الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
30 - كتاب الصَّوْم
1 - باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
1891 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا» . فَقَالَ أَخْبِرْنِى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ فَقَالَ «شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا» . فَقَالَ أَخْبِرْنِى بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الزَّكَاةِ فَقَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ وَالَّذِى أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» . أطرافه 46، 2678، 6956 - تحفة 5009 - 31/ 3
1892 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ صَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَاّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. طرفاه 2000، 4501 - تحفة 7559
1893 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» . أطرافه 1592، 2001، 2002، 3831، 4502، 4504 - تحفة 16368
ذهب عامةُ المفسِّرين إلى أن تلك الآيات نزلت في شهر رمضان، وعندي لا مِسَاسَ لها برمضان، وإنما هي في الأيام البِيض وعَاشُورَاء، وكانت فريضةً قبل رَمَضَان. ولذا قال:{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} فتعبيرُه بالأيام أدَلُّ وأصْدَقُ على تلك الأيام من رمضان، كما يَشْهَدُ به الذَّوْقُ الصائبُ. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي من لم يَصُمْ تلك الأيام لمرضٍ أو سَفَر، فعليه أن يَقْضِيها من غير تلك الأيام. {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، وفي قراءة «يُطوّقُونَه» وهذا الحكم أيضًا يتعلَّق بالأيام البِيض، ولا تعلُّق له برمضان.
فهذا نصٌّ في أن تلك الآيات في حقِّ الأيام البيض، وإنما افْتُرِضَ صيامُ رمضان من قوله:{شَهْرُ رَمَضَانَ} .. إلخ. ومن ههنا ظَهَرَ وجهُ قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فإن ذلك الصيام كان في الأمم السالفة أيضًا. بخلاف رمضان. وحينئذٍ لا حاجةَ إلى التأويل في آية الفِدَا، كما قال قائلٌ، بحذف حرف النفي. أي معناه: لا يُطِيقُونَه.
قلتُ: وهو سفسطةٌ، فإنه يُوجِبَ رفع الأمان عن الكلام، حيث يتعذَّر الفرق بين المُثْبَت والمنفي، أو يتعسَّر، فإنَّا لا ندري أَمُثْبَتٌ هو أم مَنْفي؟ فإذا حَكَمْنا بكونه مُثْبَتَا ربما أمكن أن يكون مَنْفِيَّا بتقدير «لا» فإذن لا يمكن الجزم بكونه مُثْبَتَا أو مَنْفِيَّا، وهو كما ترى. وحاشا النحاة أن يتكلَّموا بمثله، وإنما ذَكَرُوا تقدير حرف النفي فيما إذا كان جواب القَسَم فعلا مضارعًا مُثْبَتَا، ولا يكون هناك من طلائع القَسَم، كما في قوله تعالى:{تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85] أي لا تَفْتَأُ، وليس ههنا شيءٌ منهما. ثم هذا أيضًا ليس بمرضيَ عندي، وإنما يُوخَذُ النفيُ في الصورة المذكورة من صورة الإِكفار، لا أنها محذوفةٌ، فيَذْكُرُون الفِعْلَ مُثْبَتًا، ويُؤْخَذُ منه النفيُ بصورة الإِكفار، فإن المرادَ منه النفيُ.
ولو تنبَّه النحاةُ على محاورة اللُّغات الأخرى لتركوه على أصله، ولم يَذْهَبُوا إلى التقدير. فإن التقديرَ بمثله يَمْحَقُ بهاء الكلام ورَوَاءَه لا سِيَّما في قوله:{يُطِيقُونَهُ} فإنه مُسْتَبْشَعٌ جدًا. ثم إنهم تعلَّموا هذا الجواب من «الكشاف» ، ولم يُدْرِكُوا مراده، فحرَّفوه إلى يا ترى. قال الزَّمَخْشَرِيُّ ما حاصله: إن فِعْلَ الإِطاقة بمادته لا يُسْتَعْمَلُ إلا فيما يُتَعَذَّرُ أو يُتَعَسَّرُ، فإنك تقول: إني أُطِيقُ أن أَحْمِلَ هذا الحجر الثقيل، أو أن أَسْرُدَ في الصيام، أو أن أُصَلِّي الليلة كلَّها مثلا. ولا تقول أبدًا إنك تُطِيقَ أن ترفعَ اللُّقمةَ إلى فِيكَ، أو هذا القلم إلى أُذُنِكَ، أو نحو ذلك مما لا عُسْرَ فيه.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن الله تعالى لمّا ذكر الذين يُطِيقُون الصيامَ، عَلِمْنَا أنهم هم المعذورون الذين تعذَّر عليهم الصيام
(1)
، أو تعسَّر إلا بشِقِّ الأَنْفُس، وكأنهم سُلِبَتْ عنهم الطاقة.
