الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} . قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
وقوله: "أن رجلًا من اليهود" هذا الرجال هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم كما قاله الطبراني في "الأوسط" ومُسَدَّد في "مسنده"، والطبري في "تفسيره"، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عُبادة بن نُسَيّ بضم النون وفتح المهملة عنه؛ وللمصنف في المغازي من طريق الثَّوري:"أن ناسًا من اليهود"، وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ:"قالت اليهود" فيُحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم، وكعب عرفناه في الحديث الخامس والعشرين والأربع مئه من المغازي.
وقوله: "آيةٌ في كتابكم" مبتدأ سَوَّغَ الابتداء به وصفه بما بعده، أو بالتعظيم المستفاد من التنوين، أي: آية عظيمة.
وقوله: "لو علينا" هو الخبر، أي: لو نزلت علينا، كقوله:{لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} أي: لو تملكون أنتم؛ لأن لولا تدخل إلا على الفعل، فحذف الفعل لدلالة الفعل المذكور.
وقوله: "معشر اليهود" بالنصب على الاختصاص بأَعني ونحوه، والمعشر الجماعة شأنهم واحد.
وقوله: "لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا" أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة، لعظم ما حَصَل فيه من كمال الدين، والعيد فعْلٌ من العَوْد، وإنما سمي به لأنه يعود في كل عام.
وقوله: "أيُّ آية" أي: هي، فالخبر محذوف، ولم يقل: ما تلك الآية؟ لأن السؤال بأي عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما يُسأل بها عن الحقيقة، وليست مرادة هنا.
وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي: بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد.
وقوله: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي: بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكة وهدم منارات الجاهلية.
وقوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} أي: اخترته لكم من بين الأديان، وهو الدين عند الله.
وقوله: "قال عُمر" أي: رضي الله عنه، وفي رواية:"فقال عُمر".
وقوله: "الذي نزلت فيه على النبي" وفي رواية الأصيلي: "أُنزلت" وفي رواية: "على رسول الله".
وقوله: "وهو قائمٌ بعرفة" أي: والحال أنه قائم، وعرفة غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي رواية لمسلم زيادة:"والساعة التي نزلت فيها" وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "يوم الجمعة" بالتعريف، وإنما لم يمنع من الصرف على الأولى كما في عرفة لأن الجُمعة صفة أو غير صفة، وليس علمًا، ولوكانت علمًا لامتنع صرفها، وهي بضم الميم وفتحها وإسكانها،
فالمتحرك بمعنى الفاعل كضحَكة بمعنى كثير الضحك، والمسكن بمعنى المفعول كضُحكَة أي: مضحوك عليه، فالمعنى إما جامع للناس، أو مجموع له، وهذه قاعدة كلية، قال الناظم:
ورَجُلٌ ضُحكَةٌ كثيرُهُ
…
وضُحْكةٌ يَضْحكُ منه غيرُهُ
وإنما لم يقل عمر: جعلناه عيدًا ليوافق جوابه السؤال، وإنما أجاب بمعرفة الوقت والمكان لما ثبت في "الصحيح" من أن النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار، وقد قالوا: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة.
وفي "الفتح": وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قَبيصة نصَّت على المراد، ولفظه:"نزلت يومَ جُمعة، يومَ عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد" لفظ الطبري والطبراني: "وهما لنا عيدان" وكذا عند الترمذي عن ابن عباس أن يهوديًّا سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة. ويوم عرفة. فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا لأنه ليلة العيد، وهكذا جاء في الحديث الآتي في الصيام:"شهرا عيدٍ لا ينقصان رمضان وذو الحجة" فسمى رمضان عيدًا لأنه يعقُبُه العيد.
وقال النووي: فقد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا فعظمناه، وعظمنا مكان نزول الآية.
فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب وهي الزيادة والنقصان في الإيمان؟ فالجواب من جهة أنها بينت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، وقد جزم السُّدِّيّ بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام.