المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان" فذكر الآية الآتية، واستنبط - كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري - جـ ٢

[محمد الخضر الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌وفي هذا الحديث فوائد:

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار من الإِيمان

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب تفاضل أهل الإِيمان في الأعمال

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ: الحياء من الإِيمان

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه

- ‌الحديث العشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب السلام من الإِسلام

- ‌الحديث الحادي والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب كُفران العشير وكفر دون كفر فيه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فسماهم المؤمنين

- ‌الحديث الرابع والعشر ون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌باب ظلم دون ظلم

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌رجاله ثمانية:

- ‌باب علامات المنافق

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ قيام ليلة القدر من الإِيمان

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الجهاد من الإِيمان

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب تطوع قيام رمضان من الإِيمان

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب صوم رمضان احتسابًا من الإِيمان

- ‌الحديث الحادي والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ الدينُ يُسْرٌ

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الصلاة من الإِيمان

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب حسن إسلام المرء

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب أحب الدين إلى الله أدْوَمُهُ

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب الزكاة من الإِسلام وقوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب اتِّباعُ الجنائز من الإِيمان

- ‌الحديث الأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب: خوف المؤمن من أن يحبطَ عملُه وهو لا يشعر

- ‌الحديث الحادي والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث الثاني والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإِسلام والإحسان وعلم الساعة

- ‌الحديث الثالث والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الرابع والأربعون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب فضل من استبرأ لدينه

- ‌الحديث الخامس والأربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب أداء الخمس من الإِيمان

- ‌الحديث السادس والاربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى

- ‌الحديث السابع والأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌الحديث الثامن والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث التاسع والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبى صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله

- ‌الحديث الخمسون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الحادي والخمسون

- ‌لطائف إسناده:

- ‌خَاتِمَة

الفصل: بشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان" فذكر الآية الآتية، واستنبط

بشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان" فذكر الآية الآتية، واستنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عِياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة؟ ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي، شقَّ عليهم حتى ورد البيان، فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.

وفي المتن من الفوائد العمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص، وأن النكرة في سياق النفي تعُم، وأن الخاص يقضي على العام، والمبيّن على المُجمل، وأن اللفظ يُحْمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفْع التعارض، وأن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن المعاصي لا تسمّى شِركًا، وأن من لم يشرك باللهِ شيئًا فله الأمن وهو مهتد، فإن قيل: فالعاصي قد يعذب، فما هو الأمْن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب: إنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة.

‌رجاله ثمانية:

الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك، مرّ في العاشر من كتاب "الإِيمان" هذا.

والثاني: شُعبة وقد مرّ في الثالث منه أيضًا.

الثالث: بِشْرُ بن خالد العَسكريّ أبو محمَّد الفرائِضِي نزيل البصرة.

قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النَّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".

يُغربُ عن شُعبة عن الأعْمش بأشياء.

روى عن: غُندَر، وأبي أُسامة حسين الجُعْفيّ، وشبابة بن سوّار،

ص: 162

ويحيى بن آدم، ويزيد، وغيرهم.

روى عنه: البُخاري، ومسلم، وأبو داود، والنّسائي، وابن خُزَيْمة، وأبو عَروبة، وعَبْدان الأهْوازيّ، ومحمد بن يحيى بن مَنْده، وغيرهم.

مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين، وقيل سنة خمس وخمسين. ومرّ في الحديث السادس من بدء الوحي بحث بِشْر وبُسُر -بضم الباء والسين المهملة-.

وليس في الستة بِشْر بن خالد سواه، وأما بِشر فكثير.

الرابع: محمَّد بن جعفر الهُذَلي مولاهم أبو عبد الله البَصْري المعروف بغُنْدَر صاحب الكرابيس، وغُندَر -بضم الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة- وحكى الجَوْهريّ ضمها، لقّبه به ابن جُرَيْج لما قَدِم البصرة، كان يكثِر عليه الشَّغَب، وحَدّث عن الحسن البَصريّ بحديث فأنكره عليه، وجعل يكثر عليه التشغيب، فقال له: اسكت يا غُندَر، وأهل الحجاز يسمون المُشَغِّب غُندَرًا. وزعم أبو جعفر النحاس أنه من الغدر، وأن نونه زائدة.

كان محمَّد بن جعفر ربيب شُعبة، وقال: إنه جالسه عشرين سنة لم يكتب عن أحد غيره شيئًا، وكان شُعبة زوج أُمه، وكان إذا كتب عنه شيئًا عرضه عليه، قال أحمد: أحسبه من بَلادته. قال يحيى بن مَعين: كان من أصح الناس كتابًا، وأراد بعضهم أن يُخَطِّئه فلم يقدِر. وقال أبو حاتم: صدوق. وهو في شعبة ثقة، صام خمسين سنة يصوم يومًا ويُفطر يومًا. وقال ابن المدِيني: هو أحَبُّ إلي من عبد الرحمن في شُعبة، وقال ابن مَهْدي: كنّا نستفيد من كتب غُندَر في حياة شعبة، وقال غُندَرُ أثبت في شُعبة مني. وكان وكيع يسميه: الصحيح الكتاب. وقال ابن المُبارك: إذا اختلف الناس في حديث شُعبة فكتاب غُندَر حَكَمٌ بينهم. وذكره ابن

ص: 163

حِبّان في "الثّقات" وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابًا على غفلة فيه.

وقال ابن مَعين: اشترى غُندَر سمكًا، وقال لأهله: أصلحوه، ونَام فأكلوا السمك، ولطخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك: فقالوا: قد أكلتَ، قال: لا. قالوا: شُمَّ يدك؟ ففعل، فقال: صَدقتُم، ولكَني ما شبِعتُ، ورُوي عنه أنه أنكر حكاية السمكة، وقال: أما كان بطني يدُلني؟ وروي عن ابن معين أنه قال: قدِمْنا على غُندَر، فقال: لا أُحدِّثكم حتى تمشوا خلفي، فيراكم أهل السوق، فيكرموني، وقال العِجلي: بصريٌّ ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شُعبة.

وقال عَمرو بن العبّاس: كتبت حديثه كله إلا حديثه عن سعيد بن أبي عَروبة فإني لم أكتبه عنه لأن عبد الرحمن نهاني أن أكتب عنه حديثه، قال: إنه سمع منه بعد الاختلاط.

قال ابن حَجَر: أخرج له البخاري عن شُعبة كثيرًا، وأخرج له حديثًا عن مَعْمر، وآخر عن سعيد بن أبي هند توبع فيهما، وروى له الباقون.

وقال المُسْتَملي محمَّد بن جعفر: غُندَر كنيته أبو بكر، بصري ثقة. وقال محمَّد بن يزيد: كان فقيه البدن، وكان ينظر في فقه زُفَر. وقال ابن المديني: كنت إذا ذكرت غُندَر ليحيى بن سعيد عَوَج فمه كأنّه يضعِّفه.

روى عن: شعبة فأكثر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعَوْف الأعرابي، ومَعْمر بن راشد، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن جُرَيْج، والثَّوريّ، وابن عُيينة، وغيرهم.

وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وإسحاق بن رَاهَوَيْه، وعلي بن المديني، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شَيْبة، وقُتيبة، وبِشْر بن خالد، وعقبة بن مُكْرَم، وخلق.

مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومئة. وقيل: سنة أربع،

ص: 164

وقيل: سنة اثنتين، وقدّمنا قريبًا سبب تلقيبه بغُندَر وقد قال العراقيُّ: وربما كان لبعضٍ سَبَبُ:

كغُندَرٍ محمدِ بن جَعْفَرِ

وصالِحٍ جزَرَةِ المُشْتَهِرِ

لقِّب صالح جزرة لكونه حكى عن نفسه أنه صَحَّف خَرَزة -بمعجمة ثم راء ثم زاي- في حديث عبد الله بن بُسْرة: أنه كان يُرقي بخرزة. إذ سُئِل بعد الفراغ من السماع على عَمرو بن زُرارة: من أين سمعت؟ فقال: من حديث الجَزَرة، -بالجيم والزاي والراء مفتوحات- وكان في حداثته، قال: فَبقِيت عليّ، وقد مر الكلام على الألقاب مستوفىً في الثامن من كتاب الإِيمان. عند ذكر ابن عُليّة.

والمُلقب بغُندَر غيره عشرة، وأما محمَّد بن جعفر في الستة سواه فسبعة.

والهُذليّ في نسبه مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي.

الخامس: سُليمان بن مِهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمَّد الكُوفي الأعْمش.

يقال: أصله من طبرِستان، وولد بالكوفة، وقيل: إن أصله من رُستاق من قرية يقال لها: دُنباوَنْد -بدال مضمومة، ونون ساكنة، ثم موحدة مفتوحة، ثم ألف، ثم واو مفتوحة، ثم نون ساكنة، بعدها دال مهملة- قدِم عليها أبوه وامرأته حامل بالأعْمش، فولدته بها، ويقال: إن أباه جاء به حميلًا إلى الكوفة، فاشتراه رجل من بني أسد، فأعتقه وعند الترمذي في "جامعه" في باب الاستشارة عند الحاجة عن الأعمش، أنه قال: كان أبي حميلًا، فورثه مسروق، فالحميل على هذا أبوه، والحميل الذي يحمل من بلده صغيرًا، ولم يولد في الإِسلام.

قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم ستة: عمرو بن

ص: 165

دينار بمكة، والزُّهريّ بالمدينة، وأبو إسحاق السّبيعيّ والأعْمش بالكوفة، وقَتادة ويحيى بن أبي كَثير بالبصرة، وقال أبو بكر بن عَيّاش، عن مُغيرة: لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعْمش في الفرائض. وقال هُشَيْم: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله منه. وقال ابن عُيَيْنة: سبق الأعمشُ أصحابه بأربع: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خَصْلة أخرى. وقال ابن مَعين: كان جرير إذا حدّث عن الأعْمش، قال: هذا الديباج الخُسْرَواني. وحكى الحاكم عن ابن مَعين أنه قال: أجود الأسانيد: الأعْمش، عن إبراهيم، عن عَلْقمة، عن عبد الله. فقال له إنسان: الأعْمش مثل الزُّهري، فقال برِئتُ من الأعْمش أن يكون مثل الزُّهريّ، الزُّهريّ يرى العرضَ والإِجازة ويعمل لبني أُميّة، والأعمش فقيرٌ صبور مجانبٌ ورع عالم بالقرآن. وقال عيسى بن يوسُف: لم نَر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغْنياء والسّلاطين عند أحدٍ أحقر منهم عند الأعْمش مع فَقْره وحاجته. وقال يحيى بن سعيد القطّان: كان من النُّساك، وهو علامة الإِسلام. وقال وكيع: اختلفت إليه قريبًا من ستين سنة، ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبًا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخُرَيْبيّ: مات يوم مات وما خلف أحدًا من الناس أعبد منه، وكان صاحب سنة. وقال شُعبة ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعْمش، وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: المصحف المصحف.

وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يُسَمّى المصحف لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضًا إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه. وقال العِجليّ: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وكان محدّث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأسًا في القرآن عَسِرًا سيء الخُلُق، عالمًا بالفرائض، وكان لا يلْحن حرفًا، وكان فيه تشيُّع، وقال ابن مَعين؛ ثقة. والنّسائي: ثقة ثبت، وقال ابن المُنادي: قد رأى أنس بن مالك إلَّا أنه لم يسمع منه، ورأى أبا بَكْرة الثَّقفيّ، وأخذ له بركابه، فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك. وقال وَكيع

ص: 166

عن الأعْمش: رأيتَ أنس بن مالك، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي. وقال الكُدَيْميّ: حدثنا عُبيد الله عن الأعْمش، قال: ما سمعت من أنس إلا حديثًا واحدًا، سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلبُ العلم فريضة على كل مُسلم" لكن الكُدَيْمي ضعيف. وقال أحمد ابن عبد الجبار العُطارِديّ عن ابن فُضَيْل عن الأعْمش قال: رأيتُ أنسًا بال فغسل ذكره غسلًا شديدًا، ثم مسح على خُفَّيه، وصلّى بنا، وحدثنا في بيته، ولكن العُطارديّ مضعف. وقال الخلِيلِيّ: رأى أنسًا، ولم يُرْزق السماع منه، وما يرويه عن أنس ففيه إرسال، وقول ابن المُنادي الذي سلف: أن الأعْمش أخذ برِكاب أبي بَكرة الثّقفي غلط فاحش، لأن الأعْمش وُلد سنة إحدى وستين، أو سنة تسع وخمسين على الخُلْف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيّأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟! وكأنه كان والله تعالى أعلم أخذ بركاب ابن أبي بَكْرة، فسقط ابن، وثبت الباقي، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقد رأى أنسًا بمكة وواسط، وروى عنه شبيهًا بخمسين حديثًا، ولم يسمع منه إلا أحرفًا معدودة، وكان مدلسًا أخرجناه في التابعين لأن له حفظًا ويقينًا، وإن لم يصح له سماع المسند من أنس. وقال أبو بكر البزار: لم يسمع من أبي سُفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنما هي صحيفة عرفت، وذكر الخطيب عن بعض الحُفاظ أنه يُدلس عن غير الثقة بخلاف سُفيان، فإنه إنما يدلس عن الثقة.

