الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكِسْوته من المعروف، ولا يُكلَّف من العمل ما لا يُطيق" وهي يقتضي الرد في ذلك إلى العُرف، فمن زاد عليه كان متطوعًا، وأما ما حكاه ابن بَطّال عن مالك أنه سُئل عن حديث أبي ذر، فقال: كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت واستحسنه ففيه نظر لا يَخْفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحَسَبِه. قاله في "الفتح".
قلت: في نظره نظر، لأن ما نظر فيه هو عين ما مر قريبًا من أن الأمر في ذلك موكول إلى العُرف، فكلام مالك جمعٌ بين الحديثين بيّن فيه أن حديث أبي ذر في زمن ليس لهم فيه هذا القوت المتفاوت المُحتاج فيه إلى حمل الأمر على العُرف.
قوله: "ولا تُكلِّفوهُم ما يغلبهم" أي: تعجِز قدرتهم عنه لعظمه أو لصعوبته، والنهي فيه للتحريم، والتكليف: تحميل النفس شيئًا فيه كِلفة، وقيل: هو الأمر بما يَشُقُّ.
وقوله: "فإن كلَّفتموهم فأعينُوهُم" أي: كلفتموهم ما يغلِبهم، وحُذف للعلم به، والمراد أن يُكلِّف العبد جنس ما يقدر عليه، فإن كان يستطيعه وحدَه، وإلا فلْيعِنه بغيره، ويُلحق بالعبد الأجير والخادم والضيف والدّابة.
وفي الحديث: النهي عن سب العبيد ومن في معناهم وتعييرهم بمن وَلَدهم، والحث على الإِحسان إليهم والرفق بهم، وعدم الترفع على المسلم والاحتقار له، وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق الأخ على الرقيق، وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى فلا يُفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويستفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
رجاله خمسة:
الأول: سليمان بن حرب وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب الإِيمان.
ومرّ شعبة بن الحجاج في الثالث منه أيضًا.
الثالث: واصل بن حيّان -بتشديد الياء آخر الحروف- الأحْدب الأسديّ الكوفي بيّاع السّابَرِي.
قال أبو داود والنّسائي والعجليّ وابن مَعين: ثقة. وقال ابن معين في رواية أخرى: ثبت. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
روى عن: أبي وائل، وشريح القاضي، والمعرور بن سويد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
وروى عنه: أبو إسحاق الشّيباني، وعبد الملك بن سعيد بن أبْجر، وشعبة، والثّوري، وجرير بن حازم. مات سنة عشرين ومئة، وقيل سنة تسع وعشرين. وقال خليفة: مات في خلافة مَرْوان بن محمَّد.
وحَيّان إن أخذ من الحين ينصرف، وإن أخذ من الحياة لا ينصرف، وكل ما في الكتب الستة فهو حيان بالياء المشددة بعد الحاء سُمًا أو كُنية ما عدا: حِبّان -بكسر الحاء وبالباء الموحدة- جد أحمد بن سنان بن حِبّان القطان، وحبّان بن موسى المَروزيّ ويأتي قبل عبد الله بن المبارك غير منسوب، روى عنه الشيخان في "صحيحيهما"، وحِبّان بن عَطية وله ذكر في "البخاري" في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وحِبّان بن العَرِقة -لعنه الله تعالى- قاتل سعد بن معاذ له ذكر في "الصحيحين" في حديث عائشة رضي الله عنها: أن سعد بن معاذ رماه رجلٌ من قريش يقال له: حبّان بن العَرِقة -بكسر الراء- وقيل: بفتحها، لقب أمه، لُقِّبت بذلك لطيب ريحها، واسمها قِلابة بنت سُعيد -بضم السين- ابن سهم وأما اسم أبيه فقَيْس، أو أبو قيس، وما عدا ثلاثة أيضًا بفتح الحاء: حَبان ابن مُنقذ -بكسر القاف وضم الميم وبالذال المعجمة- له ذكر في "الموطأ" وحفيده حَبّان بن واسع بن حبّان بن مُنقذ وحديثه في "الموطأ" والشيخين، وابن أخي واسع محمَّد بن يحيى بن حَبّان، حديثه في الثلاثة أيضًا،
وأما واسع بن حَبّان فحديثه في مسلم، وأشار إلى هذا سيدي عبد الله في "غرة الصباح" بقوله:
حبّان جدُّ أحمد القطّانُ
…
ونَجلُ موسى عندهُم حِبّان
وابنُ عطيَّة ونجلُ العَرِقه
…
وافْتح لوالدٍ لواسعِ الثِّقه
وابنِ هلالٍ، غيرهُم بالياءِ
…
سُمًا وكُنيةً بلا استثناءِ
وابن هلال هو حبان الباهلي وحديثه في الصحيحين، وقال العراقي:
كَذَاك حَبّان بنُ مُنقذٍ وَمَنْ
…
ولَدَه وابنُ هلالٍ واكْسِرَنْ
ابنَ عطيّةٍ مع ابن مُوسى
…
ومَن رمى سعْدًا فنالَ بُوسَى
قلت: الفتح تحقيقه أنه في ثلاثة: حَبّان بن مُنقذ الصحبي، وحفيده حَبّان بن واسع، وحَبّان بن هلال لا غير، وأما واسع وابن أخيه، فحبانهما هو ابن مُنقذ.
وقلت أيضًا: اقتصار من اقتصر في المكسورِ على أربعة قصورٌ، ففي الرواة سبعة بالكسر زيادة على الأربعة المتقدمة، ذكرهم صاحب "الخلاصة"، و"تهذيب التهذيب"، وغيرهما من كتب الرجال، وهم: ابن أبي جَبَلة القُرشيّ روى عن عَمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وابن جُزء روى عن أبيه وأبي هريرة، وابن زَيْد الشرعبي أبو خِداش روى عن عبد الله بن عَمرو، وحِبّان بن عاصم العَنبريّ البَصْري روى عن جده لأمه حَرْمَلة التَّميمي، وابن علي العَنَزي روى عن ليث بن أبي سُلَيم، وابن موسى الكِلابيّ، والذي مرّ ذكره في الأربعة هو ابن موسى السُّلميّ المَرْوزيّ، وابن يسار الكلابي أبو رُويحة روى عن محمَّد بن واسع.
والسَّابِرِي الذي واصل بياع له ثوب رقيق جيد وكل رقيق سابرِيّ. قال ذو الرُّمة:
فجاءَتْ بِنسج العنكبوت كأنَّهُ
…
على عَصَوبْها سَابِرِيٌّ مُشَبرَقُ
ومنه المثل: "عرضٌ سابِرِي" لأنه يرغب فيه بأدنى عرض، يقوله من يُعرضُ عليه الشيء عرضًا لا يُبالغ فيه، وفي حديث حبيب بن أبي ثابت: رأيت على ابن عباس ثوبًا سابَربًّا استشف ما وراءه.
وواصل في الستة سواه خمسة.
الرابع: المعرور بن سُويد أبو أمية الكوفي.
قال ابن مَعين وأبو حاتم: ثقة. وقال العِجلي: تابعي ثقة من أصحاب عبد الله. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال شُعبة عن واصل: كان المَعْرور يقول لنا: تعلموا مني يا بني أخي.
وكان كثير الحديث. روى عن: عُمر، وأبي ذر، وابن مسعود، وأم سَلَمة.
وروى عنه: واصل الأحْدب، وسالم بن أبي الجَعْد، والأعْمش، والمُغيرة بن عبد الله اليَشْكُريّ، وعاصم بن بَهدلة، وغيرهم.
قال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومئة سنة، أسود الرأس واللحية.
وليس في الستة معرورٌ سواه.
الخامس: أبو ذرٍّ الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة مختلف في اسمه واسم أبيه كثيرًا، والمشهور أنه جُنْدُب بن جُنادة بن سَكْن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه بَرير، وقيل: بالتصغير، وقيل: اسم أبيه عبد الله، وقيل: عِشرقةُ، وقيل غير ذلك.
والسَّكْن بن جُنادة بن قيس بن بَيَاض بن عَمرو بن مُلَيْل -بلامين مصغرًا- ابن صُعير -بمهملتين مصغرًا- ابن حَرام -بمهملتين- ابن غِفار.
وقيل: اسم جده سُفيان بن عَبيد بن حَرَام بن غِفار.
واسم أمه رَمْلةُ بنتُ الوقيعة غِفاريةٌ أيضًا. ويقال: إنه أخو عمرو بن عنبسة لأمه.
ووقع في رواية لابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرّ لما مر عليه
مضطجعًا على بطنه وَرَكضَه برجله: "يا جُنيدب -أي: بالتصغير- إنما هذه الضَّجعة ضَجْعَة أهل النار".
كان من كبار الصحابة قديم الإِسلام يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عام الحُديبية. لم تتهيأ له الهجرة إلا ذلك العام، فصَحِب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات. ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى وَلِي عليه معاويةُ من قبل عُثمان.
وكان أبو ذر غالبًا عليه الزُّهد والتَّعبُّد، فكان يعتقد أن جميع ما يَفضُل عن الحاجة كنزٌ فإمساكه حرام، فوقع بينه وبين معاوية نزاعٌ في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الآية فشكاه إلى عثمان فأقْدَمَه عُثمان المدينة فَزَهد فيما بأيديهم، واستأذن عثمان في سُكناه الرَّبَذَةَ.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن له في البَدو، فأقام بها في موضع منقطع حتى مات بها.
ويأتي إن شاء الله تعالى شأن موته وقصة إسلامه في "الصحيحين" على صفتين بينهما اختلافٌ ظاهرٌ.
فعند البخاريّ من طريق أبي حَمْزة عن ابن عَبّاس قال: لما بلغ أبا ذَرٍّ مَبْعثُ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يَزْعم أنه نبيّ يأتيه الخبر من السماء، واسْمع من قوله ثم ائتِني.
فانطلق الأخ حتى قدِم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال
له: رأيتُه يأمُر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شَفَيْتني، فَتَزَوَّد، وحمل شَنَّةً فيها ماءٌ حتى قَدِم مكة، فأتى المسجد فالتَمَس النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن يَسأل عنه حتى أدركه الليل فاضطجع فرآه عليٌّ فَعَرف أنه غريب فقال له: انطلق معي إلى المنزل، فانطلق معه لا يسألُ واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احْتمل قربَتَه وزادهُ إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حتى أمْسَى، فعاد إلى مَضْجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعرف مَنزله؟ فأقامه، فذهب به معه لا يسأل أحدٌ منهما صاحِبَه عن شيء حتى إذا كان. اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه فقال: ألا تُحدِّثني ما الذي أقْدَمك: قال: إنْ أعطيتني عهدًا وميثاقًا أن تُرشدني فَعَلتُ، ففعل فأخبره، فقال: إنه حق وإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحتَ فاتَّبِعني إن رأيت شيئًا أخافُهُ عليك قمتُ كأنى هَريق الماء فإن مضيت فاتَّبِعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يَقْفُوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه وسمع من قوله فأسلم مكانه، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخْبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصْرخَنَّ بها بين ظَهرانِيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسولُه. فقام القوم إليه فضربوه حتى أضْجعُوه، وأتى العباس فأكَبَّ عليه وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غِفار وأنه طريق تجارتكم إلى الشّام، فأنْقذه مِنهُم ثمَّ عاد من الغد لمثْلها، فضربوه وثاروا عليه، فأكَبَّ العباس عليه أيضًا، حتى أنْقذهُ منهم.
هذه إحدى الطريقتين، وعند مسلم من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ في قصة إسلامه، وفي أوَّله: صَلَّيْت قبل أنْ يُبعَث النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنِين لله تعالى، أتوجَّه حيثُ وجّهني ربّي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل، أُلقيتُ كأني خفاء حتى تعلو في الشمس والخفاء كالكِساء زنَةً ومعنىً.
قال وكنا نزلنا مع أُمنا على خال لنا، فأتاه رجل، فقال له: إن أُنيسًا
يخلفك في أهلك. فبلغ ذلك أخي، فقلنا: والله لا نُساكنُه بعد هذا، فارتحلنا، فانطلق أخي فأتى مكة، ثم قال لي: أتيتُ مكة فرأيتُ رجلًا بمكةَ على دينِك يزعم أن الله تعالى أرسله. قلت: فما يقول النّاس؟ قال: يقولون شاعرٌ كاهنٌ ساحرٌ. وكان أُنيسٌ شاعرًا. قال أُنيْس: لقد سمعتُ قولَ الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قولَه على أمراء الشعراء فما يلْتَئمُ على لسان أحدٍ بعهدي أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال أبو ذَرّ: قلت: فاكْفني حتى أذهب فأنْظُر. قال: فأتيتُ مكة فَتَضَعَّفتُ رجلًا منهم، فقلت له: أين هذا الذي تدعونَه الصّابىء؟ فأشار إليّ فقال: الصابىء؟ فمال علي أهل الوادي بكل مَدَرة وعَظم حتى خَرَرتُ مغشيًّا عليّ، قال: فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُب أحْمر، فأتيت زمزَمَ فغسلت عني الدماء، وشربتُ من مائها. ولقد لبثْت ثلاثين بين ليلة ويوم مختبئًا بين الكعبة وأستارها ما كان لي طعامٌ إلا ماء زمزم، فَسَمنْتُ حتى تكسرتْ عُكَنُ بطني، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جوعٍ.
قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إِضْحيان، إذ ضُرب على أسمخَتهم، فما يطُوف بالبيت أحدٌ، وامرأتان منهم تدعوان أُسافًا ونائلة. فأتتا علي في طوافهما، فقلت: أنكحا إحداهما الأُخرى فما تناهَتَا عن قولهما، ثم أتتا عليّ فقلت: هَنٌ مثل الخشبة غير أني لا أُكْني، فانطلقتا تُولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحدٌ من أنفارنا، فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان. قال: مالكما؟ قالت: الصابىءُ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال كلمة تملأ الفم.
وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته كنتُ أنا أوّل من حيّاه بتحيةِ الإِسلام، فقلت: السلامُ عليك يا رسول الله، فقال: وعليكَ السلام ورحمةُ الله، ثم قال: من أنت؟ قلتُ: من غِفار. فأهوى بيده، فوضع يده على
جبهتي، فقلتُ في نفسي كَرِه أنْ انْتَميتُ إلى غِفار، فذهبتُ آخُذ بيده، فَقَدَعَني صاحبُه، وكان أعلم به مني، ثم رفع، ثم قال: متى كنت ها هُنا؟ فقلت: قد كنت ها هنا من ثلاثين بين يوم وليلة. قال: فمن كان يُطعمك؟ قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماء زمزم، فسَمنت حتى تكسرت عُكنُ بطني، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع. فقال: إنها مباركة، إنها طعام طُعْم.
قال أبو بكر: يا رسول الله، ائْذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وانطلقتُ معهما ففتح أبو بكر بابًا، فجعل يَقْبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبَرْتُ ما غَبَرْتُ، ثم أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه قد وجهت لي أرضٌ ذاتُ نخيل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغٌ عني قَومَك عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجُرَك فيهم؟ فأتَيتُ أُنَيسًا، فقال: ما صنعت؟ قلت: إني قد أسلمت وصَدَّقتُ، قال: ما بي رغبة عن دينك، إني قد أسلمت وصدقتُ.
فأتينا أُمّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، إني قد أسلمت وصدقتُ.
فاحتملنا حتى أتينا قومنا غِفارًا فأسلم نصفُهم، وكان يؤُمُّهم إيماء بن رَخْصة الغِفاريّ، وكان سيدهم.
وقال نصفهم إذا قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلم النصفُ الباقي فجاءتْ أسْلَمُ وقالوا: يا رسول الله، إخوتنا نُسْلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفارٌ غفر الله لها، أسْلَم سالَمَها الله اهـ.
وقال الأبيُّ: بين المتنين اختلافٌ يَبْعُد معه الجمع بينهما. وكل من المتنين صحيح، فالله أعلم أي المتنين هو الكائن.
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبو ذر في أمتي شَبيهُ عيسى ابن مريم في زهدهْ وبعضهم يرويه من سَرَّهُ أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فَلْيَنْظُرْ
إلى أبي ذَرٍ.
ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما أظلتِ الخضراءُ ولا أقلتِ الغَبراء أصدَق لهجةً من أبي ذَر. وأخرج أبو داود بسنَد جيد عن علي رضي الله عنه، أبو ذر وعاء ملىء علمًا، ثم أوكيَ.
وأخرج الطّبراني من حديث أبي الدّرداء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدىء أبا ذر إذا حضر، ويَتفقَّدهُ إذا غاب.
وأخرج أحمد من طريق عِراكٍ بن مالك، قال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة يوم تَركْتُهُ فيها، وإنه، والله، ما منكم من أحد إلا وقد نَشِب فيها بشيء غيري.
ولابن إسحاق عن ابن مسعود: كان لا يزال يَتَخلَّف الرجل في تبوك، فيقولون: يا رسول الله: تَخَلَّف فلان. فيقول: دعوه فإن يَكُن فيه خير فسَيُلْحقُهُ الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحَكم الله منه. فَتَلوّم أبو ذر على بعيره، فأبْطأ عليه، فأخذ متاعهُ على ظهره، ثم خرج ماشيًا، فنظر ناظرٌ من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي. فقال رسول صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذَر. فلما تأمّلَت القوم قالوا: يا رسول الله، هو، والله، أبو ذر فقال: يرحَمُ الله أبا ذر، يعيشُ وحده، ويموتُ وحده، ويُبعثُ وحده.
وكان أبو ذر رضي الله عنه طويلًا أسمَرَ اللون نحيفًا.
وقال أبو قُلابة عن رَجلٍ من بني عامر: دخلتُ مَسجِد مِنًى، فإذا شيخ مَعْروقٌ آدمُ، عليه حُلّةُ قَطَريّ، فعرفت أنه أبو ذر بالنّعت.
وقال فيه أبو داود: كان يوازي عبد الله بن مسعودٍ في العلم، ولم يَشهد بدرًا ولكن عمر ألحقه بهم.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحركُ طائرٌ جناحَيْه في السماء إلا ذَكَرنا مِنه عِلْمًا.
ورُوي عنه أنه قال: كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر، فلستُ بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى.
ورُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم أنه قال: كنتُ عند أبي الدّرداء إذ دخل رجلٌ من أهل المدينة، فسأله، فقال: أين تركت أبا ذر؟ قال: بالرّبَذَةِ، فقال أبو الدرداء: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو أن أبا ذر قطع مني عُضوًا ما هِجتُه لِما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه.
له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئتا حديث وأحد وثمانون اتفقا على اثني عشر منها، وانفرد البُخاري بحديثين، ومسلمٌ بسبعة عشر.
روى عنه من الصحابة أنسٌ وابن عباس، وخلق كثير من التابعين منهم أبو إدريس الخَوْلاني وزيدُ بن وَهْب الجُهنيّ والأحنف بنُ قيس وجُبير ابن نُفَيْر وسعيد بن المُسيّب وعبد الله بن الصّامت وعطاء بن يَسَار وغيرهم.
ومرّ أنه مات بالرّبَذة، وكان موته بها سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، صادفه وهو مقبلٌ من الكوفة مع نفرٍ من فُضلاء أصحابه. وقيل: مقبلٌ من المدينة إلى الكوفة، فدُعِي إلى الصلاة عليه وحضوره، فقال ابن مسعود: من هذا؟ قيل: أبو ذر، فبكى طويلًا وقال: أخي وخليلي، عاش وحده، ومات وحده، ويبعث وحده، طوبى له. فَشَهِد موته وغَمّضوا عينيه، وغسلوه وكفنوه.
ومن حديث أم ذر زوجة أبي ذر قالت: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة، بكيتُ، فقال لي. وما يُبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بِفَلاةٍ من الأرض، وليس عندي ثوبٌ يَسَعُك كفنًا لي ولا لك، ولا يَدَ لي بالقيام بِجهازِك؟ قال: فأبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يموتَنَّ بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويَحْتسبان فَيَريان النار أبدًا. وقد مات لنا ثلاثةٌ من الولد. وإني سمعت النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول لنفرٍ أنا فيهم: ليموتن رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرض يشهده عِصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة.
فأنا ذلك الرجلُ، والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ، فأبصري الطريق. قلت أنّى وقد ذهب الحاجُّ وتقَطّعت الطريق. قال: اذهبي فَتَبصَّري. قالت: فكنتُ اشْتدُّ إلى الكثيب فانظر ثم أرجع إليه فأُمَرِّضُه. فبينما هو وأنا كذلك، إذ أنا برجالٍ على رواحلهم كأنهم الرّخم تَحُثُّ بهم رواحِلهم، فأسرعوا إليّ حتى وقفوا عليّ فقالوا: يا أمَةَ الله، مالك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت تُكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلتُ: أبو ذَرّ. قالوا: صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. ففَدوْه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لِنَفرٍ أنا فيهم: ليموتَنَّ رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرض يشهَدُهُ عِصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفرُ أحدٌ إلَّا وقد مات في قرية وجماعة، والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، ولو كان عندي ثوبٌ يَسَعُني كفنًا لي أو لامرأتي، لم أكَفِّن إلا في ثوبٍ هو لي أولها، وإني أنشُدُكُم الله أن لا يكفِّنَنِي رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا. وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا وقد قارَفَ بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار، فقال: يا عمّ أنا أكفنك في ردائي هذا، وفي ثَوبين في عَيْبَتي من غَزْل أمِّي. قال: أنتَ تكفنني.
فكَفَّنَه الأنصاري وغسله في النفر الذين حضروه، وقاموا عليه ودفنوه في نفرٍ كلهم يمانٍ.
وقال المدائِنِيّ: إن ابن مسعود بعد صلاته عليه قَدِم المدينة، ومات بعده بقليل.
وليس في الصحابة أبو ذرٍ سواه إلا واحد له عند تقي الدين بن مُخْلد حديثٌ، وقيل: هذا هو أبو ذَرّةَ بن مَعَاذ بن زُرَارَة الأنصاري، وليس في الستة أبو ذر سواه.
والغفاريُّ في نسبه نسبةً إلى جده غِفار بن مُليْل بن ضَمْرة بن كِنَانة ابن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نِزار.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسّؤال، وفيه بَصْريّ