الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مِمَّا خلا عَنْهَا) أَي عَن الْقَرَائِن. وَحَاصِل كَلَامه: أنّ مَن قَالَ: بِأَن خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم أَرَادَ أَنه يُفِيد الْعلم النظري المستفادَ بِالنّظرِ فِي الْقَرَائِن لَا بِنَفس خبر الْآحَاد بِدُونِ النّظر فِي الْقَرَائِن. ومَن قَالَ: بِأَنَّهُ لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا الْمُتَوَاتر، وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن أَرَادَ أَنه بِدُونِ الْقَرَائِن لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن. وَلَا يَنْفِي أَن مَا احتف بالقرائن أرجح مِمَّا عداهُ بِحَيْثُ يترقى عَن مرتبَة إِفَادَة الظَّن إِلَى إِفَادَة الْعلم، فَيكون الْخلاف [32 - ب] لفظياً.
وَأَنت قد علمت مَذْهَب كل من الْفَرِيقَيْنِ ودليلهم، وَهُوَ يدل على أنّ النزاع بَينهم معنوي، وَهُوَ الْحق لأَنهم قَالُوا: إِن خبر الْوَاحِد قد يُفِيد الْيَقِين فَلَا يبعد أَن يُفِيد الْقطع. وَمن أَبى الْإِطْلَاق صرح بأنّ مَا عدا الْمُتَوَاتر عِنْده ظنّي، فَالْخِلَاف تحقيقي. وَلِهَذَا قَالَ تِلْمِيذه: نعم، وَمَعَ كَونه أرجح لَا يُفِيد الْعلم.
فَالْحَاصِل عِنْد من يَقُول: الْآحَاد لَا يُفِيد الْعلم: أنّ الدَّلِيل الظني على طَبَقَات، وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يُفِيد. انْتهى يَعْنِي والقرائن الْخَارِجَة لَا دخل لَهَا فِي نفس الْخَبَر إِذْ يخْتَلف الحكم باختلافها على مَا قدمْنَاهُ. / 25 - أ /.
(
[أَنْوَاع الْخَبَر المُحْتفِّ بالقرائن] )
(وَالْخَبَر المحتفّ بالقرائن أَنْوَاع:) أَي باخْتلَاف مَرَاتِب الْقَرَائِن لصِحَّته
(مِنْهَا:) أَي من جملَة أَنْوَاعه (مَا أخرجه الشَّيْخَانِ،) أَي كِلَاهُمَا (فِي صَحِيحَيْهِمَا) احْتِرَاز من غَيرهمَا من كتبهما (مِمَّا لم يبلغ حد التَّوَاتُر) أَي على تَقْدِير
أَن يُوجد فيهمَا مَا يصل إِلَى حد التَّوَاتُر. فمِن تبعيضية، ويُحتمل أَن تكون بَيَانِيَّة ل: مَا.
(فَإِنَّهُ احتف بِهِ) أَي بِمَا أخرجه الشَّيْخَانِ (قَرَائِن) أَي مقويات خارجية مَعَ قطع النّظر عَن تصحيحهما.
(مِنْهَا:) أَي من الْقَرَائِن.
(جلالتهما) أَي عَظمَة مرتبتهما بِكَمَال احتياطهما فِي شروطهما، والتزامهما الصِّحَّة فِي كِتَابَيْهِمَا (فِي هَذَا الشَّأْن) أَي فِي هَذَا الْفَنّ، (وتقدمهما) أَي وَمِنْهَا تقدمهما (فِي تَمْيِيز الصَّحِيح) أَي من غَيره (على غَيرهمَا) أَي من أَصْحَاب الصِّحَاح مُتَعَلق ب: تقدمهما (وتلقي الْعلمَاء) أَي وَمِنْهَا تلقيهم، وتَلَقُّنهم، وَأَخذهم (لكتابَيْهما بالقَبول) أَي اعتقاداً، أَو عملا. (وَهَذَا التلقي وَحده) أَي بِانْفِرَادِهِ من بَين الْقَرَائِن (أقوى فِي إِفَادَة الْعلم) أَي النظري. (من مُجَرّد كَثْرَة الطّرق) أَي من غَيرهمَا. (القاصرة عَن التَّوَاتُر) أَي لم تبلغ حد التَّوَاتُر.
قَالَ ابْن الصّلاح: مَا أخرجه الشَّيْخَانِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ: وَالْعلم اليقيني النظري وَاقع بِهِ خلافًا لمن نفى ذَلِك محتجاً بِأَنَّهُ لَا يُفِيد بِأَصْلِهِ إِلَّا الظَّن. وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأمة بالقَبول [33 - أ] لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بِالظَّنِّ، وَالظَّن قد يُخطئ وَقد كنت أميل إِلَى هَذَا وَأَحْسبهُ قَوِيا ثمَّ بَانَ لي أنّ الْمَذْهَب الَّذِي / اخترناه أَولا
هُوَ الصَّحِيح، لِأَن ظن مَن هُوَ مَعْصُوم من الْخَطَأ لَا يُخطئ. وَالْأمة فِي إجماعها معصومة من الْخَطَأ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاع الْمَبْنِيّ على الِاجْتِهَاد أَي الَّذِي مُسْتَنده الْقيَاس حجَّة مَقْطُوعَة بهَا، وَأكْثر إجماعات الْعلمَاء كَذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ: مَا ذكره ابْن الصّلاح خلاف مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ، فَإِنَّهُم قَالُوا: أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي لَيست بمتواترة إِنَّمَا تفِيد الظَّن، فَإِنَّهَا آحَاد، والآحاد إِنَّمَا يُفِيد الظنّ على مَا تقرر. وَلَا فرق بَين البُخَارِيّ، وَمُسلم وَغَيرهمَا فِي ذَلِك وتلقي الْأمة إِنَّمَا أَفَادَ وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا من غير توقف على النّظر فِيهِ بِخِلَاف غَيرهمَا.
فَلَا يعْمل بِهِ حَتَّى ينظر وَيُوجد فِيهِ شَرط الصَّحِيح. وَلَا يلْزم من إِجْمَاع الْعلمَاء على الْعَمَل بِمَا فِيهَا إِجْمَاعهم على الْقطع بِأَنَّهُ كَلَام النَّبِي عليه الصلاة والسلام.
وَحكي تَغْلِيظ مقَالَة ابْن الصّلاح، عَن ابْن بَرْهان، وَكَذَا عابه ابْن عبد السَّلَام. وَسَيَأْتِي فِي كَلَام ابْن الهُمَام مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. وانتصَرَ لِابْنِ الصّلاح
المُصَنّف، وَمن قبله شيخُهُ البُلقيني تبعا لِابْنِ تَيْميَّة.
وَحِينَئِذٍ فيُفرّق بَين الْمُتَوَاتر، والآحاد بأنّ الْعلم فِي ذَلِك ضَرُورِيّ يشْتَرك فِيهِ / 25 - ب / الْعَالم وَغَيره، وَفِي هَذَا نَظَرِي لَا يحصل إِلَّا للْعَالم بِالْحَدِيثِ المتبحِّر فِيهِ، الْعَالم بأحوال الروَاة، المطلع على الْعِلَل، وَكَون غَيره لَا يحصل لَهُ الْعلم بِصدق ذَلِك لَا يَنْفِي حُصُوله، كَذَا قيل.
وَفِيه أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْمُجْتَهدين مَعَ أَن كثيرا من الْأَحَادِيث فيهمَا ممّا يَقْتَضِي التَّنَاقُض، فَكيف يُفِيد الْعلم الْقطعِي؟ وَلما استشعر المُصَنّف اعتراضاً بِأَنَّهُ قد يُوجد الحَدِيث الضَّعِيف فيهمَا قَالَ:
(إِلَّا أنّ هَذَا) أَي مَا ذكر من [33 - ب] كَون التلقي قرينَة، وَكَونه أقوى من مُجَرّد كَثْرَة الطّرق. (يخْتَص بِمَا لم ينتقده) أَي لم يزيفه، مِن نَقَدْتُ الدَّرَاهِم، وانتقدتها إِذا أخرجتُ مِنْهَا الزَّيفَ، وَالْمعْنَى: لم يعْتَرض عَلَيْهِ. (أحد من الْحفاظ) كالدَّارَ قُطْنِي وَغَيره.
(مِمَّا فِي الْكِتَابَيْنِ) لفقد الْإِجْمَاع على التلقي. قَالَ تِلْمِيذه: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْعلمَاء لم يتلقوا كل مَا فِي الْكِتَابَيْنِ بالقَبول. انْتهى. وَهَذَا كَمَا اسْتَثْنَاهُ ابْن الصّلاح حَيْثُ قَالَ: سِوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلم عَلَيْهَا الْحفاظ وَهِي مَعْرُوفَة. قَالَ السخاوي: وتزيد على مئتي حَدِيث. قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه أجَاب عَنْهَا آخَرُونَ. قَالَ السخاوي: يَعْنِي كَمَا أفرده الْعِرَاقِيّ فِي تأليف عدمت مُسَوَّدَتُه قبل أَن يبيضها.
وتكفل شَيخنَا فِي مُقَدّمَة " شرح البُخَارِيّ " بِمَا فِيهِ من ذَلِك. وَالْمولى الْعِرَاقِيّ بِمَا فِي " مُسلم ". وَقَالَ البِقَاعي: فِي " النكت الوفية ": قَالَ شَيخنَا الدَّارَقُطْنِيّ: ضُعّف من أحاديثهما مئتين وَعشرَة، يخْتَص البُخَارِيّ بِثَمَانِينَ، واشتركا فِي ثَلَاثِينَ، وَانْفَرَدَ مُسلم بمئة. قَالَ: وَقد ضعف غَيره أَيْضا غير هَذِه الْأَحَادِيث.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي خطْبَة " شرح صَحِيح البُخَارِيّ ": إنّ مَا ضُعّف من أحاديثهما مَبْنِيّ على علل لَيست بقادحة. قَالَ: فَكَأَنَّهُ مَال إِلَى أَنه لَيْسَ فيهمَا ضَعِيف. وَكَلَامه فِي خطْبَة " شرح مُسلم " يَقْتَضِي تَقْرِير قَول من ضعف. قَالَ شَيخنَا: وأظن هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مقَام الرجلَيْن، وَأَن الشَّيْخ يرفع عَن البُخَارِيّ، ويقرر على مُسلم انْتهى.
وَبِالْجُمْلَةِ هَذَا مُسْتَثْنى من التلقي / لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ. ويفيد أَنه لَا بُد من النّظر للمجتهد فِي رجالهما حَتَّى يظْهر الْمَعْلُول من غَيره. وَهَذَا يُعَكر على مَا قَالَ النَّوَوِيّ عَن الْأَكْثَرين: أَن تلقي الْأمة إِنَّمَا أَفَادَ وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا من غير توقف على النّظر فيهمَا بِخِلَاف غَيرهمَا، فَلَا يُعمل بِهِ حَتَّى ينظر، وَيُوجد فِيهِ شَرط الصَّحِيح انْتهى.
وَهُوَ بِظَاهِرِهِ غير مُسْتَقِيم، لِأَن مُرَاده إِن كَانَ أَعم من الْمُجْتَهد وَغَيره، [34 - أ] فَفِيهِ أنَّ الْمُجْتَهد لَا يجب عَلَيْهِ أنْ يقلّد غَيره. وَإِن كَانَ مَقْصُوده الْمُقَلّد، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَن يتبع مجتهده، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: مُرَاده الْمُقَلّد الْمُجْتَهد فِي
الْمَذْهَب، فَإِنَّهُ إِذا لَم يَرَ نَصّاً عَن إِمَامه / 26 - أ / فَلهُ أَن يُقَلّد الشَّيْخَيْنِ فِي تصحيحهما، وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَسْأَلَة فرعية.
(وَبِمَا) أَي وَيخْتَص أَيْضا بِمَا. (لم يَقع التجاذب) أَي التخالف كَمَا فِي نُسْخَة، وَالْمرَاد التَّعَارُض. (بَين مدلوليه مِمَّا وَقع فِي الْكِتَابَيْنِ) قَالَ تِلْمِيذه: لقَائِل أَن يَقُول: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا لِأَن الْكَلَام فِي إِفَادَة الْعلم بالْخبر لَا فِي إِفَادَة الْعلم بمضمونه. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى اسْتثِْنَاء ذَلِك لِأَنَّهُ لمّا ادَّعى أنّ الْعلم اليقيني يحصل بِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ وَلَا شكّ أنّ فيهمَا مَا يُوجب التناقص، فاضطر إِلَى هَذَا القَوْل ليتمّ مَقْصُوده.
لَكِن بَقِي شَيْء، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ مَدْلُول مَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُخَالفا لما ذكره غَيرهمَا من الْخَبَر المحتفّ بالقرائن يَنْبَغِي أنّ لَا يُفِيد شَيْء مِنْهُمَا الْعلم. وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لذَلِك، وَيُمكن أَن يتَكَلَّف، وَيحمل كَلَامه على مَا يَشْمَلهُ بِأَدْنَى اعتناء وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله:
(حَيْثُ لَا تَرْجِيح) بِأَن يكون أَحدهمَا نَاسِخا، وَالْآخر مَنْسُوخا، أَو بِأَن يكون لأحد مدلولية تقوّ بمدلول حَدِيث آخر.
(لَا لِاسْتِحَالَة أَن يُفِيد المتناقضان الْعلم بصدقهما من غير تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر) أَي فَإِذا رُجح أَحدهمَا كَانَ الرَّاجِح هُوَ الْمُفِيد للظن الْقوي لَا غير. (وَمَا عدا ذَلِك) أَي مَا ذكر من الاستثنائين. (فالإجماع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَّته) أَي وَكَونه أرجحَ فِي إِفَادَة الْعلم.
(فَإِن قيل: إنّما اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ) أَي بِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ. (لَا على صِحَّته) قَالَ تِلْمِيذه: وَحَاصِل السُّؤَال أَنهم اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل، وَهُوَ لَا يسْتَلْزم صِحَة الْجَمِيع بِالْمَعْنَى المصطلحِ عَلَيْهِ، لِأَن الْعَمَل يجب بالحَسَن كَمَا يجب بِالصَّحِيحِ، فَحِينَئِذٍ لَا يلْزم أَن يكون [34 - ب] الِاتِّفَاق على الصِّحَّة. انْتهى.
وَبِالْجُمْلَةِ نقضّ تفصيلي أَي دليلك لَا يثبت المدّعَى، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يدل على وجوب الْعَمَل، وَذَلِكَ غير مستلزِم للصِّحَّة، وَلَا يدل دليلك على الصِّحَّة. وَمعنى قَوْله:
(منعناه) أَي منعنَا عدم دلَالَته على الصِّحَّة. وَقَالَ تِلْمِيذه أَي منعنَا قَوْله: لَا على صِحَّته.
وَحَاصِل مَا ذكره من السَّنَد الْآتِي: أنّ معنى تلقِّي الْعلمَاء بالقَبول مزيتهما بِاعْتِبَار الصِّحَّة. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: هَذَا السُّؤَال مُعَارضَة، وبيانها أنّ الشَّارِح اسْتدلَّ على أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَة مَا عدا الْمَذْكُور بِثَلَاثَة أَدِلَّة: التلقي وأخَوَيْه، وَاسْتدلَّ الْمعَارض بِأَنَّهُم لم يتفقوا إِلَّا على قبُوله وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ، وَمَا يجب الْعَمَل بِهِ لَا يجب أَن يكون صَحِيحا. وَهَذِه الْمُقدمَة مطوية، وَالْمَنْع رَاجع إِلَى الْمُقدمَة الأولى بِاعْتِبَار حصرها، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب.
وَقيل: هَذَا السُّؤَال / منع للمقدمة القائلة: الْإِجْمَاع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَة مَا عدا الْمَذْكُور، أَي لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِجْمَاع إِلَّا على وجوب / 26 - ب / الْعَمَل بِهِ. وَقَوله: منعناه منع لهَذَا السَّنَد الَّذِي ذكره الْمَانِع بِلَا
حَاجَة إِلَيْهِ، وَأَنت تعلم أنّ هَذَا الْمَنْع لَا يجدي بطائل، فَالْأولى أَن يتْرك قَوْله: منعناه، وَيذكر سَنَده إِثْبَاتًا للمقدمة الممنوعة مَعَ أنّ فِيهِ نظرا، لِأَن قَوْله: الْإِجْمَاع حَاصِل على صِحَّته نتيجةٌ، وَالْمَنْع إِنَّمَا يكون على الدَّلِيل. قَالَ المُصَنّف:
(وَسَنَد الْمَنْع أَنهم متفقون على وجوب الْعَمَل بِكُل مَا صَحَّ، وَلَو لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ، فَلم يبْق) هَذَا إِنَّمَا يتَفَرَّع بملاحظة مُقَدّمَة أُخْرَى، وَهِي أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن لَهما مزية.
(لِلصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا مزية، وَالْإِجْمَاع) الْأَظْهر أَن يَقُول: فالإجماع.
(حَاصِل على أنّ لَهما مزية فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصِّحَّة) قيل فِيهِ [35 - أ] : إِنَّه لَا يلْزم من ذَلِك الِاتِّفَاق الْإِجْمَاع على صِحَة مَا فِي الْكِتَابَيْنِ، فَإِنَّهُ يجوز أَن يتَّفق الْجَمِيع على وجوب الْعَمَل بِالصَّحِيحِ، وَلَا يكون جَمِيع مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ صَحِيحا، وَتَكون المزية بِاعْتِبَار وجوب الْعَمَل بِجَمِيعِ مَا فيهمَا صَحِيحا أَو غَيره.
وَقَالَ التلميذ: وَحَاصِل الْجَواب: أنّ لِلشَّيْخَيْنِ مزية فِيمَا خرَّجاه وَمَا حَسُن أَو صَحَّ وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يكن من مرويهما، فَيلْزم أنّ مَا أَخْرجَاهُ أَعلَى الحَسَن، وَأَعْلَى الصَّحِيح، فَيلْزم من الِاتِّفَاق على وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا مَعَ مزيتهما الِاتِّفَاق على صِحَّته. هَذَا مَا أمكنني فِي تَقْرِير هَذَا الْمحل.
وَأما الْعبارَة، فَإِذا نظرت إِلَيْهَا تجدها تنبئ عَن ملائمة الطَّبْع السَّلِيم. انْتهى. فالمنع بِمَعْنى الدّفع مَحْمُول على مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ لَا على مَا هُوَ المصطلح عِنْد أَرْبَاب
المناظرة، وَهُوَ طلب الدَّلِيل إِذْ المنعُ لَا يتوجّه على الْمَنْع.
(وَمِمَّنْ صرَّح بإفادة مَا خرجه) بتَشْديد الرَّاء، أَي أخرجه، وَذكره (الشَّيْخَانِ الْعلم النظري) أَي المستلزم أَن يكون صَحِيحا. (الأُسْتَاذُ) بِضَم الْهمزَة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مُعَرَّبُ الْمُهْملَة، وَكَأَنَّهُ مَأخوذ من قَول الْعَرَب: اسْتَادُوا بني فلَان: قتلوا سيدهم، فَيرجع إِلَى مَا معنى السَّيِّد (أَبُو إِسْحَاق) أَي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
(الإسْفَرَايِيني) نِسْبَة إِلَى إسفراين، بِكَسْر الْهمزَة، وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَفتح الْفَاء وَالرَّاء، وَكسر الْيَاء التَّحْتِيَّة، وَبعدهَا نون، بَلْدَة بخُرَاسَان بنواحي نَيْسَابور فِي منتصف الطَّرِيق إِلَى جُرْجَان. وَهُوَ من أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين كَمَا فِي نُسْخَة.
(وَمن أَئِمَّة الحَدِيث أَبُو عبد الله) وَفِي نُسْخَة: عبد الله.
(الحُمَيْدِي) بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَة إِلَى جده الْأَعْلَى، وَهُوَ الأندَلُسِيّ القُرْطُبِي.
(وَأَبُو الْفضل بن طَاهِر، وَغَيرهمَا) بل ألحق ابْن طَاهِر بذلك مَا كَانَ على شَرطهمَا. قيل فِيهِ: إِنَّه لما ذكر أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على وجوب الْعَمَل بهما لَا فَائِدَة فِي عدد معِين مِمَّن صرح بذلك. وَالْأَظْهَر [35 - ب] أَنه إِشَارَة إِلَى مَا جوز إِطْلَاق الْعلم النظري على مَا أخرجه الشَّيْخَانِ، فَيُفِيد بِالضَّرُورَةِ / 27 - أ / القَوْل بِصِحَّتِهِ كَمَا سبق الْإِيمَاء منا إِلَيْهِ.
(وَيحْتَمل أَن يُقَال: المزية الْمَذْكُورَة كَون أحاديثهما أصح الصَّحِيح) كَانَ حَقه أَن يُفَرِّع ذَلِك على قَوْله: فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصِّحَّة، ويُقدِّم على قَوْله: وَمِمَّنْ صرح. / وَترك الِاحْتِمَال، وَيَقُول: فَيكون المزية الْمَذْكُورَة
…
الخ وَلَك أَن تَقول: معنى قَوْله: مزية فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصِّحَّة، أَن لَهما مزية من حَيْثُ الصِّحَّة.
(وَمِنْهَا) أَي من أَنْوَاع الْخَبَر المحتفّ بالقرائن. (الْمَشْهُور) أَي الحَدِيث الْمَشْهُور عِنْد عُلَمَاء الحَدِيث، لَا المشتهر على أَلْسِنَة الْعَامَّة، وَلذَا قَالَ:(إِذا كَانَت لَهُ طُرُق،) أَي أَسَانِيد (مُتَبَايِنةٌ) أَي مُتَغَايِرَة (سَالمِةٌ من ضعف الروَاة، والعِلل) أَي القادحة خُفْيَة كَانَت، أَو غيرَها.
(وَمِمَّنْ صرَّح بإفادته) أَي الْمَشْهُور الْمَذْكُور (الْعلم النظري) بِالنّصب على المفعولية (الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور البغداذي) بِالدَّال الْمُهْملَة أَولا، والمعجَمة ثَانِيًا، وَهُوَ أفْصح من عَكسه، وَمن الْمُهْمَلَتَيْنِ، والمعجمتين، (والأستاذ أَبُو بكر بن فُورَك) بِضَم الْفَاء، وَفتح الرَّاء (وَغَيرهمَا) قَالَ المُصَنّف فُورَك مَمْنُوع الصّرْف، فَإِنَّهُم يُدخلون الْكَاف عوض يَاء التصغير. وَمثله زيرك. قَالَ تِلْمِيذه: هَذَا لَيْسَ عِلّة منع الصّرْف على مَا عُرف فِي الْعَرَبيَّة. قلت: هَذَا غَفلَة من التلميذ لأنّ مُرَاد الشَّيْخ بضمير قَوْله: فَإِنَّهُم الأعجام. وَبِهَذَا يُعلم أنّ عِلّة منع الصّرْف هِيَ العُجْمَة مَعَ العلمية الْمَعْلُومَة من الْمقَام.
(وَمِنْهَا: المسلسل بالأئمة الحُفَّاظِ المُتْقنِين) أَي الْمُحَقِّقين بِأَن يكون رجال إِسْنَاده الْأَئِمَّة لَا يزَال يرويهِ إِمَام عَن إِمَام. وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من سَلْسَلْتُ المَاء فِي حلقه أَي صببته، لأنّ كل شيخ بإلقائه إِلَى تِلْمِيذه كَأَنَّهُ يصبهُ فِي جَوْفه. وَالظَّاهِر أَنه يُرِيد بالمسلسل الْمَعْنى اللّغَوِيّ، لَا [36 - أ] الاصطِلاحي، وَلذَا قَالَ:
(حَيْثُ لَا يكون) أَي الحَدِيث.
(غَرِيبا) أَي لَا يكون غرابةٌ، وتفردٌ فِي سَنَده وَمرَاده أَن يكون عَزِيزًا لما تقدم من ذكر الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور، وَلقَوْله:(كالحديث الَّذِي يرويهِ أَحْمد بن حَنْبَل مثلا، ويشاركه) أَي أَحْمد (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الحَدِيث من جِهَة الرِّوَايَة (غيرهُ) أَي غير أَحْمد سَوَاء يكون فِي مرتبته أَو مِمَّن هُوَ دونه (عَن الشَّافِعِي) أَي مثلا: (ويشاركه) أَي الشَّافِعِي (فِيهِ غَيره عَن مَالك بن أنس) أَي مثلا عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مثلا وَلَعَلَّ تركَ مشارك مَالك لظُهُوره مِمَّا هُنَالك. وَلذَا قيل: حَدثنَا مَالك من زِينَة الدُّنْيَا. وَكَذَا مشارك نَافِع على خلاف سبق فِي اعْتِبَار مشارِك الصَّحَابِيّ.
(فَإِنَّهُ) أَي الحَدِيث حِينَئِذٍ (يُفِيد الْعلم) أَي النظري (عِنْد سامعه) أَي الحَدِيث
مَعَ إِسْنَاده الْوَاصِل إِلَيْهِ برجالٍ ثِقَات / 27 - ب / على نَحْو مَا تقدم (بالاستدلال) مُتَعَلق بِالْعلمِ (من جِهَة جلالة رُوَاته) مُتَعَلق ب: يُفِيد.
(فَإِن فيهم) أَي وَمن جِهَة أنّ فيهم أَي فِي الروَاة من الْأَئِمَّة.
(من الصِّفَات اللائقة الْمُوجبَة للقبول) أَي لكمالهِ من ظُهُور الْعَدَالَة، والضبط، والاتقان، والفهم، وَغَيرهَا.
(مَا يقوم مقَام الْعدَد الْكثير من غَيرهم) وَلذَا يُسمى مثل هَذَا الإِمَام: أمة. قَالَ الله تَعَالَى: {إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة} لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ مِن الكمالات مَا لَا يُوجد مُتَفَرِّقَة إِلَّا فِي جمَاعَة. وَلذَا قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَيْسَ مِن الله بمُسْتَنْكَرٍ
…
أنْ يَجْمَعَ العَالمَ فِي واحدٍ)
وَقد قيل فِي الحَدِيث / الْمَشْهُور: " عَلَيْكُم بالسوادٍ الْأَعْظَم " أَي الأروع الأعلم. وَقد أَقَامَ النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] شَهَادَة صَحَابِيّ عَن اثْنَيْنِ لكنّ الْبَحْث فِي إِفَادَة الْعلم اليقيني، وَأما الْعلم الظني، فَهُوَ حَاصِل بِظَاهِر الْعَدَالَة، والضبط.
(وَلَا يتشكك) أَي لَا يتَرَدَّد، وَالظَّاهِر أَنه اسْتعْمل الشَّك فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَمرَاده أَنه لَا يتَوَهَّم.