كان رضي الله عنه لطيف الخلق مزّاحًا، جاءه يومًا بعض أصحاب الحديث ليسمعوا منه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن بالبيت من هو أبغض إليّ منكم ما خرجت إليكم، وجرى بينه وبين زوجته يومًا كلام، فدعا رجلًا ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عَمَش عينيه وحُموشة ساقيه، فإنه إمام له قدر، فقال له: أخزاك الله، ما أردت إلا أن تُعرِّفها عيوبي.

ص: 167

وقال له داود بن عُمر الحائِك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. فقال: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تُقبل مع عدْلين. ويقال أن الإِمام أبا حنيفة رضي الله عنه عادهُ يومًا في مرضه، وطوَّل القعود عنده، فلما عزَم على الانصراف، قال له: ما كأني إلَّا ثَقُلت عليك، فقال: والله إنك لثقيل عليّ وأنت في بيتك.

وعاده أيضًا جماعةٌ فأطالوا الجلوس عنده، فضَجر منهم، فأخذ وسادته، وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية.

وقيل عنده يومًا: قال صلى الله عليه وسلم: "من نامَ عن قيام الليل بال الشيطان في أُذنه" فقال: ما عَمِشت عيني إلا من بول الشيطان في أُذُني، وكانت له نوادر كثيرة.

وبعث إليه هشام بن عبد الملك، أن اكتب لي مناقب عثمان، ومساوىء علي، فأخذ القِرطاس وأدخله في فم شاة حتى لاكته، وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: يا أبا محمَّد نجِّه من القتل، فلما ألحّوا عليه كَتَب له بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان رضي الله عنه مناقب أهل الأرض ما نَفَعتك، ولو كانت لعلي رضي الله عنه مساوىء أهل الأرض ما ضرَّتْك، فعليك بخويصة نفسك والسلام.

وقال زائدة بن قُدامة: تبعت الأعْمش يومًا، فأتى المقابر، ودخل في قبر محفور، فاضطجع فيه، ثم خرج ينفُض التراب عن رأسه، ويقول: واضيقَ مسكناه.

روى عن: أنس بن مالك ولم يثبُت له منه سماع كما مر، وعبد الله ابن أبي أوفى يقال: إنه مرسل، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وأبي عمرو الشّيْباني، وعامر الشعبي، وإبراهيم النّخعي، وعديّ بن ثابت، وعُمارة ابن عُمير، وخلق كثير.

ص: 168

وروى عنه: الحكم بن عُتيبة، وزُبيد اليامي، وأبو إسحاق السّبيعي -وهو من شيوخه- وسُهيل بن أبي صالح، وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع، والسُّفيانان، وإبراهيم بن طَهُمان، وفُضيل بن عِياض، وخلائق من آخرهم أبو نُعيم وعُبيد الله بن موسى.

ولد قبل مقتل الحسين، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومئة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل مات سنة خمس وأربعين. وقيل: سنة سبع وأربعين. وقيل: إنه ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.

وليس في الستة سليمان بن مِهْران سواه، وأما سليمان في الستة فكثير.

والكاهلي في نسبه نسبة إلى كاهِل أبو قبيلة من أسَد، وهو كاهِل ابن أسد بن خُزَيْمة بن مُدركة بن الياس وهم قتلة أبي امرىء القيس، وفيها يقول:

يَا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئن كاهلًا

القاتِلينَ المَلِك الحُلاحلا

السادس: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسْود بن عَمرو بن ربيعة ابن حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع أبو عمران وأبو عمار الفقيه الكوفي النّخعي، فقيه أهل الكوفة، وأمه مُلَيْكة بنت يزيد بن قَيْس النّخعيّة أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد. قال العَجليّ: رأى عائشة رضي الله عنها رؤيا وكان مفتي أهل الكوفة في زمانه، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا مُتوقِّيًا قليل التكلف.

