الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه
…
ثامنًا: حسن استثمار المصارد البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه
مجتمع الأمة الإسلامية التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها خير أمة أخرجت للناس، في قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .
مجتمع الأمة الإسلامية التي يبين الحق تبارك وتعالى أنها شهيدة على الناس، وأن الهادي البشير شهيد عليها، في قوله تعالى:{.... لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .
هذا المجتمع ينبغي أن يستنفد طاقاته في الارتقاء بطرائق الحياة فيه، وصولًا إلى أن يتبوأ مكانه ليكون خير أمة، وإلى أن يستحق مكان الشهادة على الناس، وإلى أن يكون مؤهلاء للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين أهم الأسس التي وضعها الله سبحانه وتعالى للارتقاء بهذا المجتمع -إلى جانب ما سبق ذكره في هذا الفصل- أن يستثمر الإنسان المصادر الطبيعية في المجتمع على أساس من العلم وتطبيقاته، وبذل الجهد والعمل الدءوب في سبيل تقدمه ووقايته من المشكلات. وذلك من خلال عمارة الأرض التي كلف الله سبحانه وتعالى المسلم بها. ولا شك أن وسائل هذه العمارة تحصيل العلم إلى جانب العمل.
ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله يجد العلم مكانًا رحيبًا فيهما، كما يجد تكريم الله سبحانه وتعالى للعلماء، ورفعتهم وفضلهم على العباد من خلقه*.
والدين الإسلامي منهج حياة متكامل، لا يقف عند العقيدة وحدها أو العبادات وحدها أو المعاملات وحدها أو الأخلاق، ولكنه يشمل هذا كله، مضافًا إليه ما يتعلق باستثمار جميع ما سخر الله للإنسان من نعم في نفسه وفي الكون لعمارة الأرض وفق منهج الله.
وهذا ما طبقه المسلمون في صدر الإسلام، فقراء التاريخ يعرفون أنه تقديرًا للعلم وأهميته كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطلق الأسير الذي يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وكان يبعث المسلمين ليتعلموا تقنية الصناعة في بلاد الشام.
1 انظر الفصل الرابع في هذا الكتاب.
فالقاعدة الأولى التي تبنى عليها الحياة هي العلم بالدين، والعلم -بالضرورة- بشئون الحياة ارتقاء بها. ومن يقرأ القرآن الكريم يجده مليئا بحفز عباد الله على التدبر والتعقل، والتفكر في قدرة الله في الخلق وكشف أسرار الكون واستثمارها والاستمرار في ذلك والمواظبة عليه، والكدح فيه وصولًا إلى تنمية المجتمع والارتقاء به.
فلنقرأ قوله الذي يخاطب العلماء فيه، العلماء الذين هم أكثر عباده خشية له بما أوتوا من علم بمكنونات خلقه في الكون.
في هذ الآيات الكريمة نجد من عناصر الكون وظواهره ما هو مجال لإعمال فكر العلماء. ومن بين العلماء هنا علماء كل من الأجناس والأحياء والفيزياء والكيمياء والرياضيات وغير ذلك من العلوم الكونية. هؤلاء أيضًا مطالبون بأن ينظروا في تكوين عناصر الكون والتدبر في شأنها، وهذا النظر وذاك التدبر إذا طولب به العلماء فإنه يكون مدخلًا للارتقاء بالعلم والبحث والاسقتصاء؛ للكشف عن مكنونات الخلق بغية تسخيرها لصالح البشرية بعامة والمجتمع الإسلامي بخاصة، إضافة إلى الوقوف على عظمة الخالق. ولنقرأ قوله تبارك وتعالى:{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 2-4] .
وهكذا يطالب الحق تبارك وتعالى في مواضع شتى من الذكر الحكيم عباده بأن يطلقوا عقولهم؛ للتفكر والتدبر والاستقراء والإحصاء والتنقيب والدراسة. وإخضاع ما حولهم من أنهار وبحار وجبال وسهول، والشمس والقمر، والثمر المختلف مذاقه رغم
أنه يسقى بماء واحد، ودورة الماء وأنساق الكواكب والنجوم، وغيرها من الظواهر الكونية، يطالبنا خالقها بالتدبر في شأنها، ليس فقط لنقف على بديع صنعه ومن ثم الإيمان به واحدًا لا إله إلا هو ولا شبيه ولا مثيل، متفردًا في ربوبيته وألوهيته وصفاته وأسمائه، ولكن أيضًا لتسخيرها وفاء بأمانة عمارة الأرض وفق منهجه، ومن ثم الارتقاء بالمجتمع واستثمار مصادره البشرية والطبيعية على أسس علمية.
ولا بد من أن يقود العلم إلى إعداد القوى البشرية اللازمة للارتقاء بالحياة في المجتمع وفق تنوع مجالاتها وتعدد مستوياتها، ومن يقرأ آيات الذكر الحكيم التي تحث المسلم على التدبر والتفكر والتيقن وغيرها من مرادفات إعمال الفكر يجدها تأتي في مساقات مختلفة، منها الأنهار والبحار. ومنها الجبال. ومنها الرياح، ومنها الكواكب والنجوم، ومنها الأشجار والثمار، ومنها الإنسان نفسه، ومنها الدواب والحيوان، ومنها السموات والأرض، ومنها الشمس والقمر، وغير ذلك من المخلوقات. وفي هذا بيان باختلاف مجالات العلم والتعلم، وميادين اكتساب الخبرة التي ينبغي أن يستوعبها المسلم ويستخدمها في الارتقاء بالمجتمع.
ومن يقرأ تاريخ المسلمين يجد أن الصحابة عليهم رضوان الله، كانوا يحفظون عشر آيات من القرآن ولا يحفظون غيرها إلا بعد أن يطبقوا في حياتهم ما حفظوه. وهذا يبين مدى الالتزام بتطبيق العلم.
والقاعدة الثانية التي يعتمد عليها الارتقاء بالحياة في المجتمع إلى جانب العلم هي العمل. ولعلنا نلاحظ أن العمل من العوامل الفارقة بين الدول المتقدمة والدول المختلفة. ففي الدول المتقدمة نلاحظ اليوم أن ساعات العمل ونظمه ومهاراته وأخلاقياته ومن ثم إنتاجه كما ونوعًا أفضل منها في الدول المختلفة. إضافة إلى هذا فإن العمل في الدول المتقدمة يؤسس على علم حديث وتقنية متقدمة، الأمر الذي يجعل إنتاجه يتمتع بالوفرة الكمية والتميز النوعي.
ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله، يجد أن العمل وفق منهج الله قد حظى باهتمام بالغ، فالآيات الكريمة التي تحث على العمل كثيرة، وترغيب الله للعاملين وحفزهم عليه مستمر.
ونظرًا لأهمية العمل الصالح فقد اقترن بالإيمان، بل إن العمل الصادق هو ما وقر في القلب وصدقة العمل. فالعمل -إذن- ضرورة إيمانية إلى جانب أنه ضرورة حيوية للارتقاء بحياة الفرد والمجتمع. وفي القرآن الكريم نلحظ اقتران الإيمان
بالعمل، كما نتبين مدى حرص رب العالمين على ترغيب المسلمين في العمل الصالح، وعلى مكافأتهم عليه، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29] .
وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} [البقرة: 25] .
وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 75] .
وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل متاعه بنفسه ويرتق ثوبه بنفسه ويخسف نعله بنفسه، ليضع العمل في الموضع المناسب من حياة أمة الإسلام، وليكون قدوة للمسلمين في العمل والجد.
وهذا رسول الإسلام يجعل العمل قيمة كبرى في الحياة بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده". "البخاري وأحمد بن حنبل".
وإضافة إلى أن العمل قيمة كبرى في الإسلام، فإن إنجازه في الوقت المحدد، واستثمار الوقت عمومًا هو أيضًا من القيم الكبرى في الإسلام. يقول الحق تبارك وتعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] .
ويقول محمد صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر". "رواه أحمد في مسنده".
وقد حث الإسلام المسلمين على الإحسان في العمل، قال تعالى:{إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] .
وقال الرسول الكريم:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". "رواه
البيهقي".
ولكي تؤتي عملية الارتقاء بالمجتمع أكلها، وتسرع خطاها ينبغي وقاية المجتمع من المشكلات. ويحرص الدين الحنيف على وقاية المجتمع المسلم من المشكلات، وعلاج ما قد يحدث منها بأساليب كثيرة، منها -كما سبق أن فصلنا- تأسيس المجتمع على عقيدة التوحيد، وتحكيم شرع الله الأعلم بخصائص عباده وما يصلحهم وما يضرهم، وتأسيس الحكم على الشورى، وإقامة العدل الذي به تطمئن القلوب وتملأ الثقة النفوس. ويكون القوي في المجتمع ضعيفًا حتى يؤخذ الحق منه، ويكون الضعيف في المجتمع قويا حتى يؤخذ الحق له، وفي هذا استقرار لشئون العباد.
واتخاذ الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاجًا لتذكير الناس وتوجيههم. والأخذ بالتعاون والتكافل بين الناس لتوفير الاستقرار والطمأنينة بينهم أفرادا وجماعات، وإشعارهم بالرباط المتين الذي يربطهم، ومن ثم لا يحقد الفقير على الغني ولا يحقر الغني الفقير. فالغني مستخلف في ماله وللفقير حق فيه.
ومن عوامل وقاية المحتمع من المشكلات الجهاد والاجتهاد. فالجهاد وقاية للدين والنفس والمال والمجتمع من المشكلات، والاجتهاد هدفه الأساسي تقديم حلول لمشكلات المجتمع -وفق منهج الله- قبل أن تفعل هذه المشكلات فعلها في المجتمع، وتتفاعل مع غيرها فتستحيل إلى معمل لتفريخ مشكلات جديدة.
ومن أهم عوامل الوقاية من المشكلات وعلاجها في المجتمع المسلم. كفاءة النظم التي توجه مختلف المؤسسات فيه. فللأسرة في الإسلام نظام يحدد حقوق
أطرافها وواجباتهم ويهيئها للانطلاق في البناء. وللاقتصاد نظام يحدده حلاله وحرامه وآفاقه ويعمل على الارتقاء به، وللعبادة نظامها. وللحكم نظامه. وللمجتمع نظامه. وللعلاقات الدولية نظامها، وغير ذلك من النظم التي توجه الحياة في المجتمع وفق منهج الله، فيستقيم على الجادة ويعمل على
الانطلاق الحضاري إذا ما طبق تطبيقًا صحيحًا، وبني على فهم سليم لمراد الله في الذكر الحكيم، ولتوجيه الرسول الكريم في السنة المطهرة.
وعلى وجه العموم يعمل الإسلام على تكوين المسلم بحيث يكون قويا بدينه، قويا ببدنه، قويا بعلمه، قويا بعمله، قويا بإخوانه، قويا بعطائه لمجتمعه. كما يعمل على تكوين مجتمع قوي في التزامه بمنهج الله، وبالتضامن مع كافة مجتمعات الأمة.