الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَنَحْوه / 136 - أ / (لَا تخفى) قيل: فالمرتبة الثَّالِثَة بل الرَّابِعَة، مَا أُفرِد بِصفة لم تؤكَّد كثقة، أَو حَافظ، أَو حجَّة، أَو ضَابِط. وَالرَّابِعَة، قَوْلهم: لَا بَأْس بِهِ، أَو لَيْسَ بِهِ بَأْس، أَو صَدُوق، أَو مَأْمُون، أَو خيَار، فَكل مَن قيل فِيهِ الْمَرَاتِب الثَّلَاث الأوَل يُحتج بحَديثه، ومَن قيل فِيهِ الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة يُكْتَبُ حَدِيثه وَينظر فِيهِ، قَالَ ابْن الصّلاح: لِأَن هَذِه الْعبارَات لَا تُشْعِر بشريطة الضَّبْط، فَينْظر فِي حَدِيثه، ويُختبر حَتَّى يُعرف ضَبطه.
وَاعْلَم أَنه جعل المُصَنّف هُنَا الْمرتبَة الأولى مَا ذكر فِيهِ أفعل، وهم لم يتَعَرَّضُوا لذَلِك بل جعلُوا الْمرتبَة الأولى هُنَا مَا أُفرِد بِصفة كثقة، أَو ثَبْت، وَفِي مَرَاتِب الْجرْح مَا جعله ثَانِيَة، وَأَيْضًا وَقع مِنْهُم اخْتِلَاف، بَعضهم جعلُوا مَا [هُوَ] فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة مرتبَة ثَانِيَة، وَبَعْضهمْ عكسوا فِي الْمقَال، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
(
[أَحْكَام الْجرْح وَالتَّعْدِيل] )
(وَهَذِه) الْمسَائِل الْآتِيَة بعد ذَلِك، وَهِي: قَبول التَّزْكِيَة من عَارِف بأسبابها الخ (أَحْكَام تتَعَلَّق بذلك) أَي بِمَا ذكر من مسَائِل الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وأنواعها (وذكرتها) أَي الْمسَائِل الْآتِيَة.
(هُنَا) أَي بعد مسَائِل الْجرْح [وَالتَّعْدِيل] . (لتكملة الْفَائِدَة) أَي لتكميل
الْفَائِدَة الْمُتَعَلّقَة لأَحَدهمَا بِالْأُخْرَى.
(فَأَقُول:) أَي فِي الْمَتْن. (وَتقبل) بالتذكير والتأنيث وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: وَيقبل (التَّزْكِيَة من عَارِف بأسبابها) أَي بِأَسْبَاب التَّزْكِيَة من مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل. (لَا من غير عَارِف) تَصْرِيح [196 - ب] بِمَا عُلِمَ ضِمناً، وَأَعَادَهُ لِيُنَاطَ بِهِ قَوْله:(لِئَلَّا يُزكي) أَي غير الْعَارِف. (بِمُجَرَّد مَا يظْهر لَهُ ابْتِدَاء من غير ممارسة) من بَيَان مَا. (واختبار) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَعطفه للتفسير، أَي امتحان فِي الرَّاوِي، وَكَذَا الحكم فِي التجريح، وَلَعَلَّه سكت عَنهُ لما أَنه هُوَ الأَصْل فِي بَاب الرِّوَايَة، وَإِن كَانَ الأَصْل فِي بَاب الشَّهَادَة عكسَ ذَلِك.
(وَلَو) وصلية أَي (وَلَو كَانَت التَّزْكِيَة صادرة)(من)(مزك)(وَاحِد) أَشَارَ الشَّارِح إِلَى أَنه صفة مَوْصُوف مَحْذُوف.
