الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا، علمًا بأن الواجب على علماء المسلمين أن يتابعوا الاجتهاد، ليس فقط من أجل المشكلات التي يواجهها المسلمون ولا يجدون لها حلا عند العلماء فينفد صبر الشباب ويغامر للفتيا دون أساس أو تأهيل لذلك، ولكن ينبغي عليهم أيضًا أن يستبقوا حدوث هذه المشكلات -باستقرائها استبصارا وحدسًا ونفاذ بصيرة- ويحاولوا استنباط حلول لها.
فالحياة المعاصرة تتغير وتتبدل كل يوم، والمسلمون يقفون حيارى أماما أنماط جديدة من المكتشفات العلمية، وما تفرزها من مشكلات. وما لم يجد المسلمون لها حلول مستنبطة من الإسلام، سوف تستورد حلولها من المجتمعات الأخرى، أو يغامر غير القادرين على الفتيا بحلول منسوبة إلى الإسلام تكون في غالبها -ما لم تكن جميعها- تضليلًا للمسلمين، وهذان أمران أحلاهما مر.
ولعلنا لا نذهب بعيدًا عن الواقع إذا ما قلنا: إن العزوف عن الاجتهاد قد أسهم في دفع المسلمين إلى أن يتبعوا غير المسلمين، وفي تفرق المسلمين داخل العالم الإسلامي شيعًا وأحزابًا، وفي بعد المسلمين عن جوهر عقيدتهم ومنهج دينهم القويم.
سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله
إن الإسلام دين السلام والأمن، فحيث طبق شرعه، واتبع منهجه حل السلام والأمن بين الناس في داخل المجتمع المسلم، كما نشأت علاقات هذا المجتمع بغيره من المجتمعات على أسس حسن الجوار والمودة والتعاون لخير البشرية جمعاء.
وأمن المجتمعات الخارجي، لا ينفصل عن أمنها الداخلي، فهما مترابطان، ويتأثر كل منهما بالآخر. وإذا اهتز أمن المجتمع الخارجي أثر تأثيرًا سلبيا على أمنه الداخلي، وكذلك الأمر بالنسبة لأثر الأمن الداخلي على الأمن الخارجي. لذلك أمر الإسلام بالإعداد لتوافر كلا الأمنين. فالمسلمون مكلفون بأن يجاهدوا أنفسهم وأن يجاهدوا غيرهم دفاعا عن دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. وجهاد النفس يكون بإلزامها بمنهج الله قولًا وعملًا، والجهاد للدفاع عن دين الله والمستضعفين في الأرض يكون بدفع البغي عن ديار المسلمين في كل أرض، وفي كل وقت وحين.
ويكن فهم الجهاد من الوجهة الشرعية بأنه "استفراغ الطاقة في مدافعة الأعداء، وقتالهم ويطلق على جهاد النفس والشيطان والفاسقين "14، 86".
ويتسع نطاق الجهاد ليشمل جميع جوانب الحياة في المجتمع. بل إن الجهاد بهذا المعنى يصبح مع الاجتهاد مولدًا دائمًا لطاقة التغيير في المجتمع المسلم واستثمار مصادره الطبيعية لصالح المسلمين وتقدمهم.
وقد حث الله تبارك وتعالى على الجهاد في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .
وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج: 78] .
وقد أوضح الرسول الأمين فضل الجهاد في سبيل الله في قوله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". "متفق عليه".
وقال صلى الله عليه وسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها". "متفق عليه"
وحذر الله تبارك وتعالى المسلمين من الانشغال بشئون دنياهم عن الجهاد في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
كما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم تاركي الجهاد في قوله: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى ديناكم". "رواه أبو داود".
ومما يدل على أن الجهاد ركيزة مهمة من ركائز المجتمع المسلم، فإن الله قد جعله فرض عين على الذين يشتركون في المعارك، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45] .
كما أمر الله المسلمين كافة بالجهاد. إذا ما هاجم الكفار ديار المسلمين، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: {123] .
كما أن إصلاح ذات البين في المجتمع المسلم جهاد في سبيل الله. وذلك حتى لا تتفكك عرى المسلمين، وينقسموا شيعًا وأحزابًا، ينتصر كل حزب لفريق من المتخاصمين، وحتى لا تستهلك قوة المسلمين في الاقتتال فيما بينهم بدلا من أن توجه ضد أعداء الله، وحتى لا يضعف المسلمين فيغري هذا أعداءهم باحتلال بلادهم وتبديل دينهم، والذهاب بطريقتهم ومنهجهم. وقاية من هذا كله كلف الله المسلمين بأن يصلحوا بين المسلمين المتقاتلين، وكسر شوكة الباغي منهم ثم عقد الصلح بينهم بالعدل والقسط. وقد جاء هذا التوجيه صريحًا في قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] .
ومن أسس الجهاد في سبيل الله أن يكون المسلمون على أهبة الاستعداد دائمًا للدفاع عن دينهم وعقيدتهم. وذلك بالأخذ بأسباب القوة طبقًا لمعايير العصر ومستحدثاته، وإعداد القوة المتيقظة الواعية المؤمنة بربها الحفيظة على دينها المتمسكة بعقيدتها القادرة على الدفاع عن دين الله، إذا ما حاول أعداء المسلمين وأعداء الله غزو بلاد المسلمين. وقد جاء هذا التوجيه في قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] .
ومن أسس الجهاد في سبيل الله، أن يستخدم المسلمون القوة التي أمرهم الله بإعدادها للجهاد في سبيل الله، وفي سبيل نصرة المستضعفين من المؤمنين.
نستبين هذا من قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .
ومن أسس الجهاد الثبات وعدم الفرار. فقد توعد الله من يولي الكفار دبره بغضبه، ووعد من يستشهد في الجهاد بالجنة، فقد قال عز وجل:
وقال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 169، 170] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] .
ويعلق الشعراوي على ذلك بقوله:
فإذا ما كان الثمن الجنة فليتعجلها "المجاهد" كما تعجلها الصحابي الذي قال لرسول الله: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أذهب إلى هؤلاء أقاتلهم فيقتلوني؟ قال: "نعم"، وكانت في فمه تمرات، فاستطبأ أن يظل حيا إلى أن يمضغ هذه التمرات، وألقى بالتمرات خارج فمه، وخاض المعركة فقتل. "5، 100".
ومن أسس الجهاد، في سبيل الله احترام المواثيق والمعاهدات في المجتمعات الأخرى، فرغم أن الإسلام يحض على نصرة المسلم، إلا أنه يستثني من هذه القاعدة ما سبق عليه ميثاق. وقد جاء هذا في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72] .
والإسلام لم يؤسس الأمن الخارجي للمجتمع على إعداد القوة واستخدامها ضد أعداء الله دون تدبر أو روية، فإن كثيرًا من الأهداف التي تحققها الحروب يمكن تحقيقها بصنع السلام، لذلك حض الله المسلمين على أخذ السلم إذا ما سنحت فرصته، وذلك في قوله تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] .