الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
29 - باب إِذَا جَامَعَ فِى رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَإِنْ صَامَهُ» . وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِىُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ يَقْضِى يَوْمًا مَكَانَهُ.
1935 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ. قَالَ «مَالَكَ» . قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِى فِى رَمَضَانَ. فَأُتِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بِمِكْتَلٍ، يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ» . قَالَ أَنَا. قَالَ «تَصَدَّقْ بِهَذَا» . طرفه 6822 - تحفة 16176
ذَهَبَ الجمهورُ إلى أن من جَامَعَ في رمضانَ، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ. واختار البخاريُّ أن لا قضاءَ عليه، وعليه الكفَّارة. وأمَّا في غيره، فلا قضاءَ ولا كفَّارةَ عند المصنِّفِ. وأوجبهما أبو حنيفة، ومالك في الأكل والشُّربِ أيضًا. خلافًا للشافعيِّ، وأحمد. أمَّا انتفاءُ القضاء عنده، فلِمَا روى الترمذيُّ:«أن من أَفْطَرَ متعمِّدًا يومًا من رمضانَ من غير رُخْصَةٍ، ولا مرضٍ، لم يقضِ عنه صوم الدَّهْرِ كلِّه، وإن صامه» . وأمَّا انتفاءُ الكفَّارةِ، فلكونها تعزيرًا. والأصلُ فيه الظِّهَار، فإن الشَّرْعَ أَوْجَبَ فيه صيامَ شهرين متتابعين تَعْزِيرًا، لمَّا قال مُنْكَرًا من القول وزُورًا. ولذا يجبُ عليه قضاؤه عند الجمهور، فإن القضاءَ للصَّوْمِ الذي أفسده. وأمَّا صيامُ شهرين متتابعين فتعزيرٌ لِمَا فعله، وليس بدلا عن صومه الذي أَفْسَدَهُ.
فإذا عَلِمْتَ أن الكفَّارة بالصِّيام تعزيرٌ، وليس بدلا عن الصوم، عَلِمْتَ أنها لا تنبغي أن تَجِبَ في الأكل والشرب، لأن التعزيرَ لا يجري فيه القياس، كما في الحدود، فتَقْتَصِرُ على موردها، لا سِيَّما إذا كان الأكلُ والشربُ أخفَّ من الجِمَاع أيضًا. هذا تقريرُ كلامه مع الجمهور. وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه أن الصِّيامَ إذا صار كفَّارةً عن الجِمَاع - وهو أشدُّ - فليكن عن الأكل والشرب بالأَوْلى، فإنهما أخفُّ.
وتقريرُ الجواب أن الكفَّارةَ بالجماع ليست للتلافي، بل هي تعزيرٌ له. فكما أن الصِّيامَ ليست كفَّارةٌ له في الأكل والشربِ عندكم أيضًا، كذلك في الجِمَاع أيضًا، إلا أنا قلنا بها في الجِمَاع للنصِّ، تَعْزيرًا لا تكفيرًا، ولا قياسَ فيه.
قلتُ: وهذا يُؤَيِّدُ الحنفيةَ: أن الكفَّارات عند البخاريِّ زواجرُ لا سَوَاتِر، كما قاله الشافعيةُ، وقد مرَّ الكلامُ فيه في الإِيمان.
ثم اختلف الجمهورُ فيما بينهم في إيجاب الكفَّارة بالأكل والشرب بعد اتفاقهم في إيجابها بالجِمَاع: فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى إيجابها فيهما. وذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أنها بالجِمَاع خاصةً.
قلتُ: والأصلُ أن الأئمةَ اختلفوا في تنقيح مناطه
(1)
: فذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أن إيجابَ الكفَّارة فيه لأجل الجِمَاع من حيث كونه جِمَاعًا. وقال أبو حنيفة، ومالك: بل لكونه مُفْطِرًا. ولا فرقَ بين الأكلِ، والشربِ، والجِمَاع في حقِّ الإِفطار، فيستوي في حقِّ الكفَّارة أيضًا. ولا عِبْرَةَ بكون الجِمَاع أغلظَ من غير هذا الوجه. ولعلَّك عَلِمْتَ مما قُلْنَا، أن إيجابَ الكفَّارة بالأكل والشرب ليس من جهة القياس، بل لتنقيح المناط، وهو غير القياس، كما مهَّدْنَاه في المقدمة. وأمَّا حديثُ الترمذيِّ، فَمَحْمَلُه عند الجمهور الفضلُ دون الفِقْهِ، أي من أفطر يومًا من رمضان، فإنه لا يُدْرِكُ فضله، وإن صَامَ الدَّهرَ. وليس فيه: أنه لا يَسْقُطُ عنه قضاؤه أيضًا.
والحاصلُ: أن لا كفَّارةَ عليه عند المصنِّف بالأكل والشرب، وعليه الكفَّارةُ بالجِمَاع تعزيرًا. ولا قضاءَ عنده في الفصلين، ولا تَحْسِبْ أنه تخفيفٌ وتهوينٌ منه، بل هو تشديدٌ في غايته. كما قال إمامُنا الأعظم: أن لا حدَّ على اللُّوطي، وذلك لأنه عَدَّه أشنعَ من الزاني، فأغلظَ له في العقوبة، فيفعل به الإِمامُ ما شاء من الحَرْقِ، وهَدْمِ البناء عليه، وغير ذلك. وكما قال ابن حَزْم: من ترك الصلاة متعمِّدًا فلا قضاءَ له، فهذا أيضًا تشديدٌ.
قوله: (وقال سعيدُ
…
إلى قوله: يقضي يومًا مَكَانَهُ)
…
إلخ، أخرج المصنِّفُ آثارًا متعارضةً. ففي الأول: أن لا قضاءَ عليه، وفي الثاني: أن عليه القضاء، وذلك لعدم جَزْمِهِ بالقضاء.
(1)
فائدةٌ: قد بيَّنا لك في المقدمة معنى الأعمال الثلاثة، فَظَهَرَ لنا الآن أن نَعُودَ إليه ثانيًا. قال الشيخُ: واعلم أن هذه الأعمال تعرَّض لها الشافعيةُ في كُتُبهم، وأخذ عنها الشيخُ ابن الهُمَام، فذكرها في "تحرير الأصول"، وهو كتابٌ صَعْبٌ. وألَّف الشيخُ يعقوب باشا كتابًا سمَّاه "تيسير الأصول"، وأراد فيه أن يُسهِّلَ وُيبَيِّن كلام ابن الهُمَام في "التحرير".
ثم اعلم أن هنا ثلاثة أعمال: تحقيق المناط، وتنقيحُ المناط، وتخريجُ المناط. أمَّا الأوَّل، فهو أن تَرِدَ ضابطةٌ كليةٌ من جانب الشرع، فتُجرِيها في الجزئيات، نحو أنه وَرَدَ في الشرع: أن الماءَ الكثيرَ لا يتنجَّسُ بوقوع النجاسة فيه، فهذه ضابطةٌ، ثم تَبحَثُ عن الماء المخصوصِ مثلًا أنه ماءٌ كثيرٌ أم لا؟ فهذا تحقيقُ المناط. فالمناط مذكورٌ من جهة الشرع، وأنت تحققه وتُثبِتُه في هذا الموضع فقط، وذلك لا يختصُّ بالمجتهد.
وأمَّا تنقيحُ المناط، فهو تَتَبُّعُ المناط لحكم وَرَدَ من قَبلِ الشرع. وذلك من وظيفة المجتهد، فإنه يتفكَّرُ في أن الحكمَ المذكورَ مقصورٌ على المنصوص، أو يدورُ بعلةٍ، كالاستنجاء بالحجارة. فإن الحديثَ وَرَدَ في الاستنجاء بالحجارة، ولكن على المجتهد أن يتفكَّرَ في أن الحكمَ مقصورٌ على الحجارة، أو يدورُ بكل قالعٍ للنجاسة تافهٍ غير محترم، فيتعدَّاها.
والثالث: تخريجُ المناط، وهو: أن الحكمَ الشرعيَّ وَرَدَ في محل، وفيه أوصافٌ عديدةٌ يَصلح كلٌّ منها أن يُنَاطَ به الحكم، فَيُخَرِّجُ المجتهدُ منها ما هو المناط عنده، ويَهدِرُ الباقي، كحرمة الربا في الأشياء الستة. فخرَّج مالك: أن المناطَ منها الاقتياتُ والادخارُ وأبو حنيفة: الكيلُ والوزنُ، والشافعيُّ: الطعمُ والثمنيةُ. وقد صَرَّح ابن رُشْدٍ: أن الأسبقَ فيه الحنفية، ومناطُهم أقوى.
إذا عَلِمتَ هذا، فاعلم أن الإِمامَ أبا حنيفة لم يَقِس الأكلَ والشربَ على الجِمَاع، ولا شبههما به، بل عَملَ بتنقيح المناط، وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه ما أورده القومُ.