الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: التخطيط للتربية الميدانية
التربية الميدانية هي مجال تكامل جميع عناصر إعداد المعلم، حيث تتكامل فيها هذه العناصر لتكون منظومة تدريسية تظهر في أداء الطالب. فتمكن الطالب من تخصصه العلمي يساعده على عدم الوقوع في الأخطاء أثناء تقديم المادة العلمية ودراسته للمقررات التربوية، واكتسابه للمهارات التدريسية يساعده على تقديم المادة العلمية وأداء الواجبات التربوية بصورة جيدة. ولكن مهما سيطر الطالب على تخصصه، ومهما استوعب من خبرات تربوية، فإن الطالب لا يمكنه أن يستفيد من التربية الميدانية -كما ينبغي- دون تخطيط مسبق لأنشطتها؛ لأن التدريس أبعد من الإعداد التخصصي والإعداد المهني، بل أوسع نطاقًا من محتوى برنامج الإعداد كله.
ويتضمن التخطيط للتربية الميدانية ما يلي:
أ- العمل على أن يدرك الطالب أهمية التربية الميدانية، وأن يعرف أهدافها جيدًا.
فالتربية الميدانية بالنسبة للطالب الذي يعد لأن يكون معلمًا، مثلها مثل التدريب في المستشفى بالنسبة للطبيب الجراح، فالجراح لا يمكنه إجراء عملية جراحية دون أن يتدرب عليها تدريبًا عمليا كافيا تحت إشراف خبير.
وهكذا الحال بالنسبة للمعلم، فما من فرد يمكنه ممارسة التدريس "المناهج" دون تدريب تحت إشراف جيد. ومع ذلك، فإننا قد نسمع من القول أن التدريس موهبة تولج مع الإنسان، وأن هناك معلمين بالفطرة، ولا شك أن أصحاب هذه المقولة لا يدركون ما لأخطاء المعلم من مخاطر.
فإذا كان خطأ الجراح الذي لم يحسن تدريبه يقتل نفسًا واحدة، فإن خطأ المعلم الذي لم يحسن تدريبه يقتل مئات الأنفس، إلا أننا لا نواريهم التراب، ولا يكون لقتلهم آثار مرئية في المجتمع، كما هو الحال فيمن يقتله الجراح.
ولكن خطرهم يكمن في أن ما سببه قصور تعليمهم وتربيتهم من مشكلات يفعل فعله فيهم وفي مجتمعهم ما داموا أحياء.
وعلى وجه العموم، فإن كل ذي بصيرة يدرك أن كل عمل أيا كان ومهما كان في عصرنا الحالي، يحتاج إلى تدريب؛ كي يتعرف الفرد على ما فيه من قيم ونظم، ويكتسب ما يحتاجه من مهارات.
ويهدف التدريب الميداني على التدريس إلى إعداد الطالب للأداء السليم في الموقف التدريسية، والطالب الذي يعنى بهذا التدريب يتبوأ المكان الذي تؤهله له قدراته، وأما من يهمل التدريب الميداني فإنه -في الغالب- يواجه الفشل، ويقاسي -بعد ذلك- من مرارته في حياته المهنية وربما خارجها.
ب- أن يعطي الطالب التربية الميدانية الوقت والجهد الذي يناسبها. فكثير من الطلاب يعتني بالتربية الميدانية العناية المطلوبة، ولكن بعضهم يعتبرها عبئا ثقيلًا على كاهله، ويفوت هؤلاء أن الأداء الناجح في التربية الميدانية يتطلب اكتساب مهارات خاصة، لا يمكن اكتسابها إلا من خلال التدريس الفعلي داخل الفصل، وأن أي معلم -فضلًا عن طالب التربية الميدانية- لا يمكن أن يؤدي عمله بنجاح دون أن يوفر لنفسه عوامله.
ومن أهم عوامل النجاح في التربية الميدانية أن يحاول الطالب أن يخطط وقته وجهده بدقه، بحيث يخص التربية الميدانية منه ما يجعله يجيد إعداد متطلباتها.
جـ- أن يعد الطالب المصادر التي سوف يرجع إليها في إعداد دروسه. يعتمد الكثير من الطلاب على الكتاب المدرسي وحده في الاستعداد للتدريس؛ وهذا يجعلهم غير مقنعين للتلاميذ في تدريسهم. نظرا لضحالة معلوماته عن الدرس. ومن ثم ينصرف التلاميذ عن الانتباه إليهم، ويكون هذا الانصراف وقود المشكلات.
لذلك، فإن معرفة الطالب بالمصادر الخاصة بالرحلة التي سوف يؤدي فيها تدريبه الميداني قبل البدء فيه بفترة لا تقل عن شهر، تعطي للطالب فرصة لأن يحصل على جميع الكتب المدرسية المتعلقة بتخصصه في هذه المرحلة، يضاف إلى هذه، بعض المراجع المناسبة التي يشير بها موجه التربية الميدانية ومعلمو المرحلة.
د- أن يراجع الطالب ما سبق أن درسه في العلوم التربوية، وبخاصة طرائق التدريس والمناهج والسياسة التعليمية والتخطيط للتدريس والإدارة المدرسية. فمن المعروف أن جميع المقررات التي يدرسها الطالب تهدف -بالدرجة الأولى- إلى إعداده للتدريس، والتربية الميدانية هي مجال تطبيق ما درسه من معلومات نظرية. فالسياسة التعليمية تشكل الإطار العام لجميع ما ينبغي أن يتم داخل المدرسة، والمناهج هي وعاء الخبرات التي ينبغي أن يقوم الطالب على أساس المدى الذي استطاع تحقيقه من أهدافها في سلوك تلاميذه، وطرائق التدريس تمد الطالب بمجموعة من مهارت الاتصال بينه وبين تلاميذه، والتقانة التعليمية والنشاط المدرسي تساعد الطالب على رفع كفاية النشاط التدريسي سواء بالنسبة للتلاميذ أو المادة الدراسية أو المجتمع. والتخطيط للتدريس يساعد الطالب على وضع هذا كله في فعاليات تدريسية ناجحة؛ لذلك ينبغي أن يسترجع الطالب هذه المعلومات حتى تكون زاده ورفيقه الذي
يساعده على بداية موفقة في التربية الميدانية، وفي حياته المهنية فيما بعد.
هـ- أن يوطد الطالب نفسه على مواجهة مواقف التربية الميدانية من منطلق التعاون مع المشرف على التربية الميدانية، والمدرسة، وزملائه في التربية الميدانية، وأن يخطط لذلك. فمن أكثر المواقف ثراء في التربية الميدانية "ندوة النقد" التي يستمع فيها الطالب بعد قيامه بالتدريس إلى آراء زملائه في تدريسه، وإلى توجيهات الأستاذ المشرف عليه في التربية الميدانية. ولكن الطلاب لا يستطيعون صبرًا على سماع غيرهم يذكرون أخطاءهم، فينبرون دفاعًا عن أنفسهم بحق، أو بغير حق، وهذا سلوك غير لائق بطالب العلم، والأولى له أن يقطف ثمار هذا النقد البناء، وأن يراعي ما يلي:
- أن من حسن الخلق: الاستماع إلى الغير، مهما كان مضمون الحديث.
- أن الطالب سوف يستفيد من كشف أخطائه وشرحها وتصحيحها، بأن يعمل على تصويبها.
- أن المشرف سوف يكتشف النقد غير الموضوعي -إن وجد- ويتناوله بالتحليل.
لذلك، فإن الطالب ليس بحاجة إلى الدفاع عن نفسه بحمية، ولكن ينبغي أن يشرح وجهة نظره دون تحيز ولا انفعال. كما ينبغي عليه أن يتوخى الموضوعية في نقد أداء زملائه كي لا يبادلونه تحيزًا بتحيز.
ومن المواقف التي تثري خبرة طلاب التربية الميدانية تدخل الأستاذ المشرف في التدريس داخل الفصل. ونود أن نؤكد -هنا- أن تدخل الأستاذ المشرف أثناء التدريس، ليس فيه مساس بمركز الطالب أمام زملائه أو تلاميذه، وبخاصة إذا اختار الأستاذ المشرف الأسلوب المناسب لتدخله، وكان تدخله لتحقيق هدف معين: فقد يتدخل ليعد النظام في الفصل بعد أن فلت زمامه من الطالب، وقد يتدخل لأنه يود أن يستعرض شرح نقطة معينة أمام مجموعة طلاب التربية الميدانية المشاهدين للدرس؛ كي تكون بيانا عمليا يستفيدون منه، وقد يتدخل لتصحيح خطأ وقع فيه الطالب دون أن يدري. هذه الأمور وغيرها مما يدفع الأستاذ المشرف للتدخل مشاركًا بالتدريس، إنما هدفها المزيد من فائدة الطالب وزملائه، إضافة إلى حماية الطالب المتدرب من التمادي في الخطأ، وحماية التلاميذ من تعلم خبرات مغلوطة.
ومن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه طالب التربية الميدانية، أن يناقش ما يواجهه من مشكلات خاصة بالتربية الميدانية مع الأستاذ المشرف والمعلمين وزملائه، ولا ينبغي بحال أن يستكبر على الاستفسار من هؤلاء، فالعلم رحم بين أهله، وطالب العلم ينبغي أن يطلبه من جميع المصادر المتاحة.
وقد يشعر الطالب المتدرب بالرهبة أو الخوف، وقد يواجه مشكلات في التحضير، أو في العلاقة مع الزملاء، أو في العلاقة مع التلاميذ أو في قصور المصادر، أو في غير ذلك. ومما يعين على حل كل من هذه المشكلات وغيرها، التعاون بين الطالب من ناحية والأستاذ المشرف ومعلمي المدرسة وإدارتها وزملاء التربية الميدانية من ناحية أخرى.
فينبغي أن يتعاون الطالب مع زملائه في الحصول على الدروس من المعلمين، وفي تبادل الوسائل والأدوات والمراجع، كما ينبغي أن يثق الطالب بأن المشرف على التربية الميدانية على استعداد -دائما- لأن يمد له يد العون، وأنه لا يتصيد أخطاء طلابه، ولكنه يكشف عنها ويبحث عن وجودها؛ لكي يساعدهم على تصحيحها. فإذا ما استقر هذا الفهم في ذهن طالب التربية الميدانية فإنه سوف يبدؤها بالثقة التي تساعده على النجاح فيها بمشيئة الله.
وأن يحرص الطالب على أن تكون كراسة التحضير ودفتر النقد عنصرًا حيا في التغذية العائدة من خبراته في التربية الميدانية. ففي كثير من الأحيان يتصور بعض الطلاب أن وظيفة كراسة التحضير تقتصر على احتوائها لخطط الدروس التي سوف يعدها الطالب، غير أن لهذه الكراسة وظيفة أخرى لا تقل أهمية عن احتوائها لخطط الدروس، حين يسجل المشرف على التربية ملاحظاته على خطط الدروس التي يعدها الطالب. بذلك تصبح مرجعًا يرجع إليه الطالب كلما أراد إعداد خطة درس جديد؛ كي يستفيد من هذه الملاحظات في تحسين خطط دروسه، وهي -أيضًا- مرآة تقدم الطالب في إعداد هذه الخطط.
ومن الأخطاء الشائعة بين طلاب التربية الميدانية أن بعضهم يكتبون ملاحظاتهم على تدريس زملائهم، وملاحظات كل من المشرف والزملاء على تدريسهم في أوراق قد يرمونها بعد انتهاء كل جلسة من جلسات النقد أو بعد انتهاء التربية الميدانية، وهم بذلك يفقدون منهلا لتقدمهم في التربية الميدانية وفي حياتهم المهنية، فهذه الملاحظات نتيجة لتحليل
المواقف التدريسية في ضوء أسس التدريس الجيد، الأمر الذي يجعل كتابتها كتابة مفصلة عاملًا مساعدًا للطالب على تكوين حصيلة ذات أهمية كبيرة في إرشاده للتدريس الجيد، ومن ثم في نموه في التربية الميدانية بخاصة، وفي بداية حياته المهنية بعامة. لذلك ينبغي أن يعد الطالب كراسة تحضير ودفتر نقد تناسبان هاتين الوظيفتين المهمتين، تكونان مرجعًا له في أدائه التدريسي.
ز- أن يتعرف الطالب على المدرسة وإدارتها ومعلميها وإمكاناتها قبل البدء في التربية الميدانية، بعض الطلاب لا يذهبون إلى المدرسة إلا يوم بدء التربية الميدانية، وقد لا يعرفون موقع المدرسة ولا طريق الوصول إليها، وقد يترتب على هذا وصولهم متأخرين عن الموعد المحدد لوجودهم بالمدرسة في اليوم الأول من التربية الميدانية، وهذا استهلال سيئ لعملهم بالتربية الميدانية، وقد يضع علامة استفهام على مدى انضباطهم بنظمها.
ولكل مدرسة نظامها في العمل طبقا لاتجاهات إدارتها. ولذلك تختلف مسئوليات المعلمين من حيت الإسهام في تطبيق النظم باختلاف الفكر الإداري السائد فيها. كما أن لكل معلم نظامه الخاص في نشاطه التدريسي. والمتوقع من الطالب أن يراعي من هذا النظام ما يتفق مع ما تعلمه من خبرات تربوية، وإذا اختلف الطالب مع المعلم في شيء -مثل العقاب البدني للتلاميذ- لأنه لا يتفق مع هذه الخبرات، فينبغي التفاهم برفق مع المعلم بشأنه حتى لا تتولد مشكلات من اختلاف وجهات النظر هذه. كما يحتاج الطالب في تدريسه إلى وسائل تعليمية سواء أكانت أجهزة أم مواد يمكن استخدامها في إعداد بعض الوسائل. زيارة الطالب للمدرسة قبل التربية الميدانية تساعده على معرفة المتاح له استخدامه من هذه الأشياء بالمدرسة حتى يأخذه في الاعتبار عند تخطيطه لتدريسه، وحتى يعد ما يحتاجه من مواد لازمة لدروسه. ومن الأهمية بمكان أن يجرب الطالب الأجهزة قبل وقت استخدامها في التدريس حتى لا يفاجأ في الفصل بعدم صلاحها، فتكون مثار تعليقات الطلاب ومدعاة لتندرهم. فضلًا عن فقدان دورها في الدرس. وزيارة الطالب للمدرسة قبل بدء التربية الميدانية وقبل الدروس يساعده على تجريب ما يشاء من أجهزة.
وأمر آخر ينبغي أن يعنى به الطالب في أثناء زيارته للمدرسة قبل بدء التربية الميدانية، هو زيارة الفصول الدراسية للوقوف على ما يتوافر فيها من معينات على التدريس، وعلى سعة حجرات الدراسة ومدى ازدحامها، ومعرفة حجم السبورة ونوعها. كما أن الوقوف على طبيعة العلاقة بين