الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جهة الشرع فقط. نزل التكليف أيضًا بحسب ذلك العالم، فالعالم الذي فيه التكليف فيه التأثير، والتأثر أيضًا، وما ليس فيه تأثيرٌ إلا للَّه الواحد القهار، ليس فيه تكليفٌ، فمن أتى بأحكام أحد العالَمين على الآخر، فقد ضلّ وغوى.
ومن أظلم ممن خَرَقَ العالمَ المشهودَ، وجعل يبحثُ فيه عن أحكام الرب الودود. فالإِيرادات التي تعرِض على مسألة التقدير، كلُّها نقضٌ لمشاهدة نفسه عند التحقيق. ألا ترى أن الرجلَ لا يتعطَّلُ عن الأسباب لدُنياه، فإذا عرضت له الآخرة تمسَّك بالتقدير، وخَرَق ما شاهده من تأثير الأسباب، ودخل في عالمٍ آخر، وإلى بما فيه، وتعلَّل منه، مع كونه في هذا العالم، وصدق الله العلي العظيم:{وَكَانَ الإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلًا} (الكهف: 54)، فلو فعل مثلَه في دُنياه، فلم يأكل، ولم يشرب، ولم يكتسب مالا، ولم يرفع إلى الأسباب رأسًا، لكان لنا محل صبر، ولكنه لمَّا تظهر له الدنيا، يرى أن الأسباب هي المؤثرة الحقيقية، وإذا لاح له من أمر الآخرة شيءٌ زَعَمها معطلةً لا تأثيرَ فيها، فيا لجَوْرِه:
*أصمْ عن الشيءِ لا أُريدُه
…
وأسمعُ خلقَ اللهِ حينَ أُريدُ
فيرى الأسبابَ أكسدُ شيءٍ لعُقباه، وأنفق شيءٍ لدنياه، فيا ويلاه ويا ويلاه.
قوله: (اللهم اعط منفق مالٍ خلفًا) أي بدلا عنه.
1442 -
قوله: (اللهم اعط ممسكًا تلفًا) أي اجعل التَّلفَ في ماله، فلا يحصل له غير النقصان.
29 - باب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ
1443 -
حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ» . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَاّ سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِىَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ» . تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِى الْجُبَّتَيْنِ. أطرافه 1444، 2917، 5299، 5797 - تحفة 13520، 13751، 13517 - 143/ 2
1444 -
وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ «جُنَّتَانِ» . وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرٌ عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم «جُنَّتَانِ» . أطرافه 1443، 2917، 5299، 5797 - تحفة 13638، 13517 ل
30 - باب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ: {أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267].
قوله: (وتعفو أثره)، أي تمحو آثار أقدامه، قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} والظاهر أنها التجارة، {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] كالعُشْر وغيره. ثم إن القرآن عمّم مما خرج من الأرض، ولم يُشر إلى نصابٍ فيه، فدل على مسألةِ الحنفيةِ من وجوبِ العُشر في كل ما خرج، قليلا كان أو كثيرًا. ولذا صرح ابن العربي أن الأسعدَ بالآية في هذا الباب هم الحنفية
(1)
.
(1)
واعلم أن الشيخ رحمه الله أجملَ الكلامَ في هذا الموضع، وتجدُه مفصلًا في موضع آخر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وكنت أريدُ أن أعلق تلك الحاشية هناك، غير أني لا أذكرُ ذلك الموضع، فأردتُ أن أُلحقها ههنا.
فاعلم أن توضيحَ كلامِهِ، وتنقيح مرامه على وجه التفصيل لا يتحصَّلُ إلا بعد تمهيدِ مقدمة، وهي أن ههنا مسألتين نبه صاحب "الهداية" على الفرق بينهما:
الأولى: في وجوب العُشر في كل ما يخرج من الأرض: الخضراوات وغيرها سواء.
والثانية: في اشتراط النِّصاب؛ فالحاصل أن الخلاف في موضعين: الأول: فيما يجبُ فيه العُشر. والثاني: في
قَدْرٍ يجبُ فيه العُشر، فذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى العموم فيهما، واختار العمومَ في الأجناس، والعمومَ في
المقدارِ كليهما، فيجب العُشر عنده في الأجناس كلها، في قليلها وكثيرها، بدون اشتراط نصاب، إلا ما استثناه
أصحابنا، بدليل لاح لهم، وقد بَسَطَه صاحب "الهداية" فراجعه.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الحنفيةَ استدلوا من القرآن، وقالوا: إن قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] يُشعر بالعمومِ في الطرفين، فإنَّ النص لم يفرق في وجوب العُشر بين ما يخرج من الأرض، ولا أشار إلى اشتراطِ نصابٍ فيه. وزعموا أن القاضي أبا بكر بن العربي مع كونه مالكيًا قد وافقهم أيضًا، والشيخ رحمه الله لم يُنَازع في تمسكهم بالنص، وإنما خالفَ فيما فهموه من مراد القاضي، نعم، تلك أذواقٌ، فبعضُ الناس يغمض عن الظفَرِ بالمقصود، والآخر يحقِّق المقام، ولا يُبَالي بموافقة أحدٍ، ولا بمخالفتِهِ، فإنه قد يعودُ من باب توجيه القائل بما لا يَرضى به قائلُه.
فها أنا آتيك أولًا بعبارتِهِ التي ذكرها في "شرحه للترمذي"، وهي التي فهمها الحنفية أنها لهم، والثانية: ما ذكرها في تفسيره المعروف بـ: "أحكام القرآن" وهي التي دعا الشيخ رحمه الله إلى تحقيق المَقَام على خلاف ما زعموه.
فأقول: إن القاضي رحمه الله ذكرها في موضعين:
الأولى، وهي الأصرح عندهم: في باب زكاة الخَضراوات
…
إلخ، وهذا نصه: قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} ، إلى قوله:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] فامتنَّ الله على خلقه في إنبات الأرض، ثم قال لهم: كلوا مما أنعمت به عليكم، وآتوا حقَّهُ إذا جمعتموه بأيديكم، وآويتُموه إلى رِحَالِكم، فكما خَلَقه نعمةَ، ومكَّن منه نِعمةَ، أوجب فيه الحق. قال مالك: الحق ههنا الزكاة، وصَدَقَ. ومن قال غير هذا فقد وَهِمَ، وتعينَ حمل هذا على عمومه، إلا ما خصَّهُ دليلٌ يصحُّ تخصيصُه هنالك، حسب ما ذكرناه وحققناه هناك.
فأما مَن حمله على عمومه، فاستثنى الحطب، والقصب، والحشيش، فلا يقال: إنه تخصيص، لأنه قال:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ} ، فإنَّما أوجبَ إيتاءُ الحق فيما يؤكل، وإلى هذا النحو أشار حمَّاد، وعليه دار من قال: مالُه ثمرةُ باقية، ولكنه خصه بالمُقتَات، بإشارة قوله:{يَوْمَ حَصَادِهِ} وكأنه أشار بيوم الحصاد إلى يوم يرفع إلى الجَرِين. =
...........................
= يقول العبد الضعيف: وهذه العبارة كلها -كما ترى- في العموم في الخارج من الأرض، لا في حق العموم في المقدار، فإنه لم يتعرض فيها إلى العموم الثاني، ولو بحرف، ألا ترى أنه يذكره في باب زكاة الخَضراوات وغيرها، وهو العموم الأول دون الثاني، وكذلك استثناؤه للحطب والقصب، يُعيِّنُ مراده في المستثنى منه، وهو العموم في الأجناس والأنواع دون المقدار.
ثم صرح بعد ذلك بتقويته مذهبَ الحنفية، فأخذتهم عجلةً، كما تأخذ المرء عند الظَّفَرِ بالمقصود، فحملوها على العموم في المقدار، وزعموا أنه يُؤيدُهم في مسألة اشتراط النصاب أيضًا، مع أنه لم يتكلم في تلك المسألة بحرف.
وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة رحمه الله دليلًا. وأحوطها للمساكين. وأولاها قيامًا بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية، والحديث، أي "فيما سقت السماء والعيون العُشر"
…
إلخ. وقد رَام الجُويني على تحقيقه أن يُخرِجَ عمومَ الحديث من بين يدي أبي حنيفة رحمه الله، بأن قال: إن هذا الحديث لم يأت للعموم، وإنما جاء بتفصيل الفرق بين ما تقل مُؤنَتُه وتكثُر، وبدأ في ذلك وأعاد، وليس يمتنعُ أن يقتضي الحديثُ الوجهين: العموم، والتفصيل، اهـ.
وعبارته من الموضع الثاني ذكرها في باب صدقة الزرع والتمر والحبوب وهذا نصه: إن في قوله: "فيما دون خمسة أوسق" دليلٌ على أن وجوبَ الصدقة في كل شيءٍ يجري فيه الوَسق والصاع، قال الله تعالى:{وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، وقال:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقال عليه الصلاة والسلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صَدَقة" فخرج ما دون النصاب من الآية
…
إلخ، وهذا لأن كان فيه نحو تعرض إلى مسألة النصاب، إلا أن الآية فيه ليست التي ذكرها في باب زكاة الخَضْراوات، والبحث إنما هو في عمومِها، هل هو في حق الأنواع والنصاب كليهما، أو في حق الأنواع فقط؟ ثم لا يذهب عليك أنه ذكر العمومَ في الآية، والحديث كليهما.
ثم رد على الجُوَيني في إخراجِهِ عمومَ الحديث فقط من يد أبي حنيفة رحمه الله، ولم يتعرض فيه إلى عموم القرآن أصلًا، كما يظهر من تقريره، فاحفظه، فإنَّه قد يسري إلى الوهم أن رده على من أراد أن يخرح من يده عموم الآية، وليس فيه ذلك، ولا لوم فيه، فإنه من سجية الإِنسان أنه إذا ظَفِرَ بمقصوده تأخذه عجلةٌ تمنعُه عن الفحص والإمعان، فهذه عبارته من "شرحه للترمذي".
أما عبارته في "تفسيره"، فمن تفسير تلك الآية، وقد أفادت هذه الآية:{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام: 141] إلخ وجوبَ الزكاة فيما سمَّى الله سبحانه، وأفادت بيانُ ما يجب فيه من مُخرَجَات الأرض التي أجملها في قوله:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] وفسرها ههنا، فكانت آية البقرة عامة في المخرج كله، مجملةٌ في القَدر، وهذه خاصة في مُخرَجَات من الأرض مجملةٌ في القدر، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمر بأن يُبينَ للناس ما نُزِّل إليهم، فقال:"فيما سقت السماء العُشْر، وما سقي بنَضحٍ أو دالية نِصفُ العُشر"
فكان هذا بيانًا لمقدار الحق المجمل في هذه الآية، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:"ليس فيما دون خمسةِ أوسقٍ من حَبٍّ أو تمرٍ صدقة" خرجه مسلم وغيره، فكان هذا بيانًا للمقدار الذي يؤخذ منه الحق، وهو الذي يُسمَّى في ألسنةِ العلماء نصابًا. اهـ.
فهذه العبارة كما ترى تنادي بأعلى نداءٍ: أنه لم يعتبر العموم في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} في حق النصاب، وإنما أجراه في مُخرَجاتٍ من الأرض.
فتلك من مُبدِعَات الشيخ رحمه الله، حيث كان الناسُ يفرحونَ ويفتخرون بتأييد القاضي لهم، فلما أبرزه الله على وجه الأرض، جاء وكشف عن حقيقة الحال من غير مرية، ولا دعوةِ نزال، فإن كنتَ ربَّ هذه الضالة فخذها مِن مُنشِدٍ غير ممتنٍ، وإلا فسوف يأخذها ربَّها إن شاء الله تعالى.