المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} - كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري - جـ ٢

[محمد الخضر الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌وفي هذا الحديث فوائد:

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار من الإِيمان

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب تفاضل أهل الإِيمان في الأعمال

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ: الحياء من الإِيمان

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه

- ‌الحديث العشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب السلام من الإِسلام

- ‌الحديث الحادي والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب كُفران العشير وكفر دون كفر فيه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فسماهم المؤمنين

- ‌الحديث الرابع والعشر ون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌باب ظلم دون ظلم

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌رجاله ثمانية:

- ‌باب علامات المنافق

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌رجاله ستة:

- ‌بابٌ قيام ليلة القدر من الإِيمان

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الجهاد من الإِيمان

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب تطوع قيام رمضان من الإِيمان

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب صوم رمضان احتسابًا من الإِيمان

- ‌الحديث الحادي والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌بابٌ الدينُ يُسْرٌ

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب الصلاة من الإِيمان

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌باب حسن إسلام المرء

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب أحب الدين إلى الله أدْوَمُهُ

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌رجاله ستة:

- ‌باب الزكاة من الإِسلام وقوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب اتِّباعُ الجنائز من الإِيمان

- ‌الحديث الأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب: خوف المؤمن من أن يحبطَ عملُه وهو لا يشعر

- ‌الحديث الحادي والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌الحديث الثاني والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإِسلام والإحسان وعلم الساعة

- ‌الحديث الثالث والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الرابع والأربعون

- ‌رجاله سبعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب فضل من استبرأ لدينه

- ‌الحديث الخامس والأربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب أداء الخمس من الإِيمان

- ‌الحديث السادس والاربعون

- ‌رجاله أربعة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى

- ‌الحديث السابع والأربعون

- ‌رجاله ستة:

- ‌الحديث الثامن والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث التاسع والأربعون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌باب قول النبى صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله

- ‌الحديث الخمسون

- ‌رجاله خمسة:

- ‌لطائف إسناده:

- ‌الحديث الحادي والخمسون

- ‌لطائف إسناده:

- ‌خَاتِمَة

الفصل: ‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}

ابن شيبان، وبالخَدَريّ بالتحريك وهو محمَّد بن حسن متأخر، روى عن أبي حاتم وبالجَدَرِيّ بالجيم والدال مفتوحتين، وهو عُمير بن سالم، وبكسر الجيم وسكون الدال نسبة إلى جِدْرة بطن من كعب.

لطائف إسناده: منها أن هذا السند كله مدنيون، وفيه فرد تحديث، والباقي عنعنة وفيه صحابي ابن صحابي.

وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، أخرجه هنا، وفي الفتن عن ابن يوسف، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل، وفي الرقاق، وعلامات النبوة عن أبي نُعيْم، وهو من أحاديث مالك في "الموطأ" وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا.

‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

باب هنا مضاف بلا تردد، وسقط في رواية الأصيلي.

"وأنا أعلمكم بالله" هو مقول القول، وفي رواية الأصيليّ:"أعرفكم" بدل أعلمكم، وإنما كان كذلك لأن الرجل كلما كان أقوى في دينه كان أعلم بربه.

وقوله: "وأن المعرفة" بفتح أن عطف على قول النبي، والتقدير: وباب بيان أن المعرفة، وورد بكسرها فهي استئنافية، والفرق بين المعرفة والعلم هو أن المعرفة عبارة عن الإِدراك الجُزْئِيّ، والعلم عن الإِدراك الكلي، وقيل: العلم إدراك المركبات، والمعرفة إدراك البسائط، وهذا مناسب لتعدي العلم إلى مفعولين، والمعرفة إلى مفعول واحد.

وقوله: "لقول الله تعالى .. إلخ" مراده الاستدلال بهذه الآية على أن الإِيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب، وقوله:"بما كَسَبَت قلوبُكُم" أي بما استقرَّ فيها.

ص: 13

والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح- فالاستدلال بها في الإِيمان -بالكسر- واضح، للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب، وكان المصنف لمح بتفسير زَيْد بن أسْلَم، فإنه قال في قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] قال: هو كقول الرجل: إن فعلت كذا فأنا كافر، قال: لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقِدَ به قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث. وظهر وجه دخولهما في مباحث الإِيمان، فإن فيه دليلًا على بُطلان قول الكَرّامِيّةِ: إن الإِيمان قول فقط، ودليلًا على زيادة الإِيمان ونقصانه، لأن قوله عليه الصلاة والسلام:"أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإِيمان حقًّا.

