المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: أهم جوانب شخصية المتعلم - الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

[محمود أحمد شوق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفهرس العام:

- ‌الباب الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية وأهم مجالاته المتعلقة بها

- ‌مقدمة الباب الأول:

- ‌الفصل الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الأول

- ‌أولًا: مفهوم التخطيط، على وجه العموم

- ‌ثانيًا: مفهوم التخطيط للتدريس وأهميته بالنسبة للمعلمين

- ‌ثالثًا: مفهوم تخطيط المنهج الدراسي

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌أهم مصادر الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني: أهم مجالات التخطيط المتعلقة بالمناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الثاني

- ‌أولًا: التخطيط للتربية الميدانية

- ‌ثانيًا: التخطيط لبداية ناجحة في التدريس

- ‌ثالثًا: التخطيط للتدريس فصلًا دراسيا أو عاما دراسيا

- ‌رابعًا: التخطيط لتدريس موضوع أو وحدة

- ‌خامسًا: التخطيط للعمل اليومي

- ‌سادسًا: التخطيط لتدريس الدرس

- ‌سابعًا: التخطيط لاستثمار الفروق الفردية بين المتعلمين

- ‌خاتمة الفصل الثاني:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني:

- ‌خاتمة الباب الأول:

- ‌الباب الثاني: الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثاني:

- ‌الفصل الثالث: أهم خصائص التربية الإسلامية

- ‌مقدمة الفصل الثالث

- ‌أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر

- ‌ثانيا: ثاتبة أصولها، مرنة تطبيقاتها

- ‌ثالثا: تعد التربية الإسلامية الإنسان للحياتين، الدنيا والآخرة في توازن واعتدال

- ‌رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته

- ‌خاتمة الفصل الثالث:

- ‌أهم مصادر الفصل الثالث:

- ‌الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي

- ‌مقدمة الفصل الرابع:

- ‌أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم

- ‌ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينفد

- ‌ثالثا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة

- ‌رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة وفق منهج الله

- ‌خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي

- ‌سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله

- ‌خاتمة الفصل الرابع:

- ‌أهم مصادر الفصل الرابع:

- ‌الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم

- ‌مقدمة الفصل الخامس

- ‌أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم

- ‌ثانيًا: المفهوم والمصطلح

- ‌ثالثًا: أسس التوجيه الإسلامي للعلوم ومنهجه

- ‌خاتمة الفصل الخامس:

- ‌أهم مصادر الفصل الخامس:

- ‌الفصل السادس: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مقدمة الفصل السادس:

- ‌أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة

- ‌ثانيا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مدخل

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في سياسة التعليم:

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم *:

- ‌أهم الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية

- ‌خاتمة الفصل السادس:

- ‌أهم مصادر الفصل السادس:

- ‌خاتمة الباب الثاني:

- ‌الباب الثالث: مصادر خبرات المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثالث:

- ‌الفصل السابع: أهم خصائص المتعلم

- ‌مقدمة الفصل السابع

- ‌أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم

- ‌ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم

- ‌ثالثًا: وظيفة المتعلم

- ‌رابعا: أهم خصائص نمو المتعلم

- ‌مدخل

- ‌ مرحلة التكوين:

- ‌ مرحلة الرضاعة

- ‌ مرحلة الطفولة:

- ‌ مرحلة التمييز:

- ‌ مرحلة البلوغ أو الرشد:

- ‌مرحلة الشباب:

- ‌خاتمة الفصل السابع:

- ‌أهم مصادر الفصل السابع:

- ‌الفصل الثامن: أهم خصائص المجتمع المسلم

- ‌مقدمة الفصل الثامن:

- ‌أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد

- ‌ثانيًا: الحكم بما أنزل الله والأخذ بالشورى والالتزام بالعدل

- ‌ثالثًا: الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌رابعا: تكوين الأسرة المسلمة

- ‌مدخل

- ‌ الترغيب في الزواج وبيان أسس اختيار كل من الزوجين:

- ‌ بيان حقوق كل من الزوجين ووقايتهما من الغواية:

- ‌ بيان حقوق الوالدين:

- ‌بيان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم

- ‌ وضع أسس لوقاية الأسرة من التفكك أو الانحراف:

- ‌خامسا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين

- ‌إرساء أسس المحبة وصولا إلى التضامن والتعاون

- ‌ التكافل الاجتماعي:

- ‌سادسًا: متابعة الاجتهاد

- ‌سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله

- ‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

- ‌خاتمة الفصل الثامن:

- ‌أهم مصادر الفصل الثامن:

- ‌الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة والعلمية والتقنية

- ‌مقدمة الفصل التاسع

- ‌أولا: المجال الدراسي

- ‌مدخل

- ‌ بالنسبة للأساسيات والتسلسل:

- ‌ بالنسبة للتطورات المعاصرة في المجال

- ‌ بالنسبة للتطبيقات:

- ‌ بالنسبة للتوجيه الإسلامي للمجال الدراسي

- ‌ بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في المجال الدراسي:

- ‌ثانيًا: الثقافة العلمية والتقنية

- ‌خاتمة الفصل التاسع:

- ‌أهم مصادر الفصل التاسع:

- ‌خاتمة الباب الثالث:

- ‌الباب الرابع: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسى ومعوقاته

- ‌مقدمة الباب الرابع

- ‌الفصل العاشر: أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل العاشر

- ‌أولا: الإعداد للمهمة

- ‌ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي

- ‌ثالثا: أهم أسس إعداد محتوى المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس اختيار خبرات المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس تنظيم خبرات المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: أهم أسس إعداد طرائق التدريس *

- ‌خامسًا: أهم أسس الإعداد لاستخدام وسائل تقانة التعليم *

- ‌سادسًا: أهم أسس إعداد المناشط المدرسية *

- ‌سابعًا: أهم أسس الإعداد لتقويم مخرجات المنهج الدراسي

- ‌ثامنًا: تقويم المنهج الدراسي الذي تم إعداده

- ‌خاتمة الفصل العاشر:

- ‌أهم مصادر الفصل العاشر:

- ‌الفصل الحادي عشر: أهم خطوات تطبيق المنهج الدراسي الجديد

- ‌مقدمة الفصل الخادي عشر

- ‌أولًا: التخطيط للتطبيق الميداني

- ‌ثانيًا: إعداد متطلبات التطبيق

- ‌ثالثًا: تدريب المشاركين في تطبيق المنهج الجديد

- ‌رابعًا: بث الشعور بالحاجة إلى منهج جديد، والتوعية بمتطلباته ومشكلاته

- ‌خامسا: تجريب المنهج الجديد

- ‌سادسًا: تعميم المنهج الجديد ومتابعته بالتقويم والتطوير

- ‌خاتمة الفصل الحادي عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الحادي عشر:

- ‌الفصل الثاني عشر: أهم معوقات تخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل الثاني عشر

- ‌أولًا: معوقات خاصة بطبيعة التخطيط التربوي

- ‌ثانيًا: معوقات خاصة بالجوانب الفنية لعملية تخطيط المناهج

- ‌ثالثًا: معوقات خاصة بالقائمين بعملية تخطيط المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: معوقات إدارية

- ‌خامسًا: معوقات اجتماعية

- ‌سادسًا: معوقات سياسية

- ‌سابعًا: معوقات خاصة بالظروف الطارئة، وعدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب

- ‌ثامنًا: القصور في الاعتمادات المالية

- ‌خاتمة الفصل الثاني عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني عشر:

- ‌خاتمة الباب الرابع:

الفصل: ‌ثانيا: أهم جوانب شخصية المتعلم

ومسئول عن عمره فيما أفناه، وإن كان الإنسان لا خيار له بالنسبة لعدد عينيه أو أذنيه وأنفه ولسانه، فإن له خيارًا في استخدامها في الخير أو الشر، وإن لم يكن له خيار في لون جسمه أو حجمه فإنه مخير في أن يرضى بما هو عليه أو يقنط. وإن لم يكن له خيار في أصلابه وأرحامه فإنه مخير في أن يصلهم أو يقطعهم. وهذه مجرد أمثلة توضح أنه فيما يتعلق بالأمور التي يسير فيها الإنسان توجد مواقف له فيها الخيرة؛ لأنه يستطيع أن يقرر في حدود قدرته العقلية أن يختار بشأنها بين فعل أو آخر.

نستطيع -إذن- أن نستنتج أن الإنسان مخير فيما هو مؤهل لاتخاذ قرار راشد بشأنه، ومسير فيما لا علم له به ولا قدرة له عليه، وليس في صالحه ولا صلاح الأمة أن يقدر عليه. بل إن ترك تسييره لمبدع الكون وخالقه هو الأصلح للفرد وللأمة وللناس أجمعين.

ولقد حاولنا أن نبين -فيما سبق- أهم جوانب طبيعة المتعلم التي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها. ويعرف المتخصصون في التربية أن طبيعة المتعلم هي الأساس الأول في الانطلاق به نحو عملية التعليم والتعلم. ومن ثم فإن العلم بهذه الجوانب -وفق التوجيه الإسلامي- هو حجر الزاوية في تربية المتعلم تربية إسلامية.

ولذلك، فإن الكاتب جعلها من المصادر المهمة لخبرات المنهج الدراسي. بمعنى أن مخططي المناهج ينبغي أن يختاروا خبرات المناهج الدراسية بحيث تتوافق مع هذه الطبيعة وتتخذ منها منطلقًا لتنمية شخصية المتعلم، وبحيث يجعلونها أساسا لتنظيم هذه الخبرات.

ص: 234

‌ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم

من أهم مكونات شخصية الإنسان الروح والجسم والعقل والنفس.

وتمثل الروح جوهر صلة الإنسان السوية بخالقه. ولا يعلم كنهها إلا خالقها سبحانه وتعالى، ويمثل العقل مركز التغذيؤ الفكرية والمعرفية ومنطلق الإنسان للكشف عن كوامن الكون. وتمثل النفس المجال الوجداني في الإنسان، ويمثل الجسم مركز الحركة والطاقة، ويحوي قنوات الاتصال بالعالم الخارجي.

ولا يمكن النظر إلى هذه المكونات كل في معزل عن الآخر فهي منظومة متفاعلة عناصرها مع بعضها البعض ويؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به، كما يتضح من شكل "3".

ص: 234

شكل "3" أهم مكونات الإنسان.

وإذا استعرضنا آراء بعض الكاتبين المسلمين في تكوين الإنسان، نجد الأستاذ المبارك يرى أن الإنسان يتكون من ثلاثة عناصر هي: الجسم والعقل والروح. فيقول: الإنسان الكامل هو من نمت فيه العناصر الثلاثة مع ترتيبها في الأهمية، فالروح أعلى من العقل، والعقل أعلى من الجسم. لذلك فالجسم خادم للعقل، والعقل خادم للروح، فالروح هي التي تؤمن الأخلاق والصلة بالله، والعقل هو الذي يؤمن صلتنا بالأشياء، فهذا ضار وهذا سام،

وهذا لا يكفي؛ لأنك قد تستعمل السام لنفسك ولغيرك، أما الروح -وهي الصلة الربانية- فهي التي تمنعك "14، 262".

ومن دراستنا لوظائف الأعضاء نجد أن العقل هو الذي يترجم الإشارات من الحواس -وهي من المكونات الجسمية- إلى أفعال. وقد يكون نزوع الأفعال إلى الخير أو النشر، طبقًا لتوجيه النفس التي ألهمها الله سبحانه وتعالى فجورها وتقواها، كما جاء في قوله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8] .

ويوضح لنا القرآن الكريم أن النفس المطمئنة هي التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، قال تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30] .

ص: 235

كما يبين لنا أن النفس قد تنزع إلى الشر، وذلك في قوله تعالى:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53] .

وفينا يلي نوضح وجهة نظرنا بالنسبة لمكونات شخصية الإنسان:

أ- الجسم: لا ينظر الإسلام إلى جسم الإنسان على أنه -فقط- مجموعة نامية من الخلايا، وأنها تحتاج إلى غذاء لتنمو وتصح، ومن ثم فإن الواجبات التربوية تجاه التربية الجسمية تنحصر في العمل على اكتساب السلوك الصحيح في المأكل والمشرب والملبس، واكتساب الوعي الصحي والاهتمام بالحواس وبممارسة الرياضة البدنية، والعناية بالأعضاء والاهتمام بوظائفها. ولكن -بالإضافة إلى كل ما سبق- فإن الجسم من وجهة نظر الإسلام يحوي أشياء، أخرى مثل الطاقات التي يوظفها الإنسان في حركته، وفي التعبير عن انفعالاته وعن مختلف مشاعره وأحاسيسه.

يقول محمد قطب في هذا:

ليس المقصود بالجسم في مجال التربية هنا هو عضلاته وحواسه ووشائجه فحسب، وإنما نقصد -كذلك- الطاقة الحيوية المنبثقة من الجسم والمتمثلة في مشاعر النفس. طاقة الدوافع الفطرية والنزوعات والانفعالات.. طاقة الحياة الحسية على أوسع نطاق. "11، 126".

ولم يخلق الله الجسم ليكون مجرد وعاء تجمع فيه المكونات الحيوية للإنسان أو مخزنًا للطاقة. ولكن الله سبحانه وتعالى حين خلق الجسم بهذه الصورة إنما جعله في أحسن تقويم تكريمًا للإنسان. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .

وقال تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] .

فأقام الإنسان على قدمين، وميز كل إنسان ببنانه، ووهبه بيانا بلسانه فاستطاع به أن يفتح آفاقًا رحيبة للاتصال مع غيره من البشر، وهنا تميز الإنسان عن سائر المخلوقات. وفي هذا يقول المبارك:"إذ يميز الله بهاتين الخاصيتين: الأولى، انتصاب القامة وانطلاق اليدين، والثانية اللسان والبيان وتتبعه الكتابة""14، 261".

ويوجه الإسلام إلى العناية بالبدن، واتخاذ الأسباب التي تحافظ عليه قويا قادرًا على أداء مهامه في السعي في مناكب الأرض ليعمرها، والسعي بين الناس بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي لتوفير أسباب الحياة له

ص: 236

ولمجتمعه. ويؤكد الإسلام هذا إلى درجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير". "صحيح مسلم".

ويوجه الإسلام إلى النظافة، فوجه كتاب الله المسلمين إلى أن يأخذوا زينتهم عند الذهاب إلى المساجد، وهم يذهبون إليها خمس مرات، على الأقل، قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 21] .

وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". "متفق عليه".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وقص الشارب". "متفق عليه".

كما وجه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينظفوا أسنانهم قبل كل صلاة مفروضة أو نافلة، قال:"لولا أن أشق على أمتي -أو علي الناس- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". "متفق عليه".

وهذا أمر صريح بالمحافظة على النظافة، فلكي يصلي المسلم لا بد أن يكون متطهرًا، والتطهر يتم بغسل الجسم كله. كما ينبغي أن تكون الثياب - أيضًا- طاهرة، وأن يتوضأ بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح على رأسه وقدميه وينظف أسنانه بالسواك، وهذا يتم خمس مرات -على الأقل- في اليوم، إذا توضأ المسلم لكل صلاة.

ويوجه الإسلام إلى التغذية الصحيحة والاعتدال فيها، قال الله تبارك وتعالى:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .

وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". "رواه أحمد والترمذي".

ص: 237

ويوجه الإسلام إلى الوقاية من الأمراض، لذلك حرم الإسلام المأكولات الضارة تحريمًا صريحًا. فقد جاء في محكم التنزيل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة:] .

كما قال عليه السلام: "إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها". "متفق عليه".

ومما هو سبق للإسلام في وقاية الإنسان من الأمراض، تحريمه للزنا وللشذوذ الجنسي، وذلك في قوله تعالى عن قوم لوط:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف: 80، 81] .

وقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .

وفي القرن الخامس عشر من نزول القرآن، يوفق الله سبحانه وتعالى الإنسان للكشف عن بعض حكمة هذا التحريم فيكتشف الإنسان أن الشذوذ الجنسي والزنا من أسباب مرض فقدان المناعة "الإيدز".

ووقاية للمرأة والرجل من الأذى، وجه الإسلام المسلمين إلى اجتناب النساء أثناء المحيض؛ لأن المرأة تكون منكهة خائرة القوى مفتحة الأعضاء، كما يجعل دم الحيض عملية الاقتراب ذات أثر نفسي سيئ على كلا الطرفين. إضافة إلى هذا، ما قد يسببه دم الحيض للرجل من ضرر. قال تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] .

ويوجه الإسلام الإنسان إلى المحافظة على صحة البيئة. فيأمره بقتل الهوام فيما روت عائشة رضي الله عنها في قولها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". "رواه مسلم والبخاري، وزاد "الحية"". وقال أيضًا:

ص: 238

"الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ". "متفق عليه". وجاء في الحديث القدسي: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". "رواه مسلم".

ويوجه الإسلام إلى ضرورة الأخذ بأسباب العلاج في حال المرض. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء". "متفق عليه"

مما سبق يتبين أن الإسلام قد عنى عناية فائقة بالنمو الجسمي للإنسان عن طريق التغذية السلمية، والعناية بنظافته ووقايته من الأضرار وطلب العلاج مما يصيبه من أمراض، والمحافظة على نظافة البيئة ووقايتها من مسببات الأمراض والأوبئة.

ب- العقل: أما العقل في التربية لإسلامية، فإنه ركيزة الاستخلاف. فما كان الله ليستخلف الإنسان في الكون إلا بعد أن كرمه على سائر المخلوقات بنعمة العقل، وما كان ليسخر له كافة المخلوقات الأخرى ما لم يزوده بقوة التفكير والتدبر التي بها يسوس هذه المخلوقات، وما كان الله ليرسل الرسل إلى الناس ما لم يزود عباده بما يميزون به بين الحق والباطل، وما كان الله ليكلف الإنسان بعمارة الأرض ما لم يودع فيه طاقات فكرية تستثمر في عمارتها، وفي عبادته.

وقد قال محمد قطب عن العقل في حديثه عن الإنسان: "العقل وسيلته إلى الله وإلى معرفة الحق،

فيتخذ لذلك وسيلتين: الأولى هي وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي، والثانية هي تدبر نواميس الكون وتأمل ما فيها من دقة وارتباط" "11، 92".

وتفكير الإنسان في خلق الله يقود بالضرورة إلى الاعتقاد في خالقه، وبقدر ما يستطيع الإنسان أن يكشف من أسرار نواميس الكون وما أودع الخالق فيه من سنن، يتضح له عظمة الخالق وإبداع المبدع. فمجموعات الكواكب التي تسير في نسق بديع، كل في فلكه لا تحيد عنه ولا يتقدم ولا يتأخر. وهذه الأجهزة المتعددة الوظائف المتناغمة الأداء في جسم الإنسان، وهذه المكونات الدقيقة للمركبات المادية من جزيء إلى ذرة إلى نواة إلى

لا بد لها من نسق لم يستطع العقل البشري الكشف عنه بعد. هذه الأنساق تدل على أن لهذا الكون خالقًا بادئًا له، ومنسقًا لحركته، خالق

ص: 239

عظيم واحد أحد، وهذا هو جوهر التوجيه القرآني للإنسان نحو التفكير في الكون.

ولذلك لم يكن هناك أي تعارض بين العلم والإيمان في الإسلام، يقول محمد شديد في هذا:

وحين يتفتح القلب على بعض حقائق الوجود يحس أنه أمام تناسق مطلق وجمال معجز وتدبير محير. وقد وصل العلم الحديث إلى معرفة قليل مما في السماء والأرض، فوجد أن هذا القليل محير للعقل البشري لا يملك معه إلا التسليم بوحدة المدبر ووحدة الناموس "5، 77".

قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] .

وقال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20، 21] .

فمن الركائز الأساسية في التربية الإسلامية -إذن- أن حياة الإنسان في هذا الكون هي حياة تدبر وإعمال فكر فيما أودع الله في الكون من عناصر، يكلف الإنسان باستثمارها من أجل توفير حياة أفضل لمخلوقات الله. وعناصر باطنة أخفاها الله وجعلها من أسرار هذا الكون، وكلف الإنسان بالكشف عنها لتحقيق حكمة تسخير الله لها لخدمة المخلوقات. ونجد التوجيه

القرآني لتدبر خلق الله في مواضع كثيرة: منها: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20] .

وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10] .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27، 28] .

ص: 240

وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

ومن أهم سمات التوجيه الإسلامي توجيه العقل إلى رفض كل ما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي. لذلك نجد القرآن يرد تمسك الكفار بدين آبائهم أن آباءهم يعتنقونه، ودون أن يتدبروا فيه بعقولهم. قال تعالى على لسانهم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .

ويوجه الإسلام العقل إلى منهج تفكير يقوم على التثبت والتقصي قبل الأخذ بالأمر أو الحكم عليه؛ وذلك لأن تأسيس الحكم على جهالة يوقع في الخطأ، ومن ثم يورث الندم.

قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] .

ويوجه الإسلام العقل إلى أن يفكر الإنسان في حكمة التشريع. تقول عائشة عبد الرحمن في مقالها: "العقل في عقيدتنا لب الإنسان ومناط الرشد والتكليف""8، 7".

العقل في البيان القرآني هو لب الإنسان وفؤاده. لم يأت في القرآن بغير هذه الكلمات الثلاث، القلب بدلالته على العقل، ويكثر أن يجيء بدلالته على العواطف والأهواء، وكذلك الفؤاد والأفئدة، وتتمحص الألباب العقول. فأولو الألباب هم أولو العقول، باستقراء آياتها في القرآن. وعددها ست عشرة آية، مع ملحظ من التوجيه فيها إلى ذوي العقول النيرة الرشيدة، المرجوين للتدبر والتذكر والتقوي والاعتبار. مثل قوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .

ص: 241

وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .

وتضيف: وفي كل حال، لم تأتي في أي موضع منها بدلالتها الحسية العضوية، بل هي جميعها بدلالتها على معنويات الإنسان وعقله وعواطفه وأهوائه، باستقراء آيات القلب مفردًا ومثنى وجميعًا في اثنتين وثلاثين ومائة آية، الفؤاد والأفئدة في ست عشرة آية.

وأضافت: ولكي يحافظ الإسلام على العقل، فأنه حرم كل ما يعرقل وظيفته مثل المسكرات. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شراب أسكر فهو حرام". "صحيح البخاري".

ويشير سيد قطب إلى عناية الإسلام الفائقة بوظيفة العقل في قوله: وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه وتقويم منهجه في النظر واستجابته للعمل، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة وصيانته في الوقت من التبدد في غير مجاله، ومن الخبط في التبيه بلا دليل

ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام. "10، 49".

جـ- النفس: ذكرنا أن الجسم يحوي قنوات اتصال الإنسان بالعالم من حوله، وأن العقل هو مركز الاتصالات الذي يترجم الإشارات الواردة من الخارج إلى سلوك. ونرى أن النفس هي التي توجه هذا السلوك، فإذا كان نزوعها للخير يكون في شخصية المسلم توجه خير، أما إذا كان غير ذلك فإنه يكون في شخصية المسلم توجه شيطاني. ولأهمية النفس أقسم بها الله تبارك وتعالى،

وأوضح ما ألهمه أياها من نزوع في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] .

ويوضح النزوع الخير للنفس في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30] .

ص: 242

ويوضح النزوع غير السوي في النفس في قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] .

والنفس في القرآن تطلق على الذات بجملتها "1، 245" بدليل قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] .

وقوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] .

وتطلق على الروح وحدها، كما في قوله تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27] .

وقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] .

ويرى ابن القيم أن للنفس ثلاثة جوانب: "1، 249".

النفس المطمئة بدليل قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27] .

وطبقًا لمختصر تفسير الطبري فإن تفسير هذه الآية أن الملائكة تقول لأولياء الله يوم القيامة: يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد به أهل الإيمان في الدنيا. "2، 539".

وطبقًا لصفوة التفاسير فإن هذه الآية تعني: يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد الله، التي لا يلحقها اليوم خوف ولا فزع "3، 559".

والنفس الثانية هي النفس اللوامة بدليل قوله تعالى: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] .

وهناك أقوال كثيرة في النفس اللوامة. "1، 256".

قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائمًا يقول: ماذا أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولي، ونحو هذا الكلام.

ص: 243

وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي، فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها على فواته.

وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين، فإن كل أحد يلوم نفسه بارا كان أم فاجرًا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها.

وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه، فإن كان مسيئًا على إساءته، وإن كان محسنًا على تقصيره.

والنفس الثالثة هي النفس الأمارة بالسوء، فهي النفس المذمومة، فإنها تأمر بكل سوء. وهذا من طبيعتها إلا ما وفقها الله وثبتها بإيمانها.

فالنفس عند ابن القيم، نفس واحدة وليست ثلاثة أنفس، نف س واحدة لها صفات تسمى باعتبارها: فتسمى "مطمئة" باعتبار طمأنينتها إلى ربها ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الصفات الخيرة المتصلة بالله.

وتسمى النفس "لوامة" باعتبارها لا تزال تحث صاحبها على طاعة الله مع بذل جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله. وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في الله ملام اللوام، فهي التي يلومها الله عز وجل. وتسمى النفس "أمارة بالسوء" باعتبارها توسوس لصاحبها بالعمل السيئ. "1، 249".

ويقول نجاتي عن جوانب النفس الثلاثة قولا يميل المؤلف إلى الأخذ به: يمكن أن نتصور هذه المفاهيم الثلاثة وهي: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة على أنها حالات تتصف بها شخصية الإنسان في مستويات مختلفة من الكمال الإنساني التي تمر بها أثناء صراعها الداخلي بين الجانبين المادي والروحي. فحين تكون شخصية الإنسان في أدنى مستوياتها الإنسانية بحيث تسيطر عليها الأهواء والشهوات والملذات البدنية فإنها ينطبق عليه وصف "الأمارة بالسوء". وحينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات الكمال حيث يحدث التوازن التام بين المطالب البدنية والروحية، فإنها تكون في الحالة التي ينطبق عليها وصف المطمئنة". وبين هذين المستويين مستوى آخر متوسط بينهما يحاسب فيه الإنسان نفسه على ما يرتكب من أخطاء، ويسعى جاهدًا إلى الامتناع عن ارتكاب ما يغضب الله، ويسبب له تأنيب الضمير، ولكنه لا ينجح دائمًا في مسعاه، فقد يضعف ويقع في الخطيئة، ويطلق على الشخصية في هذا المستوى للنفس "اللوامة" "13، 215-216".

ص: 244

ومما ينبغي ذكره أيضًا أن النفس جانبًا محسوسًا، وهو ما يتصل بالجسم، ولكنها ليست كلها محسوسة. ويمكن فهم النفس في الإسلام بأنها كائن مركب من جانب مغيب لا سبيل للعلم به إلا بتعليم من الله، وجانب مشهود يمكن العلم به علمًا جزئيا، وأقول جزئيا؛ لأن الجانب المحسوس من الإنسان مرتبط بالجانب المغيب، ولا يمكنه فهمه فهما صحيحصا إلا به. "4، 71".

وتستخدم كلمة القلب في القرآن بمعنى النفس أو بمعنى العقل. وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة الفؤاد. ففي هذا ذكر الدكتور خليل: "4، 59-60".

وقد جاء القلب بمعنى النفس الأمارة بالسوء في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [الحجر: 12، 13] .

وفي قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الزمر: 45] .

وفي قوله تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] .

وفي قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] .

وفي قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] .

وفي قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] .

ويذكر الدكتور خليل أن القلب جاء -أيضًا- بمعنى النفس المطمئنة في قوله تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الوعد: 28] .

ويستعمل القلب فيما هو من عمل النفس في مختلف العواطف والمشاعر والأحاسيس، يتضح هذا في قوله تعالى:

ص: 245

{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] .

وفي قوله تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر} [الأحزاب: 10] .

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 74] .

وقد أتت كلمة القلب فيما نسب للعقل، كما في قوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] .

وفي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] .

وتأتي كلمة "الفؤاد" في القرآن بمعنى كلمة "القلب" كما في قوله: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] .

وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: 110] .

وقوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] .

والمؤلف يتفق مع هذه النظرة إلى كل من القلب والفؤاد. ولا يرفض أن يكون لكل منهما تفسير آخر في الحال أو الاستقبال. فقد وضع الله في خلقه من الأسرار والخبايا ما يتفرد وحده بعلمها، ولا يقدر عليها أحد من عباده إلا بإذنه. وجميع التفسيرات التي نقبلها أو نرفضها، وهي بناء على ما علمنا عنها، وعلمنا -لا شك- قاصر. والله وحده الأعلم.

د- الروح: أما الروح -في الإسلام- فهي الوازع الديني والحبل المتين الذي يحفظ صلة الإنسان بالله، ويكون حضورًا مستمرا للشعور برقابة الله على تصرفات الإنسان، ودافعًا متجددًا نحو العمل على تقوية العقيدة والالتزام بالشريعة وتأدية الفرائض. وهي ضابط لتصرف الفرد على الطريق المستقيم، موجه لأعماله وأقواله للاستقامة على منهج الله. وهي إحساس غامر بموجود الله بكل صفاته وبعلمه

ص: 246

الأزلي. وهي الطاقة الإيمانية التي تسيطر على السلوك، وتحدد نظرة الإنسان لذاته وللكون والحياة وللنواميس الربانية. وهي في عالم السر الذي يتم فيه الاتصال بدون موصلات مادية أو عبارات أو إشارات. والروح معروف كنهها؛ لأنها من أمر الله عز وجل.

يقول مصطفى محمود عن الروح: لذلك نجد أن "تمزق الأرواح سببه الأول اعتقاد أصحابها أنهم يعيشون في عالم بلا إله، وأنهم يبحثون عن عدل دون اعتقاد في عادل، ويحاولون النهوض بحياة يعتقدون أن مصيرها التراب. "12، 18".

ويقول محمد قطب عنها: "الروح هي الطاقة التي يتصل بها الإنسان بالمجهول

بالغيب المحجوب عن الناس". ويضيف: "الروح هي وسيلتنا للاتصال بالله". ويذكر أن من وظائفها: الاستشفاف والحكم التنبؤي والتخاطر "11، 45".

أما على القاضي فيقول عن الروح: "الروح هي الطاقة التي يحس الإنسان بها بالغيب المحجوب عن الحواس، ووظيفتها الاتصال بالله سبحانه وتعالى فهي قبس من الله عز وجل".

وطبقًا لما ذكره الدكتور أحمد شلبي، فإن كلمة الروح قد وردت في القرآن الكريم بثلاثة معان: الأول بمعنى جبريل عليه السلام، وذلك في الآيات، مثل قوله تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا} [النبأ: 38] .

وقوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87] .

وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194] .

وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] .

وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] .

وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4] .

ص: 247

وفي المعنى الثاني جاءت كلمة الروح بمعنى الوحي بوجه عام والقرآن بصفة خاصة. وذلك في الآيات، مثل قوله تعالى:{يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] .

وقوله تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] .

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] .

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .

وفي المعنى الثالث جاءت كلمة الروح بمنعى القوة التي تحدث الحياة في الكائنات. وذلك في الآيات مثل قوله

تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72] .

وقوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] .

وقوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12]

وقوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] .

بناء على ما سبق فإننا نرى أنه لا يمكن أن نخضع الروح للتربية والتوجيه بالمعنى الذي نفهمه في تطبيقاتنا التربوية، فهي قد تتساوى مع النفس من حيث إنها

ص: 248