الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَاّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فَمْ امْرَأَتِكَ".
قوله: "إنك لن تنفق نفقة" يعني: قليلة أو كثيرة، والخطاب لسعد، والمراد هو ومن يصح منه الإنفاق.
وقوله: "تبتغي" أي: تطلب وتقصد.
وقوله: "وجه الله" أي: ما عند الله تعالى من الثواب، ولفظ الوجه من المتشابه، وفيه مذهبان:
التفويض: وهو مذهب السلف، ومعناه أن تفوض معرفة معناه إلى الله تعالى بعد تنزيهه عما لا يليق به من ظاهره.
والتأويل: وهو مذهب الخلف، ومعناه أن تحمله على أقرب المعاني الواردة في كلام العرب المنزهة له تعالى عما لا يليق به من صفات المخلوقين، كحمل اليد على القدرة، وحمل المعية في نحو قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} على المعيشة بالعلم والنصر.
وحمل الوجه على الذات أو الإخلاص، وقد ألفنا تأليفًا في متشابه الصفات، تتبعنا فيه ما ورد منها في الآيات والأحاديث، واستوفينا الكلام على ذلك غاية الاستيفاء، ولعله يُطبع قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقوله: "إلا أجرْتَ عليها" وهذا يحتاج إلى تقدير، لأن الفعل لا يقع استثناء، وقدره العيني، فقال: إلا نفقة أجرت عليها، فيكون أجرت عليها
صفة للمستثنى الذي هو نفقة، والمعنى: إن النفقة المأجور عليها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنها لو لم تكن لوجه الله لما كانت ماجورًا فيها، والاستثناء متصل، لأنه من الجنس.
قلت: كون الفعل لا يقع استثناء قاله في "الفتح"، ووافقه على ذلك العيني، فاحتاج إلى ما مر من التقدير، والذي في كتب النحو أن الفعل المضارع يجوز استثناؤه بدون شرط لمشابهته للاسم، نحو ما زيد إلا يقوم، والفعل الماضي يجوز استثناؤه إذا كان بعد فعل منفي، أو بعد حرف قد، فالأول نحو قوله تعالى:{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وقوله تعالى: {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} وفي الحديث الصحيح: "لا يَبْقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ غير العباس" وقوله: "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا" والواقع بعد قد كقول الشاعر:
ما المجدُ إلَاّ قَدْ تبيَّنَ أنَّهُ
…
بندى وحلْمٍ لا يزالُ مَؤثّلا
ولهذه المسألة أشار المختار بن بَوْن في "احمراره" بقوله:
وبَعْدَ نفيٍ أولها المضارِعا
…
والماضي بعد الفعلِ أو قدْ وقَعَا
فعلى ما قاله النحويون لا يحتاج إلى التقدير الذي قدره العيني، والمعنى مستقيم غير محتاج إليه، لأن المعنى حينئذ كلما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله كنت مؤجراً عليها.
قال السُّيوطي في "همع الهوامع": وإنما ساغ وقوع الماضي بتقديم الفعل؛ لأنه مع النفي يجعل الكلام بمعنى كلما كان كذا كان كذا، فكان فيه فعلان كما كان مع كلما.
وقوله: "حتى ما تجعل" أي: الذي تجعله، والموصول في محل نصب عطفًا على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، والخبر تجعل، وجعل العيني الخبر مقدرًا، أي: فأنت مأجور فيه.
وقوله: "في فم امرأتك"، وللكُشْمِيْهني:"في في امرأتك" وهي رواية الأكثر. قال القاضي عياض: وهي الأصوب، لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه، وتصغيره على فويه. قال: وإنما يحسن إثبات الميم عند الأفراد، وأما عند الأضافة فلا إلا في لغة قليلة.
واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه، لأن وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبًا في حالة المداعبة ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله، وقد وقع ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثًا فيه:"وفي بضع أحدِكم صدقة" قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: "نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام .. الحديث".
قال: وإذا كان هذا في هذا المحل مع ما فيه من حظ النفس، فما الظن بغيره مما لا حظ للنفس فيه. قال: وتمثيله عليه الصلاة والسلام باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة، لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة، فما الظن بمن أطعم لقمًا لمحتاج، أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأعلى.
وبيان هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها، لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها، وهو ينتفع منها بذلك، وأيضًا فالأغلب أن الإنفاق على الزوجة يقع بداعية النفس، بخلاف غيرها، فإنه يحتاج إلى مجاهدتها.
وفهم من قوله: "تبتغي بها وجه الله تعالى" أن المرائي بفعل الواجب غير مثاب، وإن سقط عقابه بفعله، كما قاله الكِرماني، قال العيني: سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح، بل الصحيح التفصيل فيه، وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط، لأنه أتى بعين الواجب، ولكنه كان