالواقعية في هذا التكليف فلم يطلب من الإنسان فوق طاقته أو قدرته.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأعراف: 42] .

وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .

ص: 257