الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع والعشر ون
31 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» .
قوله: "ذهبت لأنصر هذا الرجل" أي: لأجل، والرجل هو علي بن أبي طالب كما في مسلم من هذا الوجه، وأشار إليه المصنف في الفتن بلفظ:"أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" وكان ذلك يوم الجمل، وعلي يأتي تعريفه في السابع والأربعين من كتاب العلم عند أول ذكر المؤلف له.
قوله: "فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل" أي: أريد مكانًا، لأن السؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيؤول بذلك، وأنصر، أي: لكي أنصر.
وقوله: "فالقاتل والمقتول في النار" معناه أنهما يستحقان الكون في النار، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلًا.
وقيل: هو محمول على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلّدون في النار، إذ لا يلزم
من قوله: "فهما في النار" استمرار بقائهما فيها، كما لا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل، والمقتول يعذب على القتال فقط، واحتج به من لم ير القتال في الفتنة، وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه، كسعد ابن أبي وقّاص وعبد الله بن عُمر، ومحمد بن مَسْلمة، وأبي بَكْرة، وغيرهم، وقالوا: يجب الكف والجلوس في البيوت حتى لو أراد أحدٌ قتله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: يلزم التحول عن بلد الفتن أصلًا، ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أراد أحدٌ قتله دفع عن نفسه، وكذا عن ماله وأهله، وهو معذور إن قَتَل أو قُتل، وفصَّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذٍ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك وهو قول الأوْزاعيّ.
قلت: وحديث حُذَيفة الآتي في الفتن صريح في هذا وهو قوله: قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ قال: فاعتزل الفرقَ كلها ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
قال الطّبريّ: والصواب أن يقال أن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قَدَر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطىء أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها.
وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خُوطب بذلك، وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان، حيث يحصُلُ التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب المُلك، وقد وقع في حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: "أيام الهَرْج" قلت: ومتى؟ قال: "حين لا يَأمَنُ الرجل جليسه" وحديث ابن مسعود المذكور هو ما أخرجه أحمد في ذكر الفتن، قلت:
يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: "كُفَّ يدك ولسانك وادخل دارك" قلت يا رسول الله: أرأيت إن دخل رجلٌ على داري؟ قال: "فأدخل بيتك" قال: قلت: أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: "فادخل مسجدك" وقَبَض بيمينه على الكوع "وقل ربيَّ الله حتى تموت على ذلك".
وعند الطبراني من حديث جُنْدُب: "ادخُلوا بيوتكم، وأخملُوا ذكركم. قال: أرأيت إن دُخل على أحدنا بيته؟ قال: "ليمسكْ بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل".
ولأحمد وأبي يَعْلى من حديث خَرَشَة بن الحرُّ: "فمن أتت عليه فليمْشِ بسيفه إلى صفاةٍ، فلْيضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجعْ لها حتى تَنْجلي" وفي حديث أبي بَكرة عند مسلم، قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فجاء سهمٌ، أو ضربني رجل بسيفه؟ قال:"يبوءُ بإثمه وإثمك .. الحديث".
وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضَعُف عن القتال أو قَصُرَ نَظره عن مَعْرفة صاحب الحق.
واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك. ولو عُرف المُحقّ منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطىء في الاجتهاد، بل ثبت أنّه يُؤجر أجرًا واحدًا، وأنَّ المصيب يؤجر أجرين، كما أخرجه البخاري في كتاب الأحكام.
وحَمَلَ هؤلاء الأحاديث على من قاتل بغير تأويل سائغ، بل بِمُجرد طلب المُلْك. ولا يُرَدُّ على ذلك منعُ أبي بَكرة الأحْنَف من القتال مع عليّ، لأن ذلك كان عن اجتهاد منه أدّاهُ إلى الامتناع والمنع، احتياطًا لنفسه ولمن نصحه. وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بَكرَة، وشهد مع عليّ باقي حروبه.
قال الطّبريّ: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهَرَبُ منه بنزول المنازِلِ وكَسْر السيوف لما أُقيم حدُّ ولا أُبْطل باطل، ولَوَجَد أهْلُ الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المُحرّمات من أخْذ الأموال، وسفكِ الدّماء وسَبْي الحريم، بأنْ يحاربوهم ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا: هذه فتنة وقد نُهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السُّفهاء.
وقد أخرج البَزّار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تُبيّن المراد، وهي "إذا اقْتتلتُم على الدُّنيا فالقاتلُ والمقتول في النار" ويؤيِّده ما أخرجه مسلم بلفظ "لا تَذْهبُ الدنيا حتى يأتي على الناس زَمانٌ لا يدري القاتلُ فيم قَتَل ولا المقتول فِيم قُتِل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار".
قال القُرطُبيّ: فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جَهْل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله: القاتل والمقتول في النار.
قال في "الفتح" ومن ثَمَّ كان الذين توقَّفُوا عن القتال في الجَمل وصِفِّين أقلَّ عددًا من الذين قاتلوا، وكلُّهم متأوِّلٌ مأجورٌ إن شاء الله تعالى، بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا.
قلت: قوله أقلُّ عددًا، الظاهر لي أنه إنما يصح إذا حُمِل على مطلق الصحابة. وأما كبارُ الصحابة الأقدمون فأكثرهم هو الذي توقّف عن القتال. ويؤيده ما مر ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة، رَفَعَه، "من كان تحتَ رايةٍ عُمّيّة يغْضَبُ لعَصَبة أو يدعو إلى عَصَبَة أو يَنْصُر عصبة فقُتِل فقِتلَتُهُ جاهلية" والعمّية بضم العين وكسرها وتشديد الميم فيهما: الكِبْرُ أو الضلال، وكَغَنيَّة أيضًا، وبِضم العين: الغِواية واللّجاج.
وقد ورد في اعتزال الأحنف القتال في وقعة الجمل سببٌ آخر، فأخرج الطّبرِيُّ بسند صحيح عن حُصين بن عبد الرحمن عن عَمرو بن جاوان
قال: قلت: أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ قال: سمعت الأحنف قال: حججنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد النبوي وفيهم عليٌّ وطَلحة والزُّبير وسَعْد إذ جاء عثمانُ فذكر قصة منا شدته لهم في ذكر مناقبه، قال الأحنف: فلقيت طلبة والزبير، فقلت: إني لا أرى هذا الرجل -يعني عثمان- إلا مقتولا فمن تأمُرانِّي به؟ قالا: علي، فقدمنا مكّة، فلقيت عائشة وقد بَلَغَنا قتلُ عثمان، فقلت لها: من تأمريني به؟ قالت: عليّ، قال: فرجعنا إلى المدينة، فبايعتُ عليًا، ورجعت إلى البصرة فبينما نحن كذلك، إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير، نزلوا بجانب الخُرَيْبة يَسْتنصرون بك، فأتيتُ عائشة فذكرتها بما قالت لي، ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما، فذكرا القصة، وفيها فقلت: والله لا أقاتلكم وفيكم أُم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أقاتل رجلًا أمرتموني ببَيْعته، فاعتزل القتال مع الفريقين.
ويمكن الجمع بأنه هَمَّ بالترك ثم بدا له في القتال مع علي ثم ثَبَّطه عن ذلك أبو بَكْرة، أو هَمَّ بالقتال مع علي فثبطه أبو بَكْرة، وصادف مراسلة عائشة له، فرجح عنده التَّرْك.
وأخرج الطّبريُّ أيضًا عن قَتَادة قال: نزل عليُّ بالزاوية فأرسل إليه الأحنف: إن شئت أتيتك، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه كفّ من قدرتَ على كفه.
قوله: قلت وفي رواية، فقلت. وقوله هذا القاتل، أي يستحق النار لكونه كان ظالمًا.
وقوله: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" استدَلَّ به من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم، وإنْ لم يقع الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك بأن فيه فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ومرّ الكلام مستوفىً غايَةَ الاستيفاء على هذه المسألة في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أعلمكم بالله" اهـ.