(ومَن لَهُ أدنى ممارسة بِالْعلمِ) أَي بِعلم الحَدِيث، (وأخبار [36 - ب] النَّاس) أَي من الْمُحدثين وأرباب التواريخ، وَغَيرهم، (أنّ مَالِكًا مثلا لَو شافهه) أَي واجهه وَرَوَاهُ بِغَيْر وَاسِطَة (بِخَبَر) أَي بِحَدِيث من الْأَحَادِيث (أَنه) أَي فِي أَن مَالِكًا (صَادِق فِيهِ) أَي فِي إخْبَاره بِهِ. قَالَ تِلْمِيذه: إنّ أرادَ أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب، فَلَيْسَ مَحل النزاع، وَإِن أَرَادَ أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ السَّهْو، والغلط فَفِيهِ الْكَلَام. أَقُول: وَإِن أَرَادَ أَنه يغلب عَلَيْهِ الصدْق وَلَا عِبْرَة بالنّدرة فمُسَلِّم، لَكِن لَا يُفِيد الْعلم.
(فَإِذا انضاف) أَي انْضَمَّ (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَالك (أَيْضا) مستدرِك مستغنَىً عَنهُ (مَن هُوَ فِي تِلْكَ الدرجَة) يُفهم مِنْهُ أنّ الْغَيْر المشارك أَيْضا إِمَام فِي الْجُمْلَة (ازْدَادَ) أَي الْخَبَر أَو المخبِر (قُوَّة) أَي فِي الْعلم أَو فِي أنّ مَالِكًا صَادِق (وبَعُدَ) أَي الْخَبَر، أَو مَالك (عَمَّا يخْشَى عَلَيْهِ) أَو على خَبره (من السَّهْو) وَفِيه أنّ الْبعد من السَّهْو لَا يسْتَلْزم الْقرب من الْعلم بل من الصدْق، وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ.
(وَهَذِه الْأَنْوَاع) أَي الثَّلَاثَة (الَّتِي ذَكرنَاهَا) أَي مِمَّا احتف بِهِ الْقَرَائِن (لَا يحصل الْعلم بِصدق الْخَبَر) الْأَظْهر بِصدق الْمخبر. (مِنْهَا) أَي من جِهَتهَا وبسببها
(إِلَّا للْعَالم بِالْحَدِيثِ) أَي بأصول الحَدِيث، وفروعه (المتبحر فِيهِ) يُقَال: تبحر فِي الْعلم وَغَيره، أَي تعمق وَتوسع، وَالْمرَاد الحاذق فِي علم الحَدِيث. (الْعَارِف بأحوال الروَاة) من الْعَدَالَة، والضبط، وَالْحِفْظ. (المطَّلع) أَي المشرف. (على العِلل،) أَي القادحة فِيهِ، خُفْيَة كَانَت، أَو جلية كَمَا سَيَأْتِي بَيَانهَا.
(وَكَون غَيره) أَي غير المتبحر. (لَا يحصل لَهُ الْعلم بِصدق ذَلِك) الْخَبَر، أَو المخبِر. (لقصوره) أَي / 28 - أ / لعَجزه (عَن الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة) أَي عَن مَعْرفَتهَا. (لَا يَنْفِي حُصُول الْعلم للمتبحر الْمَذْكُور) أَي بِسَبَب حُصُولهَا لَهُ. قَالَ تِلْمِيذه: يُقَال عَلَيْهِ: لَو سُلم حُصُول مَا ذكر لم يكن مَحل النزاع إِذْ الْكَلَام فِيمَا هُوَ سَبَب الْعلم لِلْخلقِ، وَالله أعلم.
(ومحصل الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا) أَي مِمَّا احتف بِهِ الْقَرَائِن.
(أنّ الأول:) أَي النَّوْع [37 - أ] الأول مِنْهَا. (مُخْتَصّ بالصحيحين) أَي مِمَّا هُوَ مصحح فيهمَا جَمِيعًا.
(وَالثَّانِي:) أَي النَّوْع الثَّانِي مُخْتَصّ. (بِمَا لَهُ طرق مُتعَدِّدَة) أَي من الحَدِيث الْمَشْهُور.