الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئي (1).
5 -
الترف والدعوة إلى النعومة والليونة: يؤدي الترف إلى النعومة والليونة، التي تدفع الناس إلى الرذائل، وتقعد بهم عن الجهاد والتضحية، وفي ذلك أعظم الخطر على الأمة.
6 -
التبذير والهوى: التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل، وأحسن الأدب في هذا تأديب الحق سبحانه حين قال:{وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (2)، فالإنسان قد يعطى رزق شهر في يوم، فإذا بذر فيه بقي شهرا يعاني البلاء، وإذا دبر منه عاش شهرا طيب النفس.
7 -
عدم الرعاية والاهتمام بالآخرين: ذلك أن الإنسان لا يراعي الآخرين ولا يهتم بهم غالبا، إلا إذا أضناه التعب وغصته الحاجة، كما أثر عن يوسف عليه السلام لما سئل: لا نراك تشبع أبدا؟ قال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع (3). والمسرف مغمور بالنعمة من كل جانب، فأنى له أن يفكر أو يهتم بالآخرين
(1) محمد عبد القادر الفقي (الإسراف وتأثيره على البيئة)، ص 51.
(2)
سورة الإسراء الآية 26
(3)
أورد هذا الأثر: محمد قره علي (سنابل الزمن) مؤسسة نوفل، بيروت، 1986 م، ص 264.
الإسراف والتبذير في واقع الناس:
إن موضوع الطعام والشراب في تاريخ الأمة المسلمة قديم
وعريق، فأصوله تستمد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما أن كتب الفقه والرقائق والمواعظ والزهديات والأخلاق تفرد أبوابا للطعام والشراب، تنهى عن المحرمات، وتأمر باتباع الآداب الشرعية.
أما اليوم، فقد أصبح الطعام والشراب في حياة أغلب الناس نهما وشرها، وإسرافا وتبذيرا ولذة وغاية. تهدر في صناعة الأطعمة والأشربة الأموال، وتنصب الموائد المفتوحة، في البيوت والمطاعم ويجري السباق في إقامة الحفلات والمناسبات الباذخة.
وانزلق عامة الناس إلى مساوئ التقليد الأعمى للأمم المادية المترفة، واتسمت حياة الكثيرين بالتكلف والإسراف في ولائمهم وأعيادهم وحياتهم. حتى أصبحت أعيادنