الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم
يحث الإسلام المسلم على طلب العلم، ويستنفر قواه العقلية والحسية والوجدانية لكي تنهل من بحاره الشاسعة، والتربية الإسلامية -لكي تتحقق للفرد وتظل جزءًا لا يتجزأ من سلوكه- لا بد من أن تنبع من ذات المتعلم، ولا بد من أن تشمل كافة جوانب شخصيته وكافة جوانب حياته. وهذا لا يمكن أن يحدث ما لم يجد الفرد في إفراغ طاقته في العلم وفق معطيات عصره وحاجة مجتمعه وبيئته.
نتبين هذا من قول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". "رواه ابن ماجه".
وقال الحق، تبارك وتعالى:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 1] .
وعنى {فَرَضْنَاهَا} ألزمناكم العمل بما فرض فيها.
وكلمة "فريضة" هي الاسم من فعل "فرض""لسان العرب، 3387".
ويمكن فهم الفريضة بأنها: واجب مفروض على الإنسان أن يؤديه، ولا يجوز أن تشغله عنه المشاغل أو تقعده عنه العقبات التي يمكنه التغلب عليها. واجب يؤديه الإنسان لله تعبدًا. ومن ثم ينبغي أن يؤديه بإتقان وإخلاص؛ لأنه عمل يقرب العبد إلى ربه. وبذلك ينبغي على المسلم أن يستمر في طلب العلم طيلة حياته، وفاء لحق عبادة الله سبحانه وتعالى.
ومما يؤيد هذا القول أن أول آيات أنزلت من كتاب الله الكريم على الرسول الأمين -الذي لا يعرف القراءة والكتابة- توجه إلى وسائل اكتساب العلم، وهي القراءة والكتاب، وذلك في قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] .
وهذا يبين أن طلب العلم -الذي من أهم وسائله القراءة والكتابة- فريضة على المسلم.
ومن أهم ما يمكن ذكره لبيان أن العلم فريضة على كل مسلم، حقيقة أن العلم مؤسس للنية، وأن النية مؤسسة للعمل، أي: إن العلم والنية يسبقان أداء الأعمال.
فالعلم بوجوب العمل وأهدافه ومتطلبات أدائه ومكانه وزمانه، يكون أساسًا لأن يقرر الإنسان أنى يقوم به أو يتركه، فقد يقرر ألا يقوم بعمل ما إذا كان له الخبرة
في ذلك. وإذا قرر القيام فلا بد له من أن يكون قد عرف فيه ما يمكنه من أدائه بصورة صحيحة. فمثلًا، لا يمكن أن يصلي المسلم ما لم يعلم أن الصلاة فريضة وأن له أركانا ومواقيت وغير ذلك، لا يمكن أداء الصلاة -على الوجه الصحيح- إلا بمعرفته، وبعد هذا العلم فإنه يبدأ بالنية، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الأعمال.
ومن حيث إن النية مؤسسة للأعمال، فقد بينها حديث عمر، رضي الله عنه حين قال:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "متفق عليه".
وقد أورد ابن حجر في "باب العلم قبل القول والعمل"، قال ابن المنير:"أراد به أن العلم شرط من صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل".
وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] .
والتوجيه الرباني في هذه الآية يقدم العلم بوحدانية الله، أولا ثم يتبعه العمل وهو الاستغفار.
ويحث الله تبارك وتعالى عباده على النظر في الكون ليتبينوا قدرته على الخلق، وليروا آياته الكبرى، وليتفكروا في بديع صنعته ويؤمنوا بوحدانيته. وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، منها:
وقد جاء في تفسير هذه الآيات في مختص تفسير ابن كثير: فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. "تفسير ابن كثير: 634".
وهذا النظر لا يمكن أن يصل إلى مراد هذه الآيات الكريمات ما لم يؤسس على قدرة على التحليل والتفسير والمقارنة والاستدلال والقياس. وهذا كله مهمة كل مسلم، وبالتالي، فإن العلم الذي يقدر الإنسان على القيام بهذه المهمة يصبح ضرورة
وفريضة؛ لأنه يمكن الإنسان من الوقوف على دلالات التوحيد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
واستخلاف الله سبحانه وتعالى للمسلم في عمارة الأرض يجعل العلم فريضة عليه. فعمارة الأرض لا يقف مداها عند حدود زمنية أو مكانية. بل هي ممتدة بامتداد الأزمنة كلها، منتشرة بانتشار الأمكنة كلها، بمعنى أن المسلم مطالب بعمارة الأرض حيثما يكون ووقتما يكون.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] .
قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .
وغني عن القول أن العمارة ينبغي أن تتم باستثمار معطيات البيئة وفق مقتضيات العصر. فلكل عصر علومه وتقنيته التي ينبغي أن يتعلمها المسلم لكي يعمر بها الأرض. فمثلًا، عصر البخار وعصر الكهرباء وعصر الذرة، وعصر الفضاء والهندسة الوراثية، علومه وتقنيته التي لا يمكن عمارة الأرض فيه واستثمارها الاستثمار الأمثل، ما لم يلم الإنسان بهما.
ولكل بيئة مصادرها الطبيعية التي تحدد نوع العلم والتقنية اللازمة لاستثمارها. فالبينة الزراعية تحتاج -على سبيل المثال- إلى علوم تحليل التربة واستنباط البذور والتسميد ومقاومة الآفات وترشيد استهلاك المياه والمحافظة على البيئة من التلوث، وتسويق المحاصيل والتصنيع الزراعي، واستنباط البذور وإنتاج الجديد باستخدام الهندسة الوراثية، ومقاومة التصحر.
أما حاجة استثمار البيئة التجارية من العلوم والتقنية، فتختلف عما سبق ذكره إذ ستحتاج علم وتقنية إدارة الأعمال والمحاسبة والدراسات الخاصة بحاجات الأسواق المحلية والخارجية للسلع، وبمستوى الجودة، وبمتابعة حركة السلع المنافسة، وبآليات التسويق ومهاراته.
وبذلك يصبح اكتساب الخبرات اللازمة لعمارة الأرض وفق علوم العصر وتقنيته في مجال معين من مجالات مصادر البيئة فرض عين على من يقوم بواجب عمارة الأرض في هذا المجال. فالعلم إما أن يكون فرض عين على المسلم وإما أن يكون فرض كفاية، أي: إنه فرض على أي حال.
ويوضح حسين الشافعي، حدود كل من فرض العين وفرض الكفاية بقوله:
وينقل الإدريسي "في التراتيب" عن فقهاء الشافعية:
حكى الإمام الشافعي في "الرسالة" والغزالي في "إحياء علوم الدين" الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، قال القرافي في "الفروق": فمن باع، وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع. ومن أجر، وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة. ومن قارض، وجب عليه أن يتعلم حكم القراض، ومن صلى، وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة "1، 36-37".
ويصنف الشافعي من "قوانين الأحكام الشرعية" لابن جزي، ومنه "العلم" فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين ما يلزم من معرفة الطهارة والصلاة، فإذا دخل رمضان وجب عليه معرفة الصيام، فإن كان له مال، وجب عليه معرفة الزكاة، فإذا باع، وجب عليه معرفة البيوع، أما فرض الكفاية فهو ما زاد على ذلك. "1، 37".
ويقول أحمد العسال:
فهناك علوم عينية على كل مسلم ومسلمة وشاب وشابة لا يسع أيا منها من يجهلها أو يفرط في طلبها، وهو ما لا يصح إسلامه إلا بها من معرفة صحيحة للعقيدة والعبادة والمعاملات والسلوك والخوف والرجاء والتطهر من الذنوب والتوبة إلى الله وحسن تلاوة القرآن والتعرف على سيرة النبي الكريم ليحسن الاقتداء والتأسي.. وعلوم أخرى لا يتم الواجب إلا بها من سد حاجة الأمة وإعانتها على أداء رسالتها وإغنائها عن غيرها
…
وهي علوم الصناعات المختلفة والطب والاقتصاد وعلوم الاجتماع والسياسة وغيرها
…
فهذه كلها تعتبر من فروض الكفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا لم يوجد من المسلمين من يقوم بها أثمت الأمة كلها، كالحاجة إلى المجتهدين وأهل الذكر سواء بسواء. "3، 60".
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
ومما يجعل طلب العلم فريضة أن الله سبحانه وتعالى حين خلق للإنسان السمع والبصر والفؤاد، وحين خلق له اللسان والشفتين والعقل، فإنه خلق ذلك كله لكي يستخدمه الإنسان في التعلم والتبصر والتدبر في عناصر الكون من مخلوقات الله، سواء في نفسه أو في غيره. وهذا التبصر والتدبر يحتاج إلى تحصيل مستمر للعلم.