الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصِّحَّة وَالْحسن، فَأُجِيب بِأَنَّهُ بِحَسب إسنادَين، فأورِدَ أَنه يَقُول: حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، فَأُجِيب بِمَا ذُكِر. وَمِنْهُم مَن أجَاب بالترادف فِي الْمَعْنى، يَعْنِي أَنه يَصح الِاسْتِدْلَال بِكُل مِنْهُمَا وَيحسن الْعَمَل بهما. فَقيل: لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ خلاف المتعارَف. وَقيل: يَردُ بِأَصْل التَّشْبِيه.
(
[الْكَلَام حول قَوْلهم: حسن صَحِيح] )
(ومحصل الْجَواب) أَي الْمُتَقَدّم: (أَن [59 - أ] تَرَدُّد أَئِمَّة الحَدِيث) أَي اخْتِلَاف حُذاقِهم، ونُقادِهم العارفين بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل، (فِي حَال ناقله) أَي أحد رُوَاته حَيْثُ يُرَقيه بَعضهم إِلَى مرتبَة الصِّحَّة. ويحط بَعضهم عَنْهَا إِلَى مرتبَة الْحسن، (اقْتضى للمجتهد) أَي كالترمذي، وَأَمْثَاله، (أنْ لَا يصفه بِأحد الوصفين) أَي فَحسب لما حصل لَهُ من التَّرَدُّد الْحَاصِل من اخْتلَافهمْ، (فيقل) الْأَظْهر فَيَقُول (فِيهِ: حسن بِاعْتِبَار وَصفه) أَي وصف الحُسن، (عِنْد قوم) أَي من الحُذّاق، (صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه) أَي صَحِيح.
(عِنْد قوم) أَي آخَرين مِنْهُم. وَفِيه: أَنه يلْزم أَن يكون التِّرْمِذِيّ، بل البُخَارِيّ مُقَلدًا فِي التَّصْحِيح، والتحسين. وَالْمَفْهُوم من الْجَواب: أَولا هُوَ أنّ الْجمع بَين الوصفين إِنَّمَا هُوَ لحُصُول التَّرَدُّد الناشيء من الْمُجْتَهد كالبخاري، وَالتِّرْمِذِيّ مثلا فِي حق الرَّاوِي، وَلم يَقُم عِنْده مَا يُرَجّح أَحدهمَا على الآخر، وَإِلَّا فالصحة عِنْد
قوم تجامع الْحسن عِنْد قوم آخَرين، فَالْأَظْهر أَن يَجْعَل ذَلِك جَوَابا آخر وَيُقَال: معنى قَوْلهم حسن صَحِيح أَنه حسن عِنْد قوم صَحِيح عِنْد آخَرين.
(وَغَايَة مَا فِيهِ) أَي فِي الْجَواب وَنِهَايَة مَا فِيهِ من الِاضْطِرَاب
(أَنه حذف مِنْهُ حرف التَّرَدُّد) وَفِي / 44 - أ / نُسْخَة: أَنه حذف أَي الْمُجْتَهد حرف التَّرَدُّد مَعَ أنّ كُلاً من النسختين صَحِيح ومؤداهما وَاحِد سَوَاء قرئَ حَذَف بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل، أَو الْمَفْعُول بِأَدْنَى اعتناء. وَالْمرَاد بِحرف التَّرَدُّد حرف الشَّك، أَو
التنويع وَهُوَ أَو. (لأنّ حَقه أَن يَقُول: حسن أَو صَحِيح) فَفِي الرّضِي وَقد يحذف وَاو الْعَطف. قَالَ أَبُو عَليّ: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت} أَي وَقلت. وَحكى أَبُو زيد: أكلت سمكًا، لَبَناً، تَمرا. وَقد يحذف أَو كَمَا تَقول: لمن قَالَ: آكلُ السّمك، وَاللَّبن؟ كُلْ سمكًا لَبَناً أَي أَو لَبَنًا. وَذَلِكَ لقِيَام قرينَة دَالَّة على أنّ المُرَاد أَحدهمَا.