(1)
فقد روى الطحاويُّ عن ابن عباس في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} : قال الذي يَتَجَشَّمُونَهُ، ولا يُطِيقُونَهِ -يعني إلَّا بالجهد- الحُبْلَى، والكبير، والمريض، وصاحب العُطَاس. اهـ. "مشكل الآثار". وعن سعيد بن جُبَيْر:"أن ابن عباس كانت له جاريةٌ تُرْضِعُ، فَجَهَدَت، فقال لها: أفْطِري، فإنك بمنزلة الذين يُطِيقُونَه". اهـ، قلت: والعُطَاس -بالسين المهملة- وهو داءٌ يكون في الصبيان.
فنفي الطاقة مرادٌ بهذا الطريق، لا أنه ذهب إلى تقدير حرف النفي، فإنه لا يقوله عاقلٌ، فكيف بمن كان فردًا في البلاغة. وإذن، حاصل الآية: أن الفِدْية أيضًا كانت مشروعةً يومئذٍ، بشرط أن يَشُقَّ عليهم صيامها، فكانت الفِدْيةُ في تلك الأيام، فنقلُوها إلى رمضان، ثم تأوَّلُوا بكلِّ نحوٍ. نعم يُخَالِفُهُ ما عند البخاريِّ عن سَلَمَة بن الأكوع، فإنه يَدُلُّ على أن الفِدْيَة كانت في رمضان في أول الإِسلام، ثم نُسِخَت.
قلتُ: إن وقع التعارُض بين مُعَاذ، وسَلَمَة، ولم يرتفع، فاتباعُ مُعَاذ أولى، فإنه كان أعلم بالحلال والحرام بنصِّ الحديث. ولا نُبَالي في كون حديثه في أبي داود بعد صحته، وكون حديث سَلَمَة عند البخاريِّ، وإنما يَنْحَصِرُ الترجيح باعتبار الأسانيد فقط عند من لا يُرَاعي الوجوه الأُخر. وقد نبَّهناك فيما أسلفنا أن الأسانيدَ طرقٌ لتمييز كلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيره فقط، ولولا ذلك لَمَا عَبِأْنَا بها، فالطريقُ أن لا يَعَضَّ بها حتى تُفْضِي إلى ترك كثيرٍ من الأحكام. فإذا صَحَّ الحديث، فَلْيَضَعْهُ على الرأس والعين، ولْيَعْمَلْ به على أنه يمكن تأويله أيضًا، بأن يُقَال: إنه كان ذلك حكم رمضان قبل الهجرة وبعدها بنحو سنة ونصف، فلمَّا فُرِضَ رمضان في الثانية، ونزل قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ}
…
إلخ، نُسِخَ ذلك. لا يُقَال: ينبغي التناسُب بين العِلَّة والحكم، مع أن الفِدْيَة لا تَرْتَبِطُ بوصف الطاقة، لأنا نقولُ: معناه {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ولم يَصُومُوا {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ، وإنما حذف المعطوف لكونه غير مرضيَ عند الله، فإن المطلوبَ هو الصيام، فإذا كِرِهَهُ صَفَحَ عن ذكره أيضًا.
قوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184]، أي فمن زَادَ في الطعام على قدر الواجب، فله في ذلك فضلٌ. إلا أن الفضلَ كلَّ الفضل في الصوم، وإن جازت الفِدْيَةُ أيضًا، ولذا قال:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى قوله: {فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 184 - 185]. ومن ههنا بُدِيء ذِكرُ رمضان وافتراضه، كما علمت {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] كرَّره لئلا يُتَوَهَّم نسخ الحكم بالقضاء بنسخ الأيام البِيضَ، فصرَّحَ بأن المريضَ والمسافرَ على رخصتهما كما كانا قبل افتراض رمضان. ولم يَذْكُر الافتداءَ في رمضانَ، لأنه كان حين كانت الفريضةُ الأيامَ البِيضِ، وبهذا اندفع التكرارُ المُسْتَبْشَعُ في نظامٍ واحدٍ.
واعلم أن النَّسْخَ عند السلف أكثرُ كثيرٍ، وذلك لأنهم أَطْلَقُوه على تقييد المُطْلَقِ، وتخصيص العامِّ أيضًا، فَكثر النسخُ عندهم لا مَحَالة. ثم جاء المتأخِّرون من الأصوليين فنقَّحُوه، وقالوا: إن النَّسْخَ عبارةٌ عن رفع المشروعية. فَقَلَّ عندهم بالنسبة إلى السلف، حتى إن السيوطي صرَّحَ في «الإِتقان» بنسخ إحدى وعشرين آية فقط، ثم جاء قدوة المُحَقِّقِينَ الشاه ولي الله، فحقَّقه في ستة أياتٍ فقط، وفسَّر سائر الآيات بحيث صارت مُحْكَمَة، ولم تَفْتَقِرْ إلى القول بالنسخ.
ومن ههنا فَلْيُفْهَم معنى التفسير بالرأي. أَما رأيتَ أنهم كيف فسَّرُوها من آرائهم، حتى إن بعضَهم جَعَلُوها منسوخةً، وآخرون مُحْكَمَةً، ثم لا يكون هذا عندهم تفسيرًا بالرأي. فالذي يُمْكِنُ في بيان مراده - وإن لم يَكُنْ وافيًا - هو أن تحريفَ الكَلِم عن مواضعها. وبيانَ مرادها حتى