الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
113 - باب ثَمَنِ الْكَلْبِ
2237 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ - رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِىِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. أطرافه 2282، 5346، 5761 - تحفة 10010
2238 -
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَوْنُ بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِى اشْتَرَى حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ. أطرافه 2086، 5347، 5945، 5962 - تحفة 11811 - 111/ 3
2237 -
قوله: (ومَهْرِ البَغِيَّ)، وترجمة المهر ههنا (خرجى). واعلم أنه وَقَعَ في «حاشية جَلَبي على شرح الوقاية»: أن أجرةَ الزانيةِ حلالٌ عند أبي حنيفة، وهو شنيعٌ جدًا، ومُخَالِفٌ للنصِّ أيضًا. فأَجاب عنه مولانا الكَنْكُوهِي: بأن ما كَتَبَه جَلَبي مسألةٌ من باب الإِجارة الفاسدة، كما يُعْلَمُ من صنيع أصحابنا، فإنهم لم يَذْكُرُوها إلا في هذا الباب، فدلَّ على ما قَصَدُوه، فلا يكون المعقودُ عليه هو الزنا. وصورةُ المسألة: إن استأجر امرأةً لِتَخْبِزَ مثلا، واشْتَرَطَ أن يَطَأَهَا أيضًا، فهذا الشرطُ فاسدٌ. والمسألةُ في الإِجارة الفاسدةِ عندنا: أن الأَجرَ فيها طيبٌ، لكونها مشروعةً بأصلها، وغير مشروعةٍ بوصفها، فلا تكون باطلةً من كل وجهٍ. فالأجرةُ ههنا على الخبز، ولا خَبْثَ فيه، وإنما الخبثُ، لمعنى خارجٍ، وليست الأجرةُ بدلا عنه، فتبقى طيبةً لا مَحَالَةَ.
أقول: لكن يَرِدُ عليه أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارة الفاسدة، كما في «الشامي» ، نقلا عن «المحيط»: أن ما أخذته الزانيةُ، إن كان بعقد الإِجارة فحلالٌ، وإلا فحرامٌ اتفاقًا. فهذا يَدُلُّ على كون الزنا نفسه معقودًا عليه، مع التصريح بكون أجرتُه حلالا، فدَلَّ على أن المسألةَ لا تَقْتَصِرُ على الوجه المذكور.
ثم العجبُ أن أصحابَنا نَقَلُوا الإِجماعَ على حُرْمَةِ أجرة الزنا أيضًا، كما في «البحر». وهكذا نقله النوويُّ. وقد مرَّ الحافظُ ابن تَيْمِيَة على تقرير تلك المسألة في كتابه «الصراط المستقيم». ويُسْتَفَادُ منه أيضًا: أن المسألةَ عندنا أعمُّ من الإِجارةِ الفاسدةِ، وغيرها، وحينئذٍ يَعُودُ المحذورُ. ولم يتعرَّضْ ابن تَيْمِيَة إلى هذه المسألة، بل قال: إن الإِجارةَ على عملٍ خاصٍ، تَقَعُ على مطلق العمل. فمن اسْتَأْجَرَ رجلا لِيَحْمِلَ إليه الخمرَ، فهو جائزٌ، لأن الإِجارةَ، وإن كانت على خصوص حمل الخمر، لكنها تَقَعُ على مطلق العمل، فيجوز له أن يَأْمُرِهُ بحمل الماء مكان الخمر. فَخَرَجَ من تعليله هذا: أن المسألةَ عندنا لا تَقْتَصِرُ على الوضع الذي ذُكِرَ، وإن كان الفقهاءُ ذكروها في باب الإِجارة الفاسدة.
فالجوابُ عندي: أن أصلَ تلك المسألة في «المحيط» للبرهاني، ويُعْلَمُ منه: أن المسألةَ مفروضةٌ بين المولى وجاريته خاصةً، فإن آَجَرَهَا المولى للزنا، وجعل له أُجْرَةً طابت له الأُجْرَةُ،
لكون المعقودُ عليه فيها تسليمَ النفس دون الزنا خاصةً. فإن زَنَتْ من غير أن يُؤْجِرَهَا المولى لا تَطِيبُ له الأجْرَةُ، لأنها لا تَمْلِكُ منافعَ بُضْعِهَا، فلا تَمْلِكُ إجارتها أيضًا. نعم يَجِبُ له العُقْرُ، ويَسْقُطُ الحدُّ. فإن وجوبَ المهر، أو العُقْرِ يَمْنَعُ وجوب الحدِّ عندنا.
وقد ذَكَرَ الحنفيةُ: أن الأجيرَ على قسمين: أجيرٌ مطلقٌ، وذلك يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ بتسليم النفس، ولو لم يَعْمَلْ شيئًا. والثاني: أجيرٌ مُشْتَرَكٌ، ويكون المعقودُ عليه فيها عملا خاصًا، فلا يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ إلا بعد عمله، كالقَصَّار، والخيَّاط، والصبَّاغ. فإن جَعَلَ تسليمَ النفس، والعملَ كليهما معقودًا عليه، فَسَدَتِ الإِجارة، كما في «ما لا بد منه» - رسالة بالفارسية - للشيخ العارف بالله ثناء الله الفاني فتى، من أَجِلَّة علماء الهند. وهناك قسمٌ ثالثٌ أيضًا، وفيه بحثٌ، وراجع له «الدرر والغرر» .