(على الْأَصَح) أَي بِنَاء على القَوْل الْأَصَح، إِشَارَة إِلَى مَا قيل: إِن الشَّهَادَة تقبل / بمزك وَاحِد إِلْحَاقًا لَهَا بالتزكية فِي الرِّوَايَة، وَيدخل [فِيهِ] تَعْدِيل الْمَرْأَة الْعدْل، وَالْعَبْد الْعدْل، وَقد اخْتلفُوا فِي تَعْدِيل الْمَرْأَة، فَحكى القَاضِي أَبُو بكر عَن أَكثر الْفُقَهَاء من أهل الْمَدِينَة وَغَيرهم أَنه لَا يقبل تَعْدِيل النِّسَاء لَا فِي الرِّوَايَة [وَلَا] فِي الشَّهَادَة، [وَاخْتَارَ القَاضِي أَنه يقبل تَزْكِيَة الْمَرْأَة مُطلقًا فِي الرِّوَايَة]
وَالشَّهَادَة] ، وَأما تَزْكِيَة العَبْد فقد قَالَ القَاضِي أَبُو بكر: يجب قَبولها دون الشَّهَادَة، لِأَن خبرَه مَقْبُول، وشهادته غيرُ مَقْبُولَة.
(خلافًا لمن شَرط أَنَّهَا) أَي التَّزْكِيَة (لَا تقبل إِلَّا مِن اثْنَيْنِ) أَي مُزْكِّيَين (إِلْحَاقًا لَهَا) أَي للرواية، أَو للتزكية، وَهُوَ ظَاهر / 136 - ب / عِبَارَته. فَقَوله:(بِالشَّهَادَةِ) أَي بالتزكية فِي الشَّهَادَة كَمَا فِي كَلَام ابْن الصّلاح وَغَيره. (فِي الْأَصَح أَيْضا) فَإِن الْأَصَح أَن مُعَدِّل الشَّاهِد يجب أَن يكون اثْنَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: يَكْفِي معدٌ ل وَاحِد، ونُقِل عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف الِاكْتِفَاء بِالْوَاحِدِ فِي التَّزْكِيَة فِي الشَّهَادَة، وَكَذَا فِي الرِّوَايَة، [197 - أ] ، وَإِنَّمَا اكتفَوا بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْمُزَكي للراوي نَاقِلا عَن غَيره، فَهُوَ من جملَة الْأَخْبَار، وَإِن كَانَ اجْتِهَادًا من قِبِل نَفسه، فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْحَاكِم، وَفِي الْحَالَتَيْنِ لَا يشْتَرط التَّعَدُّد.
(وَالْفرق بَينهمَا) أَي بَين مزكي الرَّاوِي ومزكي الشَّاهِد. (أنّ التَّزْكِيَة تُنَزَّل) بتَشْديد الزَّاي الْمَفْتُوحَة. (منزلَة الحُكم) بِالنّصب على المصدرية. (فَلَا يشْتَرط فِيهَا الْعدَد) إِذْ [لَا] يحصل بهَا عَدَالَة الرَّاوِي، وَلَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى حكم أحد.
(وَالشَّهَادَة [تقع من الشَّاهِد] عِنْد الْحَاكِم فَافْتَرقَا) وَحَاصِل الْفرق: أَن
تَزْكِيَة الرَّاوِي حكمٌ بِزَكَاتِهِ، وتزكية الشَّاهِد شهادةٌ على زَكَاته، فَلَا بُد من الْعدَد فِي الْأَخير دون الأول فَتَأمل. ثمَّ أَشَارَ الشَّيْخ إِلَى مَا اتَّجَهَ عِنْده من تَخْصِيص مَحل الْخلاف بِمَا إِذا كَانَت التَّزْكِيَة مُسْتَنده إِلَى النَّقْل فَقَالَ:
(وَلَو قيل: يُفَصَّل) بِالتَّخْفِيفِ، أَو التَّشْدِيد، أَي يُفَرَّق ويُمَيز (بَين مَا إِذا كَانَت التَّزْكِيَة فِي الرَّاوِي مستندة) بِكَسْر النُّون أَو فتحهَا. (من الْمُزَكي إِلَى اجْتِهَاده، أَو إِلَى النَّقْل) أَي الرِّوَايَة (عَن غَيره، لَكَانَ مُتَّجهاً) بِضَم مِيم، وَتَشْديد التَّاء، وَكسر الْجِيم، أَي مُتَوَجها ومُوَجَّهاً، وَفِي نُسْخَة: متخرّجاً بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل من بَاب التفعيل من الْخُرُوج، وتكلف محشٍ فِي مَعْنَاهُ بِنَاء على أَنَّهَا أَصله وَقَالَ: التخرج بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وبالجيم رَسِيدَنْ بِعلم يَعْنِي: الْوُصُول إِلَى الْعلم، وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف، وَفِي تَصْحِيحه تكلّف.
(لِأَنَّهُ) أَي التَّزْكِيَة، وذَكَّرَ لِأَنَّهَا بِمَعْنى التَّعْدِيل. (إِن كَانَ) أَي التَّعْدِيل، (الأول) أَي الْقسم الأول، وَهُوَ المستندِ إِلَى الِاجْتِهَاد.
(فَلَا يشْتَرط الْعدَد) أَي فِيهِ (أصلا لِأَنَّهُ حينئذٍ يكون بِمَنْزِلَة الْحَاكِم) حَيْثُ يحكم بِاجْتِهَادِهِ، ورأُيه لَا يَنْقُلهُ [197 - ب] عَن أحد فَلَا يحْتَاج إِلَى عدد
(وَإِن كَانَ) أَي التَّعْدِيل. (الثَّانِي) أَي الْقسم الثَّانِي، وَهُوَ المستنِد إِلَى التَّقْلِيد (فَيجْرِي فِيهِ الْخلاف) أَي الْمَذْكُور فِيمَا سبق.
(وَتبين) أَي ظهر من الْفرق الْمَذْكُور. (أَنه) أَي الثَّانِي. (أَيْضا) أَي كَالْأولِ. (لَا يشْتَرط الْعدَد) أَي فِيهِ. (لِأَن أصل النَّقْل) أَي فِي الرِّوَايَة، وَيُؤَيِّدهُ كَلَام محش أَي نقل الحَدِيث وَقَالَ السخاوي: أَي سَوَاء كَانَ فِي الرِّوَايَة، أَو التَّزْكِيَة. (لَا يشْتَرط / فِيهِ) أَي [فِي] . الْمُزَكي. (الْعدَد، فَكَذَا) أَي لَا يشْتَرط الْعدَد (فِيمَا تفرّع عَنهُ) أَي فِيمَا / 137 - أ / يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من التَّزْكِيَة، أَو النَّقْل الْخَاص، وَحَاصِله أَنه لَا يشْتَرط الْعدَد فِي قَبول الْخَبَر، فَلم يُشترط فِي جرح رَاوِيه وتعديله بِخِلَاف الشَّهَادَة.
(وَالله سُبْحَانَهُ أعلم) وَيفهم من قَوْله: وَتبين الخ أنّ قَوْله: لَكَانَ مُتِّجِهاً لَيْسَ بمرضي عِنْده، بل المرضي عِنْده أَن الْوَاحِد يَكْفِي فِي الِاجْتِهَاد وَالنَّقْل، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(وَيَنْبَغِي) أَي يجب (أَن لَا يُقْبَلَ الْجرْح) أَي التجريح. (وَالتَّعْدِيل) أَي تجريح أحد وتعديله. (وَإِلَّا مِن عدل متيقِظ) اسْم فَاعل من الْيَقَظَة، من بَاب التفعيل، أَي من مُسْتَحْضِرٍ ذِي يقظة تحمِلُه على التَّحَرِّي، [والضبط] فِيمَا يصدر عَنهُ.
(فَلَا يقبل) بِصِيغَة الْمَفْعُول. (جرحُ مَن أفرط) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، وَلَو جعل الضَّمِير فِي قَوْله:(فِيهِ) رَاجعا إِلَى الرَّاوِي الْمَذْكُور ضِمناً، وَجعل قَوْله:(فَجَرحَ) مِن وضع الظَّاهِر موضَع الضَّمِير الْعَائِد إِلَى مَن، لَكَانَ من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل، وَهُوَ الأولى لسياق الْكَلَام مِن سباقه ولحاقه. وَقَوله:
(بِمَا لَا يَقْتَضِي) مُتَعَلق ب: أفرط، وَالْمعْنَى لَا يُقبل جرحُ مَن تعدّى فِي جرح راو مِمَّن يدّعي أَنه مجرح [بِجرح] لَا يَقْتَضِي (ردا) أَي نوعا من الرَّد (لحَدِيث المحدِّث، كَمَا لَا تقبل تَزْكِيَة من أَخذ بِمُجَرَّد الظَّاهِر، فَأطلق التَّزْكِيَة) من غير تيقظ، وتحرٍ [198 - أ] ، وَتحفظ، والقائم بِهَذَا المنصب الْعَظِيم فائزٌ بالثواب الجسيم، وَالْمقَام الْكَرِيم. قَالَ السخاوي: رأى رجلٌ عِنْد موت [يحيى] بن مَعين النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَأَصْحَابه مُجْتَمعين، فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب اجْتِمَاعهم [أَي فِي الْمَنَام]، فَقَالَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: جِئْت لأصلي على هَذَا الرجل، فَإِنَّهُ كَانَ يذُب الْكَذِب [عَن حَدِيثي]، وَنُودِيَ بَين نعشه: هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِب عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ رُؤِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ: مَا فعل الله تَعَالَى بك؟ قَالَ: غفر الله لي، وَأَعْطَانِي، وحيّاني، وزوجني حوراً وأدخلني عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ، وَقيل فِيهِ شعر:
(ذَهَبَ العليمُ بعيبِ كُلِّ مُحَدِّثٍ
…
وبكلِّ مُخْتَلِفٍ من الإِسْنَادٍ)
(وبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الحَدِيث ومُشْكِلٍ
…
يُعْنَى بهِ عُلمَاءُ كُل بِلادِ)
انْتهى. وَهُوَ الَّذِي وَقع [لَهُ] أَنه حِين لَقَّنُوه لَا إِلَه إِلَّا الله [حدّث بِحَدِيث: " من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله] دخل الْجنَّة " [وَقبض] روُحه حِين وُصُوله: إِلَّا الله، وَوَقع لَهُ أَنه غُسِّل على السرير الَّذِي غُسِّل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فهنيئاً لَهُ ثمَّ هَنِيئًا لَهُ.
(وَقَالَ الذَّهَبِيّ - وَهُوَ) أَي الذَّهَبِيّ (مِن أهل الاستقراء التَّام) أَي التتبع الْكَامِل (فِي نقد الرِّجَال -:) أَي خُصُوصا، وَقد قَالَ:(لم يجْتَمع اثْنَان) أَي عَدْلَانِ متيقظان (من عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن قطّ على تَوْثِيق ضَعِيف) أَي ممَن أشتهر ضعفه، فَإِن لم يُوجد اثْنَان اتفقَا على توثيقه بل وَاحِد، أَو لم يُوجد أصلا. (وَلَا) أَي وَلَا / 137 - ب / اجْتمع اثْنَان كَمَا ذكرنَا. (على تَضْعِيف ثِقَة. انْتهى) فِي حَاشِيَة التلميذ: قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: يَعْنِي يكون سَبَب ضعفه شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين، وَكَذَا عَكسه.
قلت: لم يَقع المُصَنّف على علم ذَلِك، وَلم يفهم المُرَاد من قَبِل [198 - ب] هَذَا من المُصَنّف، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن اثْنَيْنِ لم يتَّفقَا [فِي شخص على خلاف الْوَاقِع فِي الْوَاقِع، بل لَا يتفقان إِلَّا على مَن فِيهِ شائبةٌ مِمَّا اتفقَا] عَلَيْهِ انْتهى. وَالْأَظْهَر أَن مَعْنَاهُ لم يتَّفق اثْنَان من أهل الْجرْح وَالتَّعْدِيل غَالِبا على تَوْثِيق ضَعِيف وَعَكسه، بل إِن كَانَ أَحدهمَا ضَعَّفَهُ، وثَّقَهُ الآخر، أَو ثِقَة أَحدهمَا ضَعَّفَهُ الآخر، بِسَبَب الِاخْتِلَاف مَا قَرَّرَهُ المُصَنّف بِأَن يكون سببُ ضعفٍ الرَّاوِي شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين عِنْد الْعلمَاء فِي صَلَاحِية الضعْف وَعَدَمه فَكل وَاحِد مِنْهُمَا تعلق بِسَبَب فَنَشَأَ الْخلاف، فَعلم من هَذَا التَّقْرِير أَن التلميذ لم يُصِب فِي التَّحْرِير، وَلم يُفهم المُرَاد مَعَ أَنه المطابِق لما ذكره فِي المَال، والمُفَاد.