(وَهَذَا) أَي هَذَا الْحَذف.
(كَمَا حذف حرف الْعَطف من الَّذِي يُعَدُّ) بِضَم التَّحْتِيَّة، وَفتح الْعين وَتَشْديد الدَّال، مضارع مَجْهُول من عَده. قَالَ شَارِح: أَي كَمَا حذف من الْخَبَر.
المتعدد نَحْو: زيد عَالم جَاهِل وَالْأَظْهَر كَمَا قَالَ محشٍ: كَمَا يُقَال: دارٌ، غلامٌ جاريةٌ، ثوبٌ. / وَفِيه أَنهم قَالُوا: لَيْسَ فِي التعداد تركيب. وَهَذَا يدل على أَنه فِيهِ تركيب وعامل. وَفِي نُسْخَة: من الَّذِي بعده، أَي من الْمَعْطُوف الْوَاقِع بعد حرف الْعَطف. وَقيل: الْمَعْنى كَمَا يحذف حرف الْعَطف من الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَجِيء بعده، أَي بعد هَذَا الْقسم، وَهُوَ مَا يذكر فِيهِ الوصفان بِاعْتِبَار إسنادين. وَفِيه مُوَافقَة لقَوْل ابْن مَالك حَيْثُ اقْتصر ابْن مَالك على الْوَاو فَقَط، فَيَتعين كَون هَذَا تنظيراً للحذف السَّابِق.
(وعَلى هَذَا) أَي مَا ذُكر من الْجَواب، (فَمَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح) مُبْتَدأ خَبره، (دون مَا قيل فِيهِ: صَحِيح؛ لأنّ الْجَزْم أقوى من التَّرَدُّد، وَهَذَا) أَي مَا ذكرنَا من الْجَواب بالتردد، (من حَيْثُ التفرُد،) أَي للإسناد دون التَّعَدُّد.
(وَإِلَّا) أَي (إِذا لم يحصل التفرد) بِأَن ثَبت التَّعَدُّد. وَالْأَحْسَن أَن يقدر هَكَذَا وَأَن لَا يحصل، فَإِنَّهُ حذف الْفِعْل، وقلب النُّون لاماً وأدغم فَصَارَ وَإِلَّا، (فإطلاق الوصفين) أَي المتباينين، (مَعًا) أَي مُجْتَمَعيْن، (على الحَدِيث) أَي الْوَاحِد، (يكون) أَي يَصح، وَيجوز أَن يكون إطلاقهما (بِاعْتِبَار إسنادين) أَي مُخْتَلفين لَا أَنه
يجب، لجَوَاز أَن لَا يلْزم صِحَة شَيْء من الإسنادين فِي بعض الْموَاد، فَحِينَئِذٍ يجْرِي فِيهِ التَّوْجِيه الأول دون الثَّانِي. وَبِمَا قَررنَا انْدفع مَا قَالَ تِلْمِيذه: يرد على هَذَا مَا إِذا كَانَ كِلا الإسنادين على شَرط الصَّحِيح. ومَن تَتبع وَجَد صِدق مَا قلته فيهمَا.
(أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر حسن وعَلى هَذَا) أَي الْجَواب [60 - أ] ، أَو التَّقْدِير والتقرير.
(فَمَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح، فَوق مَا قيل فِيهِ: صَحِيح فَقَط، إِذا كَانَ) أَي الصَّحِيح (فَردا) وَإِنَّمَا قَيده بذلك لِأَنَّهُ لَو لم يكن فَردا بل كَانَ مَشْهُورا / 44 - ب / مثلا لم يَصح الْجَزْم بفوقية مَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح على إِطْلَاقه، بل إِنَّمَا يَصح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد قِسْمَيْة. وَهُوَ مَا يكون الصَّحِيح فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ فِيهِ مشتهراً. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ تَعْلِيله بقوله:
(لأنّ كَثْرَة الطّرق تُقَوي) أَي الحَدِيث من مرتبَة الصَّحِيح إِلَى مرتبَة الْأَصَح
(فَإِن قيل: قد صرح التِّرْمِذِيّ) بِكَسْر الْمُثَنَّاة وَالْمِيم، وَقيل: بضمهما، وَقيل: بِفَتْح [ثمَّ كسر] . وَكلهَا بإعجام الذَّال نِسْبَة لمدينة قديمَة على طرف جيُحون نهر بَلْح كَذَا ذكره السخاوي وَغَيره.
(بأنّ شَرط الْحسن أنْ يُرْوى من غير وجهٍ) أَي من غير طَرِيق وَاحِد، فأقله أَن يكون من إسنادَين.
(فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه؟ !) فَإِن هَذَا يَقْتَضِي أَن يُروى بِوَجْه وَاحِد فَقَط كَمَا هُوَ شَرط الْغَرِيب.
(فَالْجَوَاب: أَن التِّرْمِذِيّ لم يُعَرف الْحسن مُطلقًا) أَي بِهَذَا التَّعْرِيف
(وَإِنَّمَا عَرف بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَقع فِي كِتَابه) الظَّاهِر أَن يَقُول: وَإِنَّمَا عرفه
…
الخ أَو عرف نوعا خَاصّا مِنْهُ، وَقَالَ شَارِح: الظَّاهِر أَن يُقَال: لنَوْع بِاللَّامِ إِلَّا أَنهم يتسامحون بِنَاء على جَوَاز الِاسْتِعَارَة فِي الْحَرْف، فيستعيرون بعض الْحُرُوف لبعضٍ آخر. انْتهى.
وَحَاصِله: أَن الْبَاء بِمَعْنى اللَّام، وَهِي لِلْعِلَّةِ أَي لأجل نوع، / وَيُمكن أَن يُقَال:[إِن] الْبَاء للسَّبَبِيَّة، وَهِي تفِيد الْعلية، فَلَا يُحتاج إِلَى الْعَارِية. وَحذف الْمَفْعُول شَائِع وسائغ فِي الْعَرَبيَّة. وَقَالَ محشٍ: أَي عرفه مُقَيّدا بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَلَك أَن تَجْعَلهُ منزلا منزلَة اللَّازِم أَي أوقع التَّعْرِيف بِنَوْع خَاص، وَلَو حكم بِزِيَادَة الْبَاء يردُ عَلَيْهِ أَنَّهَا فِي غير الْخَبَر فِي النَّفْي سَمَاعي. انْتهى ويَرِدُ عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الْبَاء
فِي الْخَبَر سَوَاء [60 - ب] يكون نفيا أَو إِثْبَاتًا جائزٌ من غير توقف على السماع على مَا هُوَ الْمَفْهُوم من الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى: {وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة} . {ومَن يُرِدْ فِي بإلحاد} . {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} وأمثالها. قَوْله:
(وَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا
…
حُب النَّبِي محمدٍ إيانا)
وَفِي " الْقَامُوس ": الْبَاء للتوكيد وَهِي الزَّائِدَة، وَتَكون زِيَادَة وَاجِبَة فِي: أَحْسِنْ بزيد، وغالبة وَهِي فَاعل {كفى بِاللَّه شَهِيدا}
(وَهُوَ) أَي ذَلِك النَّوْع الْمُعَرّف، (مَا يَقُول فِيهِ: حسن من غير صفة أُخْرَى) أَي مَضْمُومَة إِلَيْهِ من صَحِيح أَو غَرِيب، (وَذَلِكَ) أَي دَلِيله، أَو تَفْصِيله، (أَنه يَقُول) أَي التِّرْمِذِيّ، (فِي بعض الْأَحَادِيث:) أَي من جَامِعَة: (حسن) أَي فَقَط، (وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح) كَذَلِك، (وَفِي بَعْضهَا: غَرِيب) كَذَلِك، (وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح، وَفِي بَعْضهَا: حسن غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَينهمَا، (وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَين الثَّلَاثَة.