وبالجملة كانت المسألةُ مختصةً بالمولى وجاريته، فأَجْرَاها الشاميُّ بين الحرائر أيضًا، مع أنه لا تعلُّق لها بالحرائر. ثم ذاك أيضًا بحسب زمانهم، فإنهم كانوا في زمانٍ لم تَكُنْ الإِجارة على الزنا شَاعَتْ فيه. وإنما كان الفُسَّاقُ يَحْتَالُون له، فيستأجرون الجواري على طريق الأجير المطلق، ثم كانوا يَزْنُونَ بهنَّ أيضًا، فساغ للفقهاء أن يَحْمِلُوها على تسليم النفس، تصحيحًا للعقد مهما أمكن، وحملا لحال المسلم على الأَصْلَح. وإن كان عَقَدَ على الزنا وسمَّاه، فإنه من مسخ فطرته، وسوء بِطَانَتِهِ، فلا يُلْتَفَتُ إليه، ولا يُصْغَى لقوله، كما مرَّ عن ابن تيمية: أن الإِجارةَ على حمل الخمر تَنْصِرفُ إلى مطلق الحمل.
أمَّا إذا شاعت الإِجارةُ، والاستئجارُ في الزنا، كما في زماننا، تعذَّرَ التأويلُ المذكورُ، وتعيَّن كون الزنا هو المعقودُ عليه، فَتَحْرُمُ الأجرة مطلقًا. أمَّا في الحرائر فظاهرٌ، وأمَّا في جاريته فلانقلاب الحال.
ومن ههنا ظَهَر سرُّ الفرق بين أجرة النائحة والمغنية، حيث جَزَمَ فقهاؤنا بحُرْمَةِ أجرة المغنية والنائحة، كما في «الكنز» مع جريان هذا التأويل فيهما أيضًا. وذلك لأنهم لمَّا نَظَرُوا في زمانهم، وجدوا الإِجارةَ قد فَشَتْ في باب الغناء والنَّوْح، فجعلوهما معقودًا عليه، ولم يَحْمِلُوها على تسليم النفس. بخلاف الزنا، فإنهم لم يَجِدُوا الإِجارةَ فيه شائعة، كما في زماننا. فإن الناسَ لقلَّة الدين والدِّيَانة، وضعف الإِيمان والأمانة، يستأجرون ولا يُبَالُون، يَزْنُونَ ولا يَسْتَحْيُون، فكيف يكون اليوم لهم التأويلُ. وإلا فلا أعرف فرقًا بين النوعين، حيث حَرُمَتْ الأجرة في الغناء، وطابت في الزنا، مع كون الزنا أشنعَ وأفحشَ، ويَلْحَقُ به ما عند البخاريِّ في كتاب الإِكراه، باب إذا اسْتُكْرِهَتْ المرأة على الزنا، فلا حدَّ عليها، وعن الزهريِّ:«أنه لو زنى أحدٌ من أَمَةٍ بِكْرٍ يَجِبُ عليه الحدُّ، وضَمِنَ النقصان» .
وفي «الهامش» ، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثَوْر: فكما أن إيجابَ الضمان في الصورة المذكورة لا يُعَدُّ أجرةً لزناه، بل يُعَدُّ ضمانًا للنقصان، كذلك الأجرة فيما نحن فيه، لا تكون أجرةً للزنا، بل أجرةً للحبس، وتسليم النفس. ثم إن عبارة «المحيط» تقتضي أن تلك المسألة لعلَّها حَدَثَتْ من لفظ المهر، فإنه يقتضي تَمَادِي تلك المعاملة، وطول فيها، وذاك إذا
كانت بطريق الاستئجار. بخلاف لفظ الأجرة، فإنه لا يقتضي ذلك، ويأتي في الزنا مرةً أيضًا. فلمَّا نَظَرُوا لفظَ المهر، وضعوا المسألةَ في الإِجارة لذلك. ولذا عَدَلْتُ عن ترجمته، إلى الترجمة ب- (خرجى)، فإنه يُسْتَعْمَلُ في معنى الأُجْرَةِ.
ومحصِّلُ الكلام، وجملةُ المرام: أن أجرةً الزنا حرامٌ عندنا أيضًا، أمَّا في الحرائر فمطلقًا، وأمَّا في الإِماء فكذلك، إلا ما وقع بين المولى وجاريته، ثم ذلك أيضًا في الزمن القديم. أمَّا اليوم، فلا تَحِلُّ مطلقًا، لا في الحرائر، ولا في الإِماء، لا في حقِّ مَوَالِيهنَّ، ولا في حقِّ غيرهم. وكان الواجبُ على أصحابنا أن يَنْظُرُوا في عبارة «المحيط» ، ولا يَهْدِرُوا القيودَ المذكورةَ فيها، لئلا يَرِدَ علينا ما أورده الخصوم. ولكن الله يَفْعَلُ ما يشاء؛ ويَحْكُمُ ما يريد، والله تعالى أعلم، وعلمُه أحكم.
فائدةٌ: واعلم أن «المحيط» اثنان: الأول للبرهاني، لجدّ شارح «الوقاية» وقد ذَكَرَ مولانا عبد الحيِّ أنه في أربعين مجلدًا، وقد رأيته في خمس مجلدات. والثاني للشيخ رضي الدين السَّرَخْسِيِّ، فاعلمه.
***