(عِبَاراتُنَا شَتَّى وحُسْنُكَ وَاحِدٌ
…
فَكُلَّ إِلَى ذَاك الجَمَالِ يُشِيرُ)
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُنَاسب لتعليله بقوله:
(وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب النَّسَائِيّ أنْ لَا يُتْرَكَ حديثُ الرجل حَتَّى يجْتَمع الْجَمِيع) أَي الْأَكْثَر.
(على تَركه) فَإِن التَّعَارُض، يُوجب التساقط، وَكَأن النَّسَائِيّ ذهب إِلَى أَن الْعَدَالَة مقدمةٌ على الْجرْح عِنْد التَّعَارُض، بِنَاء على أَن الأَصْل هُوَ الْعَدَالَة بِخِلَاف الْجُمْهُور كَمَا سَيَجِيءُ، وَبِهَذَا ينْدَفع مَا قَالَ محشِ اعتراضاً على التَّعْلِيل: فِيهِ أَن مَا يتَفَرَّع على قَول الذَّهَبِيّ إِنَّمَا هُوَ هَذَا: لَا يتْرك حَدِيث الرجل حَتَّى يجْتَمع على تَركه اثْنَان، أَو: يتْرك حَدِيث الرجل إِذا اجْتمع على تَركه اثْنَان، لَا مَا ذكره من قَوْله:
يجْتَمع [الْجَمِيع] على تَركه انْتهى. وَقد ذكر شَارِح هُنَا مَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَلما كَانَ منشأ تضعيفٍ الثِّقَة، وتوثيق الضَّعِيف، إِنَّمَا هُوَ التساهل فِي تَحْقِيق سَببه، وَإِلَّا لما وَقع الْخلاف فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قَالَ:
(ولْيَحْذرِ الْمُتَكَلّم) أَي من أهل الْجرْح وَالتَّعْدِيل. (فِي هَذَا الْفَنّ) أَي فن الحَدِيث. (من التساهل [199 - أ] ) أَي من تساهله، وَعدم تَحْقِيقه.
(فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل) أَي لأحد من الروَاة. (فَإِنَّهُ) أَي الْمُتَكَلّم. (إِن عدّل) بِالتَّشْدِيدِ أَي نسب رَاوِيا إِلَى الْعَدَالَة. (بِغَيْر تثبت) أَي بِغَيْر دَلِيل، وبرهان، وتعليل وَبَيَان. (كَانَ) أَي الْمُتَكَلّم. (كالمُثْبِت حكما لَيْسَ بِثَابِت) وَإِنَّمَا قَالَ: كالمثبت لِأَنَّهُ بنى حكمه على سَبَب، لكنه تساهل فِيهِ.
(فيُخشى عَلَيْهِ أَن يدْخل فِي زُمْرِة " مَن رَوَى حَدِيثا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذِب ") لِأَنَّهُ مَعَ التساهل فِيهِ لم تحصل لَهُ غَلَبَة الظَّن على عَدَالَته، فَيصدق عَلَيْهِ / 138 - / أَنه [ظن أَنه] كذب، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَهَّمَ أَنه صدق، فَلَا يَنْفَعهُ حِينَئِذٍ، فَإِن بعض الظَّن إِثْم.
(وَإِن جرّح) بِالتَّشْدِيدِ أَي نسب رَاوِيا إِلَى الْحَرج. (بِغَيْر تَحَرُّزٍ) تَفَعُّل من
الحِرز بِتَأْخِير الزَّاي عَن الرَّاء وَهُوَ التخمين، وَالظَّن الْغَالِب، أَو مَعْنَاهُ بِغَيْر احْتِرَاز واحتياط، أَو مَعْنَاهُ بِغَيْر تحفظ، فَإِنَّهُ يُقَال: تَحَرَّز نَفسه، أَي جعله فِي حرز، وَأما قَول محشٍ: هُوَ بالراء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة أَي الحِرز، فَهُوَ حَاصِل الْمَعْنى لَا وَاصل المبنى.
(أَقْدَمَ) أَي دخل بجرأة (على الطعْن) أَي الْقدح. (فِي مُسلم بَرِيء) يحْتَمل أَن يكون صفة مشبَّهة على زِنَة فعيل، وَأَن يكون فعلا مَاضِيا بِكَسْر الرَّاء، أَي متنزه أَو تنزه. (من ذَلِك) أَي فِي نفس الْأَمر، أَو بِاعْتِبَار غَلَبَة الظَّن.
(ووسَمَه) عطف على أقدم / أَو حَال مِن فَاعله، أَي أعلمهُ وشَهَّرَهُ، وفضحه. (بِمِيسَمِ سوءٍ) أَي بِعلامة مذمومة، والمِيسم بِكَسْر الْمِيم آلَة الكي، أُرِيد بهَا الْعَلامَة الْحَاصِلَة بهَا مجَازًا. (يبْقى عَلَيْهِ) أَي حَال حَيَاته ومماته على أَتباعه وذرياته.
(عَارُهُ) أَي مَا يُعيَّر بِهِ. (أبدا) أَي دَائِما بِحَسب الظَّاهِر عِنْد النَّاس، وَإِن كَانَ مبرأً فِي الْحَقِيقَة عِنْد الله عز وجل، وَكَذَا عِنْد العارفين بِحَالهِ وَحسن فِعاله.
(والآفات) أَي الْكَثِيرَة. (تدخل فِي هَذَا) أَي هَذَا الْبَاب من هَذِه [199 - ب] الوتيرة. (تَارَة من الْهوى) أَي هوى النَّفس من الْحَسَد والغِل والغِش الكائنة فِي الْبَاطِن. (وَالْغَرَض الْفَاسِد) من الْعَدَاوَة والتعصب المذهبي والرياء والسمعة مِمَّا يتَضَمَّن من تَزْكِيَة النَّفس كَمَا هُوَ الْمشَاهد فِي كثير من الْمُتَأَخِّرين (وكلامُ الْمُتَقَدِّمين) أَي من السّلف وَالْخلف الصَّالِحين. (سَالم من هَذَا غَالِبا) أَي
مَعَ احْتِمَال غَيره نَادرا.
(وَتارَة من الْمُخَالفَة فِي العقائد) فَإِن بعض أهل السّنة يطعنون فِي الرَّاوِي إِذا كَانَ رَافِضِيًّا، أَو خارجياً، أَو غَيرهمَا مَعَ كَونه ظَاهر الْعَدَالَة نظرا إِلَى بدعته، وَأما الروافض والنواصب فعلماؤهم مَا يعتبِرُون رُوَاة أهل السّنة بِالْكُلِّيَّةِ، بل لَا يَقُولُونَ بعدالة أَكثر الصَّحَابَة فضلا عَن غَيرهم، وَلذَا لم يلتفتوا إِلَى حَدِيث الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهم، وَأما جَهَلَتُهم فيكفِّرون أهل السّنة إِمَّا فِي اعْتِقَادهم، وَإِمَّا فِي ارْتِكَاب الْكَبَائِر على مُقْتَضى مَذْهَبهم.
(وَهُوَ) أَي مَا ذكر من [أَن] الطعْن فِي الرَّاوِي تَارَة يكون لمُخَالفَة العقيدة. (مَوْجُود كثيرا قَدِيما وحديثاً) أَي فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، وَإِن كَانَ فِي الحَدِيث [حَدَث] أَكثر.
(وَلَا يَنْبَغِي) أَي لَا يجوز (إِطْلَاق الْجرْح بذلك / 138 - ب /) أَي بِمَا ذَكرْنَاهُ من مُخَالفَة العقيدة، فَإِنَّهُ يخْتل بِهِ الدِّرَايَة لانسداد بَاب الرِّوَايَة، وَلذَا وُجِد الشيعي والناصبي فِي رجال الشَّيْخَيْنِ.
(فقد قدمنَا تَحْقِيق الْحَال) أَي وَبسط الْمقَال. ( [فِي الْعَمَل] بِرِوَايَة المبتدعة) أَي وَإِن كَانُوا هم أهل الْجَهَالَة والضلالة. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْوُجُوه الَّتِي تدخل مِنْهَا الآفة خَمْسَة.