(وتعريفه) أَي الْمَذْكُور أَولا / 45 - أ / (إِنَّمَا وَقع على الأول) أَي على
النَّوْع الأول، وَهُوَ حسن، (فَقَط) أَي دون سَائِر الْأَنْوَاع، (وَعبارَته) أَي التِّرْمِذِيّ، (ترشد إِلَى ذَلِك) أَي تَدُل على مَا ذكرنه من أَن تَعْرِيفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط.
(حَيْثُ قَالَ) ظرف لعبارته، (فِي آخر كِتَابه) أَي " الْجَامِع ":، (وَمَا قُلْنَا فِي كتَابنَا: حَدِيث حسن، فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ) أَي بالْحسنِ، (حَسَنٌ إِسْنَاده عندنَا) ضبط: بِفَتْح الْحَاء، وَالسِّين على أَنه صفة مُشبهة، فالنون منون. وبضم السِّين، وَفتح النُّون على أَنه فعل ماضي، وَعَلَيْهِمَا إِسْنَاده مَرْفُوع بالفاعلية. وبضم الْحَاء، وَسُكُون السِّين على أَنه مصدر مَنْصُوب على المفعولية مُضَاف إِلَى إِسْنَاده.
وَأعلم أَنه لم يُصَرح فِي تَعْرِيف الْحسن بِنَفْي الْعِلَل، وَلَا باتصال السَّنَد، وَلَا بخفة الضَّبْط كَمَا ذكره الشَّيْخ سَابِقًا، وَزَاد الرِّوَايَة من غير وَجه. وَلَعَلَّ هَذَا اصْطِلَاح آخر بَينهمَا عُمُوم من وَجه.
(فَكل حَدِيث يُرْوَى وَلَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ، ويُروَى من غير وَجه) أَي لم يكن فَردا بل جَاءَ من وَجه آخر فَأكْثر. [61 - أ]
(نَحْو ذَلِك) بِالْجَرِّ صفة غير، بِالنّصب حَال مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يكون رَاوِي الطَّرِيق الثَّانِي مُتّهَمَاً بكذب. قَالَ السخاوي: أَي يكون الرَّاوِي فَوْقه، أَو مثله لَا.
دونه ليترجح بِهِ أحد الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَن سيئ الْحِفْظ مثلا حَيْثُ يَروِي يحْتَمل أَن يكون ضبط المرويّ، وَيحْتَمل أَن لَا يكون ضَبطه، فَإِذا أورد مثل مَا رَوَاهُ، أَو مَعْنَاهُ من وَجه آخر غلب على الظَّن أَنه ضَبطه، وَكلما كَثُرَ المتابع قَوِيَ الظَّن. انْتهى. وَجَوَاز كَونه فَوْقه يُعْلَم بِالْأولَى.
(وَلَا يكون شاذاً، فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن) انْتهى كَلَام التِّرْمِذِيّ. وَلَا
يخفى أَن بعض أَفْرَاد الصَّحِيح بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف عِنْد أهل الحَدِيث داخلٌ فِي تَعْرِيف الْحسن على هَذَا التَّقْرِير، فَيَنْبَغِي أَن يُعرف الصَّحِيح بِنَوْع آخر.
قَالَ الشَّيْخ: (فُعرِفَ بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عَرف الَّذِي يَقُول فِيهِ:) أَي فِي حَقه.
حسن فَقَط. وَأما مَا يَقُول فِيهِ: حسن صَحِيح، أَو حسن غَرِيب) بِالْجمعِ بَينهمَا.
(أَو حسن صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَين الْكل.
(فَلم يعرج) بتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة من التعريج على الشَّيْء، وَهُوَ الْإِقَامَة عَلَيْهِ أَي فَلم يُعَوّل (على تَعْرِيفه كَمَا لم يُعَرّج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ: صَحِيح فَقَط، أَو غَرِيب فَقَط، وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء لشهرته عِنْد أهل الْفَنّ) . قَالَ البِقَاعي: اسْتعْمل التِّرْمِذِيّ الْحسن لذاته، فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَقُول فِيهَا: حسن غَرِيب وَنَحْو ذَلِك. وعَرّف مَا رأى أَنه يُشْكِل لِأَنَّهُ يُخَرج الحَدِيث أَحْيَانًا وَيَقُول: فلَان ضَعِيف فِي سَنَده ثمَّ يَقُول: هَذَا حَدِيث حسن، فخشي أَن يُشَكَ ذَلِك على النَّاظر فيعترض
عَلَيْهِ بِأَنَّهُ: / 45 - ب / كَيفَ يُحَسن مَا يُصَرح بِضعْف رَاوِيه أَو انْقِطَاعه وَنَحْو ذَلِك؟ ! فَعرفهُ أَنه إِنَّمَا حَسنة لكَونه اعتضد بِتَعَدُّد طرقه. انْتهى. وَهُوَ يُفِيد جَوَاز أنْ يُرَاد بقوله: نَحْو ذَلِك، مَا يَشْمَل دونه [61 - ب] أَيْضا. واستفيد مِنْهُ أَنه أَرَادَ بالْحسنِ الْمُطلق الحسنَ لغيره وَهَذَا معنى قَوْله:(وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ) أَي فِي حَقه، (فِي كِتَابه) أَي الْجَامِع، (حَسَن فَقَط إِمَّا لغموضه) أَي لخفائه كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ، وَبينا الكلامَ عَلَيْهِ. وَقَالَ شَارِح: لَعَلَّ وَجهه أَنهم حَدوه وَلم يحصل بِهِ حَدّ. فَقَالَ الخَطّابيّ: مَا عُرفَ مَخْرَجهُ، واشتهر رِجَاله. والمَخْرج: الموضِع الَّذِي خرج مِنْهُ الحَدِيث، وَهُوَ كَونه شامياً، عراقياً، مكياً، كوفياً كَأَن يكون الحَدِيث من رِوَايَة راوٍ، وَقد اشْتهر بِرِوَايَة حَدِيث أهل بَلَده كقتادة وَنَحْوه فِي الْبَصرِيين، فَإِن حَدِيث الْبَصرِيين إِذا جَاءَ عَن قَتَادَة وَنَحْوه كَانَ مخرجه مَعْرُوفا بِخِلَافِهِ عَن غَيرهم. وَذَلِكَ كِنَايَة عَن الِاتِّصَال، إِذْ المرسَل، والمنقطع والمعضل، لعدم ظُهُور حَالهَا لَا يُعْلم مخرج الحَدِيث. وَالْمرَاد بالشهرة: الشُّهْرَة بِالْعَدَالَةِ، والضبط. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي عبارَة الْخطابِيّ كثير تَلْخِيص، فَإِن الصَّحِيح أَيْضا مَا عُرِف مخرجه، فَيدْخل الصَّحِيح فِي حَد الْحسن.
وَقَالَ ابْن الجَوزي: مَا فِيهِ ضعف قريب مُحْتمل، وَاعْترض ابْن دَقِيق الْعِيد على هَذَا الحدّ أَيْضا بِأَنَّهُ لَيْسَ مضبوطاً بضابط يتَمَيَّز بِهِ الْقدر الْمُحْتَمل على
غَيره. وَإِذا اضْطربَ هَذَا الْوَصْف لم يحصل التَّعْرِيف الْمُمَيز للْحَقِيقَة.
وَأَيْضًا يَشْمَل تَعْرِيف التِّرْمِذِيّ مَا إِذا كَانَ بعض رُوَاته سيئ الْحِفْظ مِمَّن وُصِف بالغلط، وَالْخَطَأ غير فَاحش، أَو مَسْتُورا لم ينْقل فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل وَكَذَا إِذا نقل وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر، أَو مدلساً بالعنعنة لعدم منافاتها نفي اشْتِرَاط الْكَذِب.
قَالَ ابْن الصّلاح بعد ذكره هَذِه الْحُدُود الثَّلَاثَة: كل هَذَا مُسْتبهم لَا يشفي العليل، وَلَيْسَ فِي كَلَام / التِّرْمِذِيّ، [62 - أ] والخطابي مَا يفصل الحَسَن عَن الصَّحِيح. وَيُقَال: إِن الْحسن لذاته إِذا عَارض الصَّحِيح كَانَ مرجوحاً فضعفه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أرجح مِنْهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ ذكره السخاوي ثمَّ قَالَ: وَمَعَ مَا تكلفنا فِي تَوْجِيه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مَا حصل بهَا حد جَامع لِلْحسنِ، بل هُوَ مُستبهم لَا يشفي العليل لعدم ضبط الْقدر المُحْتمل من غَيره لضابط فِي آخر الْأَقْوَال، وَكَذَا الشُّهْرَة فِي أَولهَا، ولغير ذَلِك فيهمَا وَفِي تَعْرِيف التِّرْمِذِيّ الَّذِي زَعمه بعض الْحفاظ أَنه أَجودهَا. (وَأما لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد) أَي خَاصَّة لَهُ، وَلَا مُشَاحةً فِيهِ جزم ابْن سيد
النَّاس بِالثَّانِي خَاصَّة، بل خص هَذَا الِاصْطِلَاح بجامعه. وَتردد المُصَنّف فِي سَبَب اقْتِصَاره، وَرجح هُنَا الثَّانِي بقوله:
(وَلذَلِك) أَي للتَّعْلِيل الثَّانِي، (قيدهُ) أَي التَّعْرِيف، (بقوله: عندنَا / 46 - أ / وَلم ينْسبهُ) بِفَتْح الْيَاء، وَكسر السِّين أَي لم يُسْنده (إِلَى أهل الحَدِيث) أَي صَرِيحًا.
(كَمَا فعل الْخطابِيّ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَتَشْديد الطَّاء المهلمة، هُوَ أَبُو سُلَيْمَان [حَمَدَ بن] مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَطاب، نُسِبَ إِلَى جَده. وَيُقَال: إِنَّه من سلالة زيد بن الخَطاب، كَانَ تفقه على الْقفال، و [ابْن] أبي هُرَيْرَة، وَغَيرهمَا كَذَا فِي " المقتفى ". قَالَ السخاوي: ويتأيد الأول بقول المُصَنّف فِي " الْكَبِير " الظَّاهِر أَنه لم يرد بقوله: عندنَا حِكَايَة اصْطِلَاحه مَعَ نَفسه، وَإِنَّمَا أَرَادَ عِنْد أهل الحَدِيث. كَقَوْل الشَّافِعِي: وإرسال ابْن الْمسيب عندنَا أَي أهل الحَدِيث فَإِنَّهُ كالمتفق عَلَيْهِ بَينهم. ويبعده قَوْله: وَمَا قُلْنَا، وَكَذَا قَوْله: فَإِنَّمَا أردنَا فَحِينَئِذٍ النُّون لإِظْهَار نعْمَة التَّلَبُّس بِالْعلمِ المتأكد تَعْظِيم أَهله عملا بقوله تَعَالَى: {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} مَعَ الْأَمْن من الْإِعْجَاب، وَنَحْوه المذموم مَعَه مثل هَذَا.
(وَبِهَذَا التَّقْرِير) وَهُوَ اعْتِبَار تعدد الطّرق فِي الْحسن وَالتَّفْصِيل فِي الْجَواب فِيمَا لَهُ إِسْنَاد [62 - ب] وَاحِد، وَفِيمَا لَهُ إسنادان
…
الخ
(ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِي طَال الْبَحْث فِيهَا) وَهِي الَّتِي أوردهَا فِي " الْخُلَاصَة ".
(وَلم يُسْفر) بِضَم التَّحْتِيَّة، وَكسر الْفَاء، أَي لم ينكشِف
(وجهُ توجيهها) من أسْفر وَجهه أَي أشرق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى:{وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة} أَي مضيئة.
(فَللَّه الْحَمد على مَا ألهم) أَي بِغَيْر وَاسِطَة، (وعَلّم) بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ
ومجمل الإيرادات على الواردات أَن ابْن الصّلاح قَالَ: إِن ذَلِك الِاخْتِلَاف رَاجِح إِلَى الْإِسْنَاد، فَإِذا رُوى الحَدِيث بِإِسْنَادَيْنِ: أَحدهمَا حسن، وَالْآخر صَحِيح استقام أَن يُقَال: إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح، أَي إِنَّه حسن بِالنِّسْبَةِ [إِلَى إِسْنَاد، صَحِيح بِالنِّسْبَةِ] إِلَى إِسْنَاد آخر على أَنه غير مستنكرٍ أَن يُرَاد بالْحسنِ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَهُوَ مَا يمِيل إِلَيْهِ النَّفس وَلَا يأباه الْقلب دون الْمَعْنى الاصطلاحي الَّذِي نَحن بصدده.
قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يَردُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الَّتِي قيل فِيهَا: حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَيلْزم عَلَيْهِ أَن يُطلق على الحَدِيث الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ أَنه حسن، ثمَّ أجَاب عَن الاستشسكال الْمَذْكُور بعد رد الجوابين بِأَن الْحسن لَا يشْتَرط فِيهِ الْقُصُور عَن الصِّحَّة إِلَّا حَيْثُ انْفَرد الْحسن، فيراد بالْحسنِ / حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الاصطلاحي.
وَأما أَن الْحسن فِي دَرَجَة الصِّحَّة، فالحسن حَاصِل لَا محَالة تبعا للصِّحَّة لِأَن وجود الدرجَة الْعليا، وَهِي الْحِفْظ، والإتقان لَا يُنَافِي وجود الْمرتبَة الدُّنْيَا، فَيصح أَن يُقَال: حسن بِاعْتِبَار الصّفة الدُّنْيَا، صَحِيح بِاعْتِبَار الصّفة الْعليا. قَالَ: وَيلْزم على هَذَا أَن يكون كل صَحِيح حسنا.
قَالَ ابْن المَواقِ: كل صَحِيح عِنْد التِّرْمِذِيّ حسن، وَلَيْسَ كل حسن صَحِيحا.
قَالَ ابْن / 46 - ب / سيد النَّاس: قد بَقِي عَلَيْهِ أَنه اشْترط فِي الْحسن أَن يُروى نَحوه من وَجه آخر وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي الصَّحِيح: فَانْتفى أَن يكون كل صَحِيح حسنا، فالأفراد الصَّحِيحَة لَيست [63 - أ] بحسنة عِنْد التِّرْمِذِيّ كَحَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَأجَاب عَنهُ الْعِرَاقِيّ: بِأَن التِّرْمِذِيّ يشْتَرط فِي الحَدِيث الْحسن مَجِيئه من وَجه آخر إِذا لم يبلغ مرتبَة الصَّحِيح، فَإِذا بلغَهَا لم يشْتَرط ذَلِك بِدَلِيل قَوْله فِي مَوَاضِع: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.
قَالَ السخاوي: لكنه منتقدٌ من جِهَة أُخْرَى. انْتهى. ووجههُ بِأَنَّهُمَا أَي الْحسن، وَالصَّحِيح متباينان وَلَيْسَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلقًا، فالضبط الَّذِي فِي الْحسن غير الضَّبْط الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام الشَّيْخ على مَا تحرر فِي حَده من التَّصْرِيح.