المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌رجاله ستة: الأول: قَبِيصةُ، مكبّرًا، ابن عُقْبة بن محمَّد بن سُفيان - كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري - جـ ٢

[محمد الخضر الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌وفي هذا الحديث فوائد:

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار من الإِيمان

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب تفاضل أهل الإِيمان في الأعمال

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ: الحياء من الإِيمان

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه

- ‌الحديث العشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب السلام من الإِسلام

- ‌الحديث الحادي والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب كُفران العشير وكفر دون كفر فيه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فسماهم المؤمنين

- ‌الحديث الرابع والعشر ون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌باب ظلم دون ظلم

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌رجاله ثمانية:

- ‌باب علامات المنافق

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ قيام ليلة القدر من الإِيمان

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الجهاد من الإِيمان

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب تطوع قيام رمضان من الإِيمان

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب صوم رمضان احتسابًا من الإِيمان

- ‌الحديث الحادي والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ الدينُ يُسْرٌ

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الصلاة من الإِيمان

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب حسن إسلام المرء

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب أحب الدين إلى الله أدْوَمُهُ

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب الزكاة من الإِسلام وقوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب اتِّباعُ الجنائز من الإِيمان

- ‌الحديث الأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب: خوف المؤمن من أن يحبطَ عملُه وهو لا يشعر

- ‌الحديث الحادي والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث الثاني والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإِسلام والإحسان وعلم الساعة

- ‌الحديث الثالث والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الرابع والأربعون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب فضل من استبرأ لدينه

- ‌الحديث الخامس والأربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب أداء الخمس من الإِيمان

- ‌الحديث السادس والاربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى

- ‌الحديث السابع والأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌الحديث الثامن والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث التاسع والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبى صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله

- ‌الحديث الخمسون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الحادي والخمسون

- ‌لطائف إسناده:

- ‌خَاتِمَة

الفصل: ‌ ‌رجاله ستة: الأول: قَبِيصةُ، مكبّرًا، ابن عُقْبة بن محمَّد بن سُفيان

‌رجاله ستة:

الأول: قَبِيصةُ، مكبّرًا، ابن عُقْبة بن محمَّد بن سُفيان بن عُقبة بن رَبيعة بن جُنْدب بن رِئاب بن حَبيب بن سُواءة بن عامر بن صَعْصعة السّوائي، أبو عامر الكُوفي. قال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد بن أبي الحوّاري، قلت للفريابيّ: رأيت قَبِيصة عند سفيان؟ قال: نعم رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لابن نُمير فقال: لو حدثنا قَبيصة عن النّخعيّ لقَبِلْنا منه.

وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبو زرعة عن قَبيصة وأبي نُعيم، فقال: كان قَبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أيضًا: سألتُ أبي عن قبيصة وأبي حُذَيْفة، فقال: قَبيصةُ أحلى عندي، وهو صدوق ولم أرَ من المُحدّثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يُغيِّره، سوى قَبيصة وأبي نُعيم في حديث الثَّوريّ ويحيى الحمّاني في حديث شَريك وعلي بن الجَعْد في حديثه.

وقال أبو داود: وكان قَبيصةُ وأبو عامر وأبو حُذيفة لا يحفظون ثم حفظوا بعد. وقال إسحاق بن سَيّار: ما رأيتُ أحفظ منه من الشيوخ. وقال ابن خِراش: صدوق وقال صالح بن محمَّد: كان رجلا تكلموا في سماعه من سفيان، وقال الفَضْل ابن سَهل الأعرج: كان قَبيصة يُحدِّث بحديث الثَّوريّ على الولاء درسًا درسًا حِفظًا.

وقال النّسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة صَدوقًا كثير الحديث، وقال أحمد بن سَلَمة: كان هَنّاد إذا ذكره قال: الرجُلُ الصالح. وقال هارون الحَمّال: سمعتُ قَبيصة يقول: جالست الثَّوريّ وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاث سنين. وقال حَنْبل: قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم عندنا أصغر من سمع من سُفيان.

قال: وقال يحيى: قَبيصة أصْغر مني بسنتين. قلت: فما قِصّة قَبيصة في سُفيان؟ قال أبو عبد الله: كان كثير الغَلط. فقلت: فغير سُفيان؟ قال:

ص: 184

كان قبيصة رجلًا صالحا ثقة لا بأس به، وأي شيء لم يَكُن عنده يذكر أنه كثير الحديث.

وقال أبو طالب: ذكر قَبيصةُ ابن مهدي وأبا نعيم، فكان أحمد لا يعبأ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قبيصة أثبت منه جدًّا. يعني من أبي حُذيفة. قال: وقد كتبت عنهما جميعًا، وقال ابن أبي خَيْثمة عن ابن مَعين: قَبيصة ثقةٌ في كل شيء إلَّا في حديث سُفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وقال يعقوب بن سُفيان: قال يحيى بن يَعْمُر: قبيصة أكبر من يحيى بن آدم بشهرين: قال: وسمعت قبيصة يقول: شهدت عند شَريك فامتحنني في شهادتي، فذكرتُ ذلك لسُفيان فأنكر على شَريك، قال: وصليتُ بسُفيان الفريضة.

روى عن الثَّوريّ وشُعبة ومَطر بن خَليفة وإسرائيل بن يونس وحَمّاد ابن سَلَمة وورقاء بن عُمر وأبي رَجَاء ويحيى بن سَلَمة بن كُهَيْل وغيرهم.

وروى عنه: البُخاريّ، وروى الباقون له بواسطة ابنه عُقبة. وروى عنه أبو بكر بن أبي شَيْبة وهنّاد بن السّريّ ومحمود بن غَيْلان ومحمد بن يونس النّسائي وأحمد بن حَنْبل، وحَنبل بن إسحاق وإسحاق بن سَيّار النّصيبِيّ وغيرهم.

مات سنة خمس عشرة ومئتين، وقيل سنة ثلاث عشرة. وليس في الستة قبيصة بن عُقبة سواه. وفيهم قبيصة سواه تسعة. والسُّوائي في نسبه بضم السين وفتح الواو مخففة، نسبة إلى جده سُواءة بن عامر المارّ. قال في القاموس: سُواءَة كخُرافة اسم. قال شارحه: بنو سُواءة بن عامر بن صعصعة بطن من هوازن، وله وَلَدان: حَبيب وخُرثان، قلت: وحبيب هو جد قَبيصة كما مر، ومنهم أبو جُحَيْفة وَهْبُ بن عبد الله الملقب بالخير السُّوائيّ رضي الله عنه.

الثاني: سُفيان بن سَعيد بن مَسروق الثَّورِيّ أبو عبد الله الكوفي أحد

ص: 185

أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، المتفق على جلالته وقدره، وكثرة علومه وزهده، وصلابته في دينه، وتوثيقه وأمانته.

قال شُعْبة وابن عُيينة وأبو عاصم وابن مَعين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومئة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سُفيان، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، رأيت سعيد بن جُبير وغيره يقول هذا، قال هو: ما أقول: ما رأيت أفضل من سُفيان. وقال وَكِيع عن سَعيد: سُفيان أحفظ منّي. وقال ابن مَهْديّ: كان وَهْبٌ يقدِّم سفيان في الحفظ على مالك.

وقال يحيى القطّان: ليس أحدٌ أحَبّ إليّ من شُعبة، ولا يَعدِله أحدٌ عندي، وإذا خالفه سُفيان أخذتُ بقول سُفيان. وقال الدُّورِيّ: رأيتُ يحيى بن مَعين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكلِّ شيء. وقال أبو داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر سفيان وقال أبو داود أيضًا: بَلَغني عن ابن مَعين قال: ما خالف أحدٌ سُفيان في شيء إلّا كان القولُ قولَ سُفيان.

وقال العجليّ: أحسن أسناد الكوفة سُفيان عن مَنصور عن إبراهيم عن عَلقمة عن عبد الله. وقال العجليّ أيضًا: كان لا يسمع شيئًا إلا حفظه. وقال الخطيب: كان إماما من أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، مُجْمَعًا على إِمامته بحيث يُستغنى عن تزكيته، مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والوَرَع والزهد. وكان يقول: إذا رأيتَ القارىء مُحبَبًّا إلى جيرانه، فاعلم أنه مداهِنٌ. وقال عليّ بن الفُضيل: رأيتُ سُفيان ساجدًا حول البيت فقطعتُ سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه.

وقال فيه ابن عُيَينة: ما رأيتُ رجلًا أعلَمَ بالحلال والحرام من سفيان الثَّوري. وكان يقال: عمر بن الخطاب في زمنه رأسُ الناس، وبعده عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وبعده الشّعبيّ، وبعده سُفيان الثَّوريّ.

ص: 186

وقال أبو صالح لشُعَيْب بن حَرب المدائِنِيّ، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين. إني لأحْسب أنه يُجاء بسُفيان الثَّوريّ يوم القيامة حجةً من الله تعالى على خلقه، يقال لهم: لم تدركوا نَبيَّكم عليه الصلاة والسلام، ولقد أدركتم سُفيان الثّوريّ. ألا اقْتديتُم به؟ وعن قَبيصة قال: رأيتُ سُفيان الثَّوريّ في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نظرت إلى ربي عِيانًا وقال لي:

هَنيئًا رضائي عنكَ يا ابنَ سعيد

لقد كنتَ قوَّاما إذ الليلُ قد دَجى

بِعبْرة مُشْتاق وقَلْب عَمِيد

فَدُونَكَ فاخْتر أيَّ قَصْرٍ تُريدهُ

وَزُرني فإني عنك غيرُ بعيدِ

وقال ابن المدينيّ: لا أعلم سفيان صَحَّف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عُبيد، كان يقول حَفِينة، يعني بالحاء المهملة، والصواب جَفينة بالجيم. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سُفيان وقال أبو قَطَن: قال لي شُعبة: إن سُفيان سادَ الناس بالوَرَع والعِلم. وقال عبد الرزاق: بعثَ أبو جعفر الخَشّابين إلى مكة فقال: إنْ رأيتم سفيان فاصلبوه، قال: فجاء النجّارون ونَصبوا الخشب، ونودي لسفيان وإذا رأسُه في حِجْر الفُضيل بن عِياض، ورجلاه في حِجر ابن عُيينة. فقالوا: يا أبا عبد الله، اتَّق الله، ولا تُشْمت بنا الأعداء. قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها، ثم قال: برئتْ منه إن دخلها أبو جعفر قال: فمات قبل أن يدخل مكة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وكان عابدًا ثبتًا. وقال النَّسائي: هو أجَلّ من أن يقال فيه ثقة. وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون ممن جعله الله إماما للمتقين.

وقال ابن أبي ذِيب: ما رأيت أشبه بالتابعين من سُفيان. وقال زائِدة: كان أعلم الناس في أنفسنا. وقال ابن حِبان: كان من سادات الناس فقهًا وورعًا وإتقانًا. وقال الوليد بن مُسْلم: رأيته بمكة ولما يَخُطّ وَجهه بعد.

ص: 187

وقال أبو حاتم وأبو زُرعة وابن مَعين: هو أحفظ من شُعبة. وقال ابن المَدينيّ: قلتُ ليحيى بن سعيد: أيُّهما أحبُّ إليك؟ رأيُ سفيان أو رأي مالك؟ قال: سفيان، لا شك. فحق هذا سفيان فوق مالك في كل شيء.

وقال صالح بن محمَّد: سفيان ليس يَقدُمُه أحد عندي في الدنيا، وهو أحفظ وأكثر حديثًا من شُعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفا، وقال مالك: كانت العراق تَجيشُ علينا بالدّراهم والثّياب، ثم صارت تَجيش علينا بالعلم مُنذ جاء سُفيان. وقال أبو إسحاق الفَزّاريّ: لو خُيّرتُ لهذه الأُمّة لما اخترت لها إلا سفيان. وقال ابن معين: مُرسَلاتُه شِبه الريح، وكذا قال أبو داود، قال: ولو كان عنده شيء لصاح به. وقال ابن المبارك: حدث سفيان بحديثٍ فجئْتُه وهو يُدلِّسه، فلما رآني استحيى وقال: نرويه عنك.

وروى المَسْعوديّ عن القَعْقاع بن حَكيم أنه قال: كنت عند المَهديّ وأتى سُفيان الثَّوريّ، فلما دخل عليه سلّم تسليم العامة، ولم يسلِّم بالخلافة، والرَّبيع قائم على رأسه، متكىءٌ على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المَهْديّ بوجه طَلْق، وقال له: يا سفيان تَفِرُّ منا ها هنا وها هنا، وتظن أننا إن أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ فقال له سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملكٌ قادر يفرّق بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أنْ يستقبلك بمثل هذا؟ ائذنْ لي أنا أضرب عنقه، فقال له المَهديّ: ويلك! رهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه أحد في حكم.

فكُتب عهدُه ودُفع إليه فأخذه وخرج، ورمى به في دَجْلة، وهرب فطُلِب في كل بلد، فلم يوجد.

ولمّا امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شَريك بن عبد الله النَّخعيّ قال الشاعر:

ص: 188

تَحَرّز سُفيان وفَرّ بدينه

وأمسى شَريكٌ مَرصَدًا للدّراهم

قال أحمد: لم يسمع من سَلَمة بن كُهيل حديث السّائبة، أي: العبْد المُعْتق، سائبَةٌ ولا يكون ولاؤُهُ لِمُعتقِه، ولا وارثَ له، يضع ماله حيثُ يشاء.

ولم يسمع من خالد بن سَلَمة، إلا حديثًا واحدًا، ولا من ابن عَوْن إلا حديثًا واحدًا. وقال البَغَويّ: لم يسمع من يزيد الرَّقَّاشي.

روى عن: أبيه وأبي إسحاق الشّيباني وأبي إسحاق السّبيعيّ، وعبد الملك بن عُمَيْر والأسود بن قَيس، والأعمش ومنصور وصالح بن صالح ابن حَيّ، ومُحارب بن دِثار، ومالك الأشْجعيّ، وزياد بن عَلاقة، وعاصم الأحْول، وحُميد الطويل، وزَيْد بن أسْلم، وعَمرو بن دينار، وخلقٌ كثير.

وروى عنه: جَعْفرُ بن بَرْقان، وخُصيف بن عبد الرحمن وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وشُعبة وزائِدَة ومالك والأوْزاعيّ وزُهير بن معاوية ومِسْعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ويحيى بن سعيد القطّان وابن المُبارك، ووكِيع ويزيد بن زُرَيع، وخلق كثير. قيل: روى عنه عشرون ألفًا. وآخر من حدث عنه من الثقات علي بن الجَعْد.

مات سنة ستين ومئة بالبَصْرة متواريًا من سلطانها. وقيل: سنة إحدى وستين وقيل اثنتين وستين، ودفن عِشاء، ولم يُعَقِّب.

والثَّوريّ في نسبه نسبة إلى ثَوْر بن عَبد مناة على الصحيح، وقيل: نسبة إلى ثَوْر هَمْدان ومر الكلام على ثَوْر في الثالث من كتاب الإِيمان.

وليس في الستة سفيان بن سعيد سواه وأما سفيان فكثير نحو ثلاثة وعشرين.

الثالث: سليمان بن مَهْران، وقد مَرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان.

ص: 189

الرابع: عبد الله بن مُرّة، بضم الميم، الهَمْدانيّ الخارِفيّ الكوفيّ.

قال ابن معين وأبو زرعة والنّسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحةٌ وقال العجليّ: تابعي ثقة.

روى عن: ابن عُمَر والبَرَاء وأبي الأحْوص ومَسروق وغيرهم. وروى عنه الأعْمش ومنصور.

مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة مئة. وفي الستة عبد الله بن مُرّة الزُّرقيّ الأنصاري، روى عن أبي سعيد الأنصاري. وفيهم عبد الله بن أبي مُرّة، شهد فتح مصر.

والخارِفيّ في نسبه نسبة إلى خارِف، وهو مالك بن عبد الله بن كثير ابن مالك بن جُشَم خَيْواز بن نوْف بن هَمْدان. وفي تاج العروس: خارف ويام قبيلتان، وقد نسب إليهما المِخْلاف باليمن. وقد مرّ الكلام على الهَمداني في الخامس من بدء الوحي.

الخامس: مَسْروق بن الأجْدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مُرّ ابن سَلامان بن مَعْمر بن الحارث بن سَعد بن عبد الله بن وَداعة الهَمْدانيّ، الوَدَاعيّ الكوفيّ العابد، أبو عائشة الفقيه.

قال أبو داود: كان عمرو بن مَعدِ يكَرِب خالَه، وكان أبوه أفرس فارس باليمن. وقال الأعْمش عن مسروق: قال لي عُمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجْدع، قال: الأجدع شيطان. أنت مسروق بن عبد الرحمن. وقال مالك بن مغول: سمعتُ أبا السّفر غير مرة يقول: ما ولدت هَمْدانية مثل مسروق.

وقال الشّعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه. وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة. وقال الشعبيّ أيضًا: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء.

ص: 190

وقال أبو إسحاق: حجّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه. وقال أنس ابن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تورّم قدماه.

وقال ابن عُيينة: لا أُفضل عليه أحدًا بعد علقمة. وقال ابن المدينِي: ما أُقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا. صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يروِ عن عثمان شيئًا. وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدّارميّ: قلت لابن مَعين: مسروق عن عائشة أحب إليك أو عُروة؟ فلم يُخيِّر. وقال العجليّ: كوفيٌّ تابعيّ ثقة.

وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرأون ويفتون وقال ابن سعد: كان ثقة. وله أحاديث صالحة وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة ولّاه زياد على السِّلْسلة، ومات بها.

وقال أبو الضُّحى: سُئل مسروق عن بيت شعر فقال: إني أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا. وقال الكلبيّ: شُلّت يد مسروق يوم القادسية، وأصابته أمَة. وقال أبو الضُّحى عن مسروق: كان يقول ما أُحب أنها -يعني الأمَة- ليست لي، لعلها لو لم تكن لي كنت في بعض هذه الفتن. قال وكيع: لم يتخلف مسروق عن حروب عَلي.

روى عن: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ومُعاذ بن جَبَل، وابن مسعود، وخَبّاب بن الأرَتّ، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعائشة، وأم سلمة، وجماعة.

وروى عنه: ابن أخيه محمَّد بن المُنْتشر بن الأجْدع، وأبو وائل وأبو الضحى، وأبو إسحاق السّبيعيّ، والشّعبي، وإبراهيم النّخعيّ، وعبد الله بن مرة الخارِفيّ ومَكحُول، وامرأته قُمير بنت عَمرو، وغيرهم.

مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة. وهو من المُخضرمين. وقد مر الكلام عليهم في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان هذا، وفي الستة مسروق سواه اثنان: ابن أوس التَّميمي الحنْظَليّ

ص: 191