وكان يُرسل كثيرًا عن عَلْقمة، ومات وهو مُختفٍ من الحجّاج، وقال ابن مَعين: مراسيل إبراهيم أحب إليّ من مراسيل الشَّعْبيّ. وقال الشعبي: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه. قال أبو بكر بن شُعيب: ولا الحسن وابن

ص: 169

سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين ولا من أهل البصرة ولا من أهل الكوفة ولا من أهل الحجاز. وفي رواية: ولا بالشام.

وكان لا يتكلم إلا إذا سُئل، قال مُغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير، وقال الأعْمش: كان إبراهيم يتوقّى الشُّهرة، ولا يجلس إلى الأُسطوانة. وقال: كان إبراهيم صيرفيّ الحديث، وفي رواية: كان خبيرًا في الحديث. وقال الأعمش أيضًا: قلت لإِبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله.

ولما حضرته الوفاة جزع جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: وأيّ خطر أعظم مما أنا فيه؟ إنما أتوقع رسولًا يرد عليّ من ربي إما بالجنة وإما بالنار، والله لوددت أنها تتلجلج في حلقي إلى يوم القيامة.

قال ابن المَدِيني: لم يلق النّخعيّ أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: فعائشة؟ قال: هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عَروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف.

وقد رأى أبا جُحَيْفة وزَيْد بن أرْقم وابن أبي أوْفى، ولم يسمع من ابن عباس. ورواية سعيد عن أبي مَعْشر ذكرها ابن حِبان بسَنَد صحيح إلى سعيد عن أبي مَعْشر أن إبراهيم حدثهم أنه دخل على عائشة رضي الله عنها، فرأى عليها ثوبًا أحمر. وقال ابن مَعين: أُدخل على عائشة رضي الله عنها وهو صغير، وقال أبو حاتم: لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه.

روى عن: خاليه الأسْود وعبد الرحمن ابني يَزيد، ومَسروق وعَلْقمة وأبي مَعمر وهمّام بن الحارث وجماعة، وروى عنه الأعْمش ومنصور وابن عَوْن وزبيد الياميّ، وحمّاد بن سُليمان، ومُغيرة بن مُقسِّم الصَّنِّبيّ وخلق.

مات وهو مختف من الحجّاج، ولم يحضر جنازته إلا سبعة أنفس،

ص: 170

سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع وقيل ابن ثمان وخمسين.

والنَّخعيّ في نسبه نسبة إلى النَّخَع، بفتح النون والخاء المعجمة والعين المهملة، قبيلة كبيرة من مَذْحج باليمن. والنَّخع اسمه جَسْر بن عَمرو بن وَعْلة بن خالد بن مالك بن أُدد. سمي بذلك لأنه انتخع من قومه، أي بَعُد منهم، وخرج منه خلق كثير ..

وإبراهيم بن يزيد في الستة سواه ثلاثة.

اين يزيد بن شريك التَّيميّ تَيْم الرِّباب أبو أسماء، كان من العباد. روى عن أنس وغَيره.

وابن يزيد بن مردانبة أو يزدانبة القُرَشي المخزومي مولى عمرو بن حُرَيْث.

وابن يزيد الخُوزيّ الأُمويّ أبو إسماعيل المكّي مولى عمر بن عبد العزيز، روى عن طاووس وغيره وفي الرواة غير الستة أربعة.

السابع: عَلْقَمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمَة بن سَلَامان ابن كَهْل، ويقال: ابن كُهَيْل بن بَكْر بن عَوْف، ويقال: ابن المُنتشر بن النَّخع أبو شِبْل، الكوفي. ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عم الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد خَالَيْ إبراهيم بن يزيد كما مر قريبًا. أحد الأعلام، مُخَضْرم.

اتُّفق على جلالته وتوثيقه. قال أحمد: ثقة من أهل الخير، وقال عثمان بن سعيد: قلت لابن مَعين: علقمة أحب إليك أم عُبيدة؟ فلم يخيرّ. قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال ابن المَديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعُبيدة والحارثُ. وقال أبو المثنى رِياح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، علقمةُ شبيه الناس به سمتا وهَدْيا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال الأعْمش: عن عِمارة بن عُمير قال لنا أبو مَعْمر: قوموا بنا

ص: 171

إلى أشبه الناس هَديا سمتًا ودلًا بابن مسعود، فقمنا معه حتى جلس إلى علقمة. وقال داود بن أبي هِند: قلتُ لشعبة: أخبرني عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به.

