الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب-
التكافل الاجتماعي:
إنه لمن دواعي الأمن النفسي للفرد، والأمن في المجتمع على اختلاف طوائفه وطبقاته أن يعتقد الناس ويقر في قلوبهم أن ما عندهم من عرض الدنيا فإن الله مصدره، وأنه استخلفهم فيه لينفقوه في أبواب البر والخير وفق المنهج الذي بينه لهم، سواء أكان هذا العرض مالا أم غيره، فمثلًا لقد حدد الحق تبارك وتعالى بوضوح وجوه إنفاق المال، وأبان مهماته في الحياة بما يحفظ التكافل الاجتماعي، وبين أسس الأمن الدائم والمستقر في المجتمع. ومن أمثلة هذه الأسس ما نجده في قوله تعالى:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] .
وقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] .
ومن أهم أسس التكافل الاجتماعي أن يكون الناس جميعهم شركاء في عناصر الحياة المهمة. وهي الماء والكلأ والنار.
ولقد بين الإمام على رضي الله عنه أن عمارة الأرض -التي تعود على الرعية بالخير والتنمية- مقدمة على جمع الخراج. وذلك حين كتب إلى بعض ولاته يقول: "ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة خرب البلاد وأهلك العباد""8، 49".
وهكذا تكون مصارف الأموال العامة قنوات لتحقيق التكافل الاجتماعي والعناية بالتنمية الاقتصادية. ولقد حذر الله المسلمين من الإسراف في إنفاق المال أو اكتنازه أو أكله بالباطل. فلا ينبغي أن يسرف المسلم فيبدد ماله وتدفعه الحاجة للسؤال، كما لا ينبغي له أن يكتنزه فلا ينتفع به بالمثوبة على إنفاقه في أبواب الخير
والبر، أو يحبسه عن الإسهام في رفاه المجتمع فلا يسهم في تنمية مجتمعه، بل ينبغي توظيفه في مشروعات التنمية فيه.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .
وقال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .
ويضع الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة التكافل الاجتماعي بمعناه الشامل بأن يوجه المسلم إلى ميزان العدالة المطلقة والمسئولية الذاتية في قوله::
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه". "متفق عليه".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". "صحيح مسلم".
ومن أبلغ ما قرره الإسلام في مجال التكافل الاجتماعي عن عنايته الخاصة باليتامى واللقطاء.
فاليتيم هو من فقد أباه وهو دون البلوغ. وقد يكون هذا اليتيم رضيعًا أو طفلًا، ومن ثم فهو -على أي حال- في حاجة إلى رعاية ممن يتولى رعايته.
لذلك فقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالعناية باليتيم عناية كبيرة. قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى: 9] .
وقال تعالى: {
…
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] .
وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] .
كما أمر الله تبارك وتعالى بالمحافظة على مال اليتيم، وتوعد الذين يأكلونه بالعقاب الشديد. فقال عز من قائل:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .
وقد ضرب الله مثلًا عمليا للمحافظة على مال اليتيم في سورة الكهف حين وجه عبده الصالح بأن يقيم جدارًا، يريد أن ينقض؛ لأن تحته كنزًا ليتيمين.
وقد وجه الرسول الكريم إلى العناية باليتيم، والرفق به، فقال صلى الله عليه وسلم:"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما" ، "أخرجه أبو داود والبخاري والترمذي".
ونجد صورة رائعة أخرى للتكافل الاجتماعي في الإسلام من خلال عنايته باللقيط. فاللقيط هو المولود الذي لا يعرف نسبه، حيث نبذه أهله فرارًا من تهمة الزني أو لغير ذلك. ومن حق اللقيط في الإسلام وجوب التقاطه؛ لأن في التقاطه وصيانته إحياء نفس، ويكون التقاطه فرض كفاية في حالة رؤيته من جماعة، بحيث إذا تركوه أثموا جميعًا، وكان عليهم تبعة هلاكه إذا هلك. أما إذا لم يره سوى فرد واحد فإن التقاطه يصبح فرض عين على من رآه، ومن التقطه لا يجوز له التخلي عنه؛ لأن في ذلك هلاكه "12، 114-115".
ويشترط الإسلام لحماية اللقيط أن يكون من يرعى اللقيط مسلمًا، بالغا، عاقلًا، رشيدًا، حرا، أمينا، قويا، قادرًا، عدلًا، مقيما في المدينة أو القرية التي التقط منها؛ لأن هذا أرجى لكشف نسبه "12، 15".
ومن رحمة الله على اللقيط أن جعل الإنفاق عليه فرض كفاية، فإذا وجد متبرع بالإنفاق عليه سواء أكان ملتقطه أو غيره، فهذا فضل وإحسان يثاب عليه دون أن يستحق الرجوع بما أنفق، أما إذا أنفق على اللقيط بنية الرجوع عليه، وكانت النفقة بالعدل والقسط والمعروف وبإذن من الحاكم. فللمنفق حينئذ حق الرجوع على اللقيط إذا أيسر "12، 116-117" وإذا لم يتيسر من ينفق على اللقيط ينفق عليه من بيت المال.
وما تكررت صورة للتكافل الاجتماعي في مجتمع إنساني كما حدثت بين الأنصار والمهاجرين. إذ كان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين وليس في بيته من الزاد إلا قوت صبيانه، فيؤثره على نفسه وعياله قائلًا لزوجته: نومي صبيانك وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونجلس معه إلى المائدة، نوهمه أننا نأكل معه ولا نأكل. ويجلسون إلى المائدة ويأكل الضيف وحده ويبيت الزوجان طاويين "9، 66".
وحسب الأنصار ثناء الله عليهم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
هذا هو المجتمع المسلم الذي أسس على العقيدة الغراء والشريعة السمحة.
فلولا وجود هذا المجتمع المحمدي لظن الناس أن المجتمع المسلم مجتمع معنوي لا يمكن تحقيقه في الواقع. ومجتمع هذا شأنه لا بد أن يصل إلى درجة الكمال أبعد من مألوف البشر. ولا غرو في ذلك، فهو مجتمع تكون وفق المنهج الإلهي.
وعلى وجه العموم، فقد فتح الإسلام أبوابًا كثيرة للتفاعل الاجتماعي. فإضافة إلى الزكاة على اختلاف أنواعها والصدقة على اتساع مداها مثل: الهبة والعطية والفيء، رغب في الإنفاق في سبيل الله في مثل قوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
بهذه الآفاق الرحيبة من التكافل الاجتماعي. لا يتوقع أن يكون في المجتمع المسلم جائع أو محروم أو ذو حاجة ما دام متمسكًا بمنهج الله. بل يحدثنا التاريخ أنه جاء زمن لم يوجد في هذا المجتمع من يستحق الزكاة، واستقرت الجنوب في المضاجع وأقفرت الجفون من المدامع وعم الأمن والأمان.