وقال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أول واجب، فقيل: المعرفة، وقيل: النظر، وقال المقترح: لا اختلاف، فإن أول واجب خطابًا ومقصودًا المعرفة، وأول واجب اشتغالًا وأداءً القصد إلى النظر، وفي نقل الإِجماع منازعة طويلة، حتى نقل جماعة الإِجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول الإِسلام ممن دخل فيه من غير تَنْقيب، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا، وأجاب الأولون عن ذلك بأن الكفار كانوا يَذُبُّون عن دينهم ويقاتلون عليه، فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يُكْتَفَى فيها بأدنى نظر، بخلاف ما قرروه، ومع ذلك فقول الله تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] وحديث كل مولود يولد على الفطرة، ظاهر في دفع هذه المسألة من أصلها، وفي هذا المقصد طول، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب متشابه الصفات، ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب التوحيد، لأنه هو مَحَلُّه الحقيقي. وقد قال النووي: في هذه الآية دليل على المذهب

ص: 14

الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخَذُ بها إن استقرت، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز عن أُمّتي ماحَدَّثَت به أنفسها ما لم تَتَكَلَّم به أو تعمل" فمحمول على ما إذا لم يستقر، ويمكن أن يُستدلَّ لذلك من عموم قوله:"أو تعمل" لأن الاعتقاد هو عمل القلب.

والكلام على هذه المسألة طويل، ومحله عند قول المصنف في الرقاق باب من هَمَّ بحسنة أو بسيئة. وها أنا أريد أن أتكلم عليها هنا قبل وصول ذلك المحل، مخافة الموت قبل وصوله.

فأقول ملخصًا ما جمعه في "الفتح": أخرج البخاري في الباب المذكور عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه عز وجل، قال:"إن الله عز وجل كتب الحسنات وكتب السيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملْها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها له سيئة واحدة" والهم بالحسنة قيل: المراد به العزم لا مطلق الهم والإِرادة، لما أخرجه أحمد وصححه ابن حِبّان والحاكم من حديث خُرَيْم بن فاتِك رفعه:"ومَنْ هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحَرَص عليها" وقد تَمَسَّك به ابن حِبّان، فقال بعد إيراد حديث الباب في "صحيحه": المراد بالهم هنا العَزْم، ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها، وإن لم يعزم عليها، زيادة في الفضل. وقال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإِرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير، لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تُضاعف لعموم قوله:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] وأجيب يحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على مجرد الهم، لاقتضاء قوله:{مَنْ جَاءَ} على اختصاص التَّضْعيف بالمجيء، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة فكيف لا يُعتَبرُ في حصول

ص: 15

السيئة؟ وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها، لأنه قد نسخ قصده السيئة، وخالف هواه، ثم ظاهر الحديث حصول الحسنة مع مجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا مع بقاء قصد الهم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ من قِبَل نفسه فهي دون ذلك إلا إن قارنَهَا قصد الإِعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أنه لا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال.

قال النّووي: أشار بقوله: "عنده" إلى مزيد الاعتناء والشرف، وبقوله:"كاملة" إلى تعظيم الحسنة، وتأكيد أمرها، وعكس في السيئة فلم يصفها بكاملة، بل أكدها بقوله:"واحدة" إشارة إلى تخفيفها، مبالغة في الفضل والإِحسان، ومعنى قوله:"كتبها الله" أمر الحفظة بكتابتها، بدليل حديث أبي هُريرة المذكور في التوحيد:"إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتُبوها عليه حتّى يَعْمَلَها" وفيه دليل على أن المَلَكَ يطَّلِعُ على ما في قلب الآدمي، إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِكُ به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا عن أبي عِمْران الجَوْني قال: يُنادي المَلَكُ اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا ربِّ لم يعملْه، فيقول: إنه قد نواه. وقيل: بل يجد المَلَك للهَمِّ بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن أبي مَعْشَرٍ المَدَني، وجاء مثله عن سفيان بن عُيينة، وفي شرح مُغْلُطاي أنه ورد مرفوعًا.

وقوله: "إلى أضعاف كثيرة" في حديث أبي ذر عند مسلم رفعه: "مَنْ عمل حسنةً فله عشرة أمثالها وأزيد" وهذا يدُلُّ على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإِخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع، كالصدقة

ص: 16

الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشرف العمل، ونحوه، وقد قيل: إن العمل الذي يضاعف إلى سبعمائة ضعف خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسك قائل ذلك بما في حديث خُرَيمْ بن فاتِك المشار إليه قريبًا، ففيه:"ومن عمل حسنةً كانت له بعشر أمثالها، ومن أَنْفق نفقةً في سبيل الله كانت له بسبع مئة ضعف، وتعقب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبع مئة ضعف وليس فيه نفي ذلك عن غيرها، ويدل على التعميم حديث أبي هُريرة المذكور في الصوم: "كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف" واختلف في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} هل المراد المضاعفة إلى سبع مئة فقط، أو زيادة على ذلك، فالأول هو المحقق من سياق الآية، والثاني محتمل ويؤيد الجواز سعة الفضل، وكون من هم بسيئة ولم يعملها تكتب له حسنة كاملة، ظاهر الحديث كتبها بمجرد الترك، لكن في حديث أبي هُريرة في التوحيد: "إذا أراد عبدي أن يعملَ سيئةً فلا تكتبوها عليه حتى يعملَها، فإن عملَها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" وفي رواية عند مسلم:"إنما تركها من جرّائي". ونقل عِياض أن بعض العلماء حمل حديث ابن عَبّاس على عمومه، ثم صوب حمل مطلقه على ما قُيّدَ في حديث أبي هُريرة، ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما مر أن ترك المعصية كفٌّ عن الشر، والكف عن الشر خير، ويحتمل أن تكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه تعالى كتبت حسنة مضاعفة، وقال الخطّابيّ: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه لأن الإِنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا فيجد الباب مغلقًا، ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنى مثلًا فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا، ووقع في حديث أبي كَبْشة الأنْماريّ ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما

ص: 17

أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه بلفظ: "إنّما الدُّنيا لأربعة" فذكر الحديث وفيه: "وعَبْدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يَصِلُ فيه رَحِمَه، ولا يرى لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزُقهُ الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء" فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتحمل الحالة الأولى على من هم بالمعصية هما مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك وأصَرَّ عليه، وهو موافِق لما ذهب إليه البَاقِلّاني وغيره. قال المازَرِيّ: ذهب ابن الباقلّاني ومن تبعه إلى أن من عَزَمَ على المعصية بقلبه ووَطَّن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة على الخاطر الذي يمرُّ بالقلب، ولا يستقرُّ. قال المازَرِيّ: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونُقِل ذلك عن نَصِّ الشافعِيّ. ويؤيده ما أخرجه مسلم عن أبي هُريرة بلفظ:"فأنا أغفرها له ما لم يعملها" فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجوارح بالمعصية المهموم بها، وتعقبه عِياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقِلّانيّ لاتفاقهم على المؤاخذة بأفعال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصولها فإّنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية، ويدل على ذلك حديث:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" الخ. فإنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه، ولا يُعاقب عقاب من باشر بالقتل حِسًّا، ويأتي الكلام مستوفىً على هذا الحديث قريبًا.

وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية ولم يَتُب منها، ثم هَمَّ أن يعود إليها، فإنه يُعاقب على الإِصرار كما جَزَمَ به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران: 135] ويؤيده أن الإِصرار معصية اتفاقًا، فَمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، قال النَّوَويّ: وهذا ظاهر حسن لا

ص: 18

مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19] وقوله: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] وقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] وغير ذلك.

وقال ابن الجَوْزيّ: إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهَمِّ والعزم أن من كان في الصلاة فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صَمَّم على قطعها بَطَلت وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود، للفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة، وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقساما، أضعفها أن يَخْطُر له ثم يذهبَ في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو مَعْفُوٌّ عنه، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه، فيهتم به، ثم ينفر عنه فيتركه، ثم يَهِمُّ به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه، لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه، بل يصمم على فعله، وهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: القسم الأول أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث، فهذا كفر، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحب الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به الكِبْر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصري: إن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه، وحَمَلَه على ما يقع في النفس مما لا يُقْدَرُ على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدة النفس على تركه، والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنى والسرقة، فهو الذي وقع

ص: 19

فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خُرَيْم بن فاتِك المنبه عليه قبل، فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال:"يعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها" وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء بل قال فيه: "ومن هم بالسيئة لم تكتب عليه" والمقام مقام الفضل، فلا يَليق التحجير فيه، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يَهتُم به؟ قال: إذا جزم بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وحملوا حديث أبي هُريرة الصحيح المرفوع: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" على الخطرات كما مرَّ، ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم، وقالت طائفة: يعاقب عليه في الآخرة لكن بالعتاب، واستدلوا بحديث النجوى، وقال السُّبكي الكبير: والعزم وهو قوة ذلك القصد أو الجزم ورفع التردد. قال المحققون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتج بقول أهل اللغة: هَمَّ بالشيء عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلة الأول إذا التقى المسلمان بسيفيهما ففيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فَعَلَّلَ بالحرص، واحتج بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه، لأنها على قسمين: أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه، والثاني يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل أو لم يحصُل.

واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما وقع في الحرم المكي ولو لم يصمم، لقوله تعالى:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ذكره السُّدّي في "تفسيره" عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن هم

ص: 20

بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته، وتعقب هذا بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك من هم بمعصية لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟ وأجيب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية مستلزم انتهاك حرمة الله تعالى، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله تعالى، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم من هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلًا عن قصد الاستخفاف، وقوله في حسنة ترك المعصية:"حسنة كاملة"، المراد بالكمال فيها عظم القدر لا التضعيف، لأنه خاص بحسنة العمل بالجوارح كما مر، وقوله في الحديث المار:"كتبها الله سيئة واحدة" زاد مسلم عن أبي ذَرّ: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر" وفي حديث ابن عباس عنده: "أو يمحوها" والمعنى أن الله يمحوها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفرها، والأول أشبه لظاهر حديث أبي ذر، ويستفاد من التأكيد بقوله:"واحدة" أن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى:{فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام: 160] وذكر ابن عبد السلام في "أماليه" أن فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتب عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهم، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئة واحدة، واستثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكي، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل ورد في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا ما سمعت إلا بمكة لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعظم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى:{مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] لأن ذلك ورد تعظيمًا لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ملخص ما قيل في هذه المسألة.

ص: 21