وقال ابن سيرين: أدركت الناس بالكوفة وهم يقدمون خمسة، من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ثم علقمة الثالث، لا شك فيه، وقال منصور عن إبراهيم: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلِّمونهُم السنة. ويَصْدُر الناس عن رأيهم ستة: علقمة والأسْود، وذكر الباقين، وقال غالب أبو هُذَيْل: قلت لإِبراهيم: أعلقمة كان أفضل أو الأسود؟ فقال: علقمة.

وقد شهد صفين، وقال مُرّة الهَمْدانيّ: كان علقمة من الربانيين.

وقال إبراهيم عن علقمة: كنت رجلًا قد أعطاني الله تعالى حُسْن الصوت بالقرآن، وكان ابن مسعود يرسل إليّ فأقرأ عليه، فإذا فرغت من قراءتي قال: زدنا فداك أبي وأمي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن حُسْن الصوت زينة القرآن.

وقال عبد الرحمن بن يزيد: قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه ويعلمه. وقال أبو ظَبْيَان: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون علقمة ويستفتونه.

وقال أبو قَيْس: رأيت إبراهيم آخذًا بركاب علقمة، وقال إبراهيم: قرأ علقمة القرآن في ليلة. روى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وحُذَيْفة وأبي الدّرداء وابن مسعود وأبي مسعود وأبي موسى وعائشة وخلق. وروى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النَّخعيّ وعامر الشعبيّ، وأبو الرّقّاد النخعي، وأبو وائِل شَقيق بن سَلَمة وأبو إسحاق السّبيعيّ. وقيل: لم يسمع منه. وأبو الضحى وجماعة.

مات علقمة بالكوفة سنة اثنتين وستين، ولم يولد له، وكان قد غزا خراسان، وأقام بخُوَارزم سنتين، ودخل مَرْوَ، فأقام بها مدة، وقيل مات

ص: 172

سنة اثنتين وسبعين وقيل سنة ثلاث وسبعين، وله تسعون سنة. وكان ولدا أخيه عبد الرحمن والأسود ابنا يزيد بن قيس أسَنّ منه. وليس في الستة علقمة بن قيس سواه، وأما علقمة فكثير.

ومر قريبًا أن علقمة مخضرم. وهذا أول ذكر المخضرمين فلا بد من تعريفهم. فالمخضرم على الصحيح هو الذي أدرك الجاهلية والإِسلام، ولم يُرَ في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا. وهم ليسوا صَحَابة باتفاق أهل العلم بالحديث. وقال صاحب المُحْكم: رجل مُخَضْرم: إذا كان نصف عمره في الجاهلية ونصفه في الإِسلام. وشاعر مخضرم أدرك الجاهلية. وقال ابن حبّان: الرجل إذا كان له في الكفر ستون سنة وفي الإِسلام ستون سنة يدعى مخضرمًا. ومقتضى عدم اشتراطهما نفي "الصحبة"، أن حَكِيم بن حزام وشبهه مخضرم، وليس كذلك في الاصطلاح، لأن المخضرم هو المتردد بين الطبقتين لا يدري من أيتهما هو. وهذا مدلول الخَضْرمة لُغَةً.

فقد قال صاحب المحكم: مخضرم ناقص الحَسَب، وقيل: الدّعِيّ، وقيل: من لا يُعرف أبواه، وقيل: من أبوه أبيض وهو أسود.

وقيل: من ولدته السّراري. وقال هو والجَوْهريّ: لحم مخضرم: لا يُدرى أمن ذكر هو أم من أُنثى، فكذلك المخضرمون مترددون بين الصحابة والتابعين لعدم اللّقْي. وما حكاه الحاكم عن بعض مشايخه، من اشتقاقه من أهل الجاهلية ممن أسلم ولم يهاجر، كانوا يخضرمون آذان الإِبل، أي يقطعونها لتكون علامة لإِسلامهم إن أُغِير عليهم أو حُوربوا، محتملٌ لاسم الفاعل والمفعول، فالفتح من أجل أنهم خضرموا أي قُطِعوا عن نُظرائهم بما ذكر، فيكون مخضرم اسم مفعول. والكسر من أجل أنهم خَضْرَموا آذان إبلهم فهو اسم فاعل. وأشار العراقي إلى الصحيح في المخضرمين بقوله:

والمُدركونَ جاهِلِيّةً فَسَمّ

مُخَضْرمِين كَسُوَيْد في أمَمْ

ص: 173