المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه - الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

[محمود أحمد شوق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفهرس العام:

- ‌الباب الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية وأهم مجالاته المتعلقة بها

- ‌مقدمة الباب الأول:

- ‌الفصل الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الأول

- ‌أولًا: مفهوم التخطيط، على وجه العموم

- ‌ثانيًا: مفهوم التخطيط للتدريس وأهميته بالنسبة للمعلمين

- ‌ثالثًا: مفهوم تخطيط المنهج الدراسي

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌أهم مصادر الفصل الأول

- ‌الفصل الثاني: أهم مجالات التخطيط المتعلقة بالمناهج الدراسية

- ‌مقدمة الفصل الثاني

- ‌أولًا: التخطيط للتربية الميدانية

- ‌ثانيًا: التخطيط لبداية ناجحة في التدريس

- ‌ثالثًا: التخطيط للتدريس فصلًا دراسيا أو عاما دراسيا

- ‌رابعًا: التخطيط لتدريس موضوع أو وحدة

- ‌خامسًا: التخطيط للعمل اليومي

- ‌سادسًا: التخطيط لتدريس الدرس

- ‌سابعًا: التخطيط لاستثمار الفروق الفردية بين المتعلمين

- ‌خاتمة الفصل الثاني:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني:

- ‌خاتمة الباب الأول:

- ‌الباب الثاني: الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثاني:

- ‌الفصل الثالث: أهم خصائص التربية الإسلامية

- ‌مقدمة الفصل الثالث

- ‌أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر

- ‌ثانيا: ثاتبة أصولها، مرنة تطبيقاتها

- ‌ثالثا: تعد التربية الإسلامية الإنسان للحياتين، الدنيا والآخرة في توازن واعتدال

- ‌رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته

- ‌خاتمة الفصل الثالث:

- ‌أهم مصادر الفصل الثالث:

- ‌الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي

- ‌مقدمة الفصل الرابع:

- ‌أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم

- ‌ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينفد

- ‌ثالثا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة

- ‌رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة وفق منهج الله

- ‌خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي

- ‌سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله

- ‌خاتمة الفصل الرابع:

- ‌أهم مصادر الفصل الرابع:

- ‌الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم

- ‌مقدمة الفصل الخامس

- ‌أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم

- ‌ثانيًا: المفهوم والمصطلح

- ‌ثالثًا: أسس التوجيه الإسلامي للعلوم ومنهجه

- ‌خاتمة الفصل الخامس:

- ‌أهم مصادر الفصل الخامس:

- ‌الفصل السادس: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مقدمة الفصل السادس:

- ‌أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة

- ‌ثانيا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة

- ‌مدخل

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في سياسة التعليم:

- ‌ أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم *:

- ‌أهم الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية

- ‌خاتمة الفصل السادس:

- ‌أهم مصادر الفصل السادس:

- ‌خاتمة الباب الثاني:

- ‌الباب الثالث: مصادر خبرات المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الباب الثالث:

- ‌الفصل السابع: أهم خصائص المتعلم

- ‌مقدمة الفصل السابع

- ‌أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم

- ‌ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم

- ‌ثالثًا: وظيفة المتعلم

- ‌رابعا: أهم خصائص نمو المتعلم

- ‌مدخل

- ‌ مرحلة التكوين:

- ‌ مرحلة الرضاعة

- ‌ مرحلة الطفولة:

- ‌ مرحلة التمييز:

- ‌ مرحلة البلوغ أو الرشد:

- ‌مرحلة الشباب:

- ‌خاتمة الفصل السابع:

- ‌أهم مصادر الفصل السابع:

- ‌الفصل الثامن: أهم خصائص المجتمع المسلم

- ‌مقدمة الفصل الثامن:

- ‌أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد

- ‌ثانيًا: الحكم بما أنزل الله والأخذ بالشورى والالتزام بالعدل

- ‌ثالثًا: الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌رابعا: تكوين الأسرة المسلمة

- ‌مدخل

- ‌ الترغيب في الزواج وبيان أسس اختيار كل من الزوجين:

- ‌ بيان حقوق كل من الزوجين ووقايتهما من الغواية:

- ‌ بيان حقوق الوالدين:

- ‌بيان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم

- ‌ وضع أسس لوقاية الأسرة من التفكك أو الانحراف:

- ‌خامسا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين

- ‌إرساء أسس المحبة وصولا إلى التضامن والتعاون

- ‌ التكافل الاجتماعي:

- ‌سادسًا: متابعة الاجتهاد

- ‌سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله

- ‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

- ‌خاتمة الفصل الثامن:

- ‌أهم مصادر الفصل الثامن:

- ‌الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة والعلمية والتقنية

- ‌مقدمة الفصل التاسع

- ‌أولا: المجال الدراسي

- ‌مدخل

- ‌ بالنسبة للأساسيات والتسلسل:

- ‌ بالنسبة للتطورات المعاصرة في المجال

- ‌ بالنسبة للتطبيقات:

- ‌ بالنسبة للتوجيه الإسلامي للمجال الدراسي

- ‌ بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في المجال الدراسي:

- ‌ثانيًا: الثقافة العلمية والتقنية

- ‌خاتمة الفصل التاسع:

- ‌أهم مصادر الفصل التاسع:

- ‌خاتمة الباب الثالث:

- ‌الباب الرابع: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسى ومعوقاته

- ‌مقدمة الباب الرابع

- ‌الفصل العاشر: أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل العاشر

- ‌أولا: الإعداد للمهمة

- ‌ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي

- ‌ثالثا: أهم أسس إعداد محتوى المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس اختيار خبرات المنهج الدراسي

- ‌أهم أسس تنظيم خبرات المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: أهم أسس إعداد طرائق التدريس *

- ‌خامسًا: أهم أسس الإعداد لاستخدام وسائل تقانة التعليم *

- ‌سادسًا: أهم أسس إعداد المناشط المدرسية *

- ‌سابعًا: أهم أسس الإعداد لتقويم مخرجات المنهج الدراسي

- ‌ثامنًا: تقويم المنهج الدراسي الذي تم إعداده

- ‌خاتمة الفصل العاشر:

- ‌أهم مصادر الفصل العاشر:

- ‌الفصل الحادي عشر: أهم خطوات تطبيق المنهج الدراسي الجديد

- ‌مقدمة الفصل الخادي عشر

- ‌أولًا: التخطيط للتطبيق الميداني

- ‌ثانيًا: إعداد متطلبات التطبيق

- ‌ثالثًا: تدريب المشاركين في تطبيق المنهج الجديد

- ‌رابعًا: بث الشعور بالحاجة إلى منهج جديد، والتوعية بمتطلباته ومشكلاته

- ‌خامسا: تجريب المنهج الجديد

- ‌سادسًا: تعميم المنهج الجديد ومتابعته بالتقويم والتطوير

- ‌خاتمة الفصل الحادي عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الحادي عشر:

- ‌الفصل الثاني عشر: أهم معوقات تخطيط المنهج الدراسي

- ‌مقدمة الفصل الثاني عشر

- ‌أولًا: معوقات خاصة بطبيعة التخطيط التربوي

- ‌ثانيًا: معوقات خاصة بالجوانب الفنية لعملية تخطيط المناهج

- ‌ثالثًا: معوقات خاصة بالقائمين بعملية تخطيط المنهج الدراسي

- ‌رابعًا: معوقات إدارية

- ‌خامسًا: معوقات اجتماعية

- ‌سادسًا: معوقات سياسية

- ‌سابعًا: معوقات خاصة بالظروف الطارئة، وعدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب

- ‌ثامنًا: القصور في الاعتمادات المالية

- ‌خاتمة الفصل الثاني عشر:

- ‌أهم مصادر الفصل الثاني عشر:

- ‌خاتمة الباب الرابع:

الفصل: ‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

‌ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

ثامنًا: حسن استثمار المصارد البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه

مجتمع الأمة الإسلامية التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها خير أمة أخرجت للناس، في قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .

مجتمع الأمة الإسلامية التي يبين الحق تبارك وتعالى أنها شهيدة على الناس، وأن الهادي البشير شهيد عليها، في قوله تعالى:{.... لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .

هذا المجتمع ينبغي أن يستنفد طاقاته في الارتقاء بطرائق الحياة فيه، وصولًا إلى أن يتبوأ مكانه ليكون خير أمة، وإلى أن يستحق مكان الشهادة على الناس، وإلى أن يكون مؤهلاء للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين أهم الأسس التي وضعها الله سبحانه وتعالى للارتقاء بهذا المجتمع -إلى جانب ما سبق ذكره في هذا الفصل- أن يستثمر الإنسان المصادر الطبيعية في المجتمع على أساس من العلم وتطبيقاته، وبذل الجهد والعمل الدءوب في سبيل تقدمه ووقايته من المشكلات. وذلك من خلال عمارة الأرض التي كلف الله سبحانه وتعالى المسلم بها. ولا شك أن وسائل هذه العمارة تحصيل العلم إلى جانب العمل.

ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله يجد العلم مكانًا رحيبًا فيهما، كما يجد تكريم الله سبحانه وتعالى للعلماء، ورفعتهم وفضلهم على العباد من خلقه*.

والدين الإسلامي منهج حياة متكامل، لا يقف عند العقيدة وحدها أو العبادات وحدها أو المعاملات وحدها أو الأخلاق، ولكنه يشمل هذا كله، مضافًا إليه ما يتعلق باستثمار جميع ما سخر الله للإنسان من نعم في نفسه وفي الكون لعمارة الأرض وفق منهج الله.

وهذا ما طبقه المسلمون في صدر الإسلام، فقراء التاريخ يعرفون أنه تقديرًا للعلم وأهميته كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطلق الأسير الذي يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وكان يبعث المسلمين ليتعلموا تقنية الصناعة في بلاد الشام.

1 انظر الفصل الرابع في هذا الكتاب.

ص: 314

فالقاعدة الأولى التي تبنى عليها الحياة هي العلم بالدين، والعلم -بالضرورة- بشئون الحياة ارتقاء بها. ومن يقرأ القرآن الكريم يجده مليئا بحفز عباد الله على التدبر والتعقل، والتفكر في قدرة الله في الخلق وكشف أسرار الكون واستثمارها والاستمرار في ذلك والمواظبة عليه، والكدح فيه وصولًا إلى تنمية المجتمع والارتقاء به.

فلنقرأ قوله الذي يخاطب العلماء فيه، العلماء الذين هم أكثر عباده خشية له بما أوتوا من علم بمكنونات خلقه في الكون.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27، 28] .

في هذ الآيات الكريمة نجد من عناصر الكون وظواهره ما هو مجال لإعمال فكر العلماء. ومن بين العلماء هنا علماء كل من الأجناس والأحياء والفيزياء والكيمياء والرياضيات وغير ذلك من العلوم الكونية. هؤلاء أيضًا مطالبون بأن ينظروا في تكوين عناصر الكون والتدبر في شأنها، وهذا النظر وذاك التدبر إذا طولب به العلماء فإنه يكون مدخلًا للارتقاء بالعلم والبحث والاسقتصاء؛ للكشف عن مكنونات الخلق بغية تسخيرها لصالح البشرية بعامة والمجتمع الإسلامي بخاصة، إضافة إلى الوقوف على عظمة الخالق. ولنقرأ قوله تبارك وتعالى:{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 2-4] .

وهكذا يطالب الحق تبارك وتعالى في مواضع شتى من الذكر الحكيم عباده بأن يطلقوا عقولهم؛ للتفكر والتدبر والاستقراء والإحصاء والتنقيب والدراسة. وإخضاع ما حولهم من أنهار وبحار وجبال وسهول، والشمس والقمر، والثمر المختلف مذاقه رغم

ص: 315

أنه يسقى بماء واحد، ودورة الماء وأنساق الكواكب والنجوم، وغيرها من الظواهر الكونية، يطالبنا خالقها بالتدبر في شأنها، ليس فقط لنقف على بديع صنعه ومن ثم الإيمان به واحدًا لا إله إلا هو ولا شبيه ولا مثيل، متفردًا في ربوبيته وألوهيته وصفاته وأسمائه، ولكن أيضًا لتسخيرها وفاء بأمانة عمارة الأرض وفق منهجه، ومن ثم الارتقاء بالمجتمع واستثمار مصادره البشرية والطبيعية على أسس علمية.

ولا بد من أن يقود العلم إلى إعداد القوى البشرية اللازمة للارتقاء بالحياة في المجتمع وفق تنوع مجالاتها وتعدد مستوياتها، ومن يقرأ آيات الذكر الحكيم التي تحث المسلم على التدبر والتفكر والتيقن وغيرها من مرادفات إعمال الفكر يجدها تأتي في مساقات مختلفة، منها الأنهار والبحار. ومنها الجبال. ومنها الرياح، ومنها الكواكب والنجوم، ومنها الأشجار والثمار، ومنها الإنسان نفسه، ومنها الدواب والحيوان، ومنها السموات والأرض، ومنها الشمس والقمر، وغير ذلك من المخلوقات. وفي هذا بيان باختلاف مجالات العلم والتعلم، وميادين اكتساب الخبرة التي ينبغي أن يستوعبها المسلم ويستخدمها في الارتقاء بالمجتمع.

ومن يقرأ تاريخ المسلمين يجد أن الصحابة عليهم رضوان الله، كانوا يحفظون عشر آيات من القرآن ولا يحفظون غيرها إلا بعد أن يطبقوا في حياتهم ما حفظوه. وهذا يبين مدى الالتزام بتطبيق العلم.

والقاعدة الثانية التي يعتمد عليها الارتقاء بالحياة في المجتمع إلى جانب العلم هي العمل. ولعلنا نلاحظ أن العمل من العوامل الفارقة بين الدول المتقدمة والدول المختلفة. ففي الدول المتقدمة نلاحظ اليوم أن ساعات العمل ونظمه ومهاراته وأخلاقياته ومن ثم إنتاجه كما ونوعًا أفضل منها في الدول المختلفة. إضافة إلى هذا فإن العمل في الدول المتقدمة يؤسس على علم حديث وتقنية متقدمة، الأمر الذي يجعل إنتاجه يتمتع بالوفرة الكمية والتميز النوعي.

ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله، يجد أن العمل وفق منهج الله قد حظى باهتمام بالغ، فالآيات الكريمة التي تحث على العمل كثيرة، وترغيب الله للعاملين وحفزهم عليه مستمر.

ونظرًا لأهمية العمل الصالح فقد اقترن بالإيمان، بل إن العمل الصادق هو ما وقر في القلب وصدقة العمل. فالعمل -إذن- ضرورة إيمانية إلى جانب أنه ضرورة حيوية للارتقاء بحياة الفرد والمجتمع. وفي القرآن الكريم نلحظ اقتران الإيمان

ص: 316

بالعمل، كما نتبين مدى حرص رب العالمين على ترغيب المسلمين في العمل الصالح، وعلى مكافأتهم عليه، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29] .

وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} [البقرة: 25] .

وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 75] .

وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل متاعه بنفسه ويرتق ثوبه بنفسه ويخسف نعله بنفسه، ليضع العمل في الموضع المناسب من حياة أمة الإسلام، وليكون قدوة للمسلمين في العمل والجد.

وهذا رسول الإسلام يجعل العمل قيمة كبرى في الحياة بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده". "البخاري وأحمد بن حنبل".

وإضافة إلى أن العمل قيمة كبرى في الإسلام، فإن إنجازه في الوقت المحدد، واستثمار الوقت عمومًا هو أيضًا من القيم الكبرى في الإسلام. يقول الحق تبارك وتعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] .

ويقول محمد صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر". "رواه أحمد في مسنده".

وقد حث الإسلام المسلمين على الإحسان في العمل، قال تعالى:{إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] .

ص: 317

وقال الرسول الكريم:

"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". "رواه

البيهقي".

ولكي تؤتي عملية الارتقاء بالمجتمع أكلها، وتسرع خطاها ينبغي وقاية المجتمع من المشكلات. ويحرص الدين الحنيف على وقاية المجتمع المسلم من المشكلات، وعلاج ما قد يحدث منها بأساليب كثيرة، منها -كما سبق أن فصلنا- تأسيس المجتمع على عقيدة التوحيد، وتحكيم شرع الله الأعلم بخصائص عباده وما يصلحهم وما يضرهم، وتأسيس الحكم على الشورى، وإقامة العدل الذي به تطمئن القلوب وتملأ الثقة النفوس. ويكون القوي في المجتمع ضعيفًا حتى يؤخذ الحق منه، ويكون الضعيف في المجتمع قويا حتى يؤخذ الحق له، وفي هذا استقرار لشئون العباد.

واتخاذ الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاجًا لتذكير الناس وتوجيههم. والأخذ بالتعاون والتكافل بين الناس لتوفير الاستقرار والطمأنينة بينهم أفرادا وجماعات، وإشعارهم بالرباط المتين الذي يربطهم، ومن ثم لا يحقد الفقير على الغني ولا يحقر الغني الفقير. فالغني مستخلف في ماله وللفقير حق فيه.

ومن عوامل وقاية المحتمع من المشكلات الجهاد والاجتهاد. فالجهاد وقاية للدين والنفس والمال والمجتمع من المشكلات، والاجتهاد هدفه الأساسي تقديم حلول لمشكلات المجتمع -وفق منهج الله- قبل أن تفعل هذه المشكلات فعلها في المجتمع، وتتفاعل مع غيرها فتستحيل إلى معمل لتفريخ مشكلات جديدة.

ومن أهم عوامل الوقاية من المشكلات وعلاجها في المجتمع المسلم. كفاءة النظم التي توجه مختلف المؤسسات فيه. فللأسرة في الإسلام نظام يحدد حقوق

أطرافها وواجباتهم ويهيئها للانطلاق في البناء. وللاقتصاد نظام يحدده حلاله وحرامه وآفاقه ويعمل على الارتقاء به، وللعبادة نظامها. وللحكم نظامه. وللمجتمع نظامه. وللعلاقات الدولية نظامها، وغير ذلك من النظم التي توجه الحياة في المجتمع وفق منهج الله، فيستقيم على الجادة ويعمل على

الانطلاق الحضاري إذا ما طبق تطبيقًا صحيحًا، وبني على فهم سليم لمراد الله في الذكر الحكيم، ولتوجيه الرسول الكريم في السنة المطهرة.

وعلى وجه العموم يعمل الإسلام على تكوين المسلم بحيث يكون قويا بدينه، قويا ببدنه، قويا بعلمه، قويا بعمله، قويا بإخوانه، قويا بعطائه لمجتمعه. كما يعمل على تكوين مجتمع قوي في التزامه بمنهج الله، وبالتضامن مع كافة مجتمعات الأمة.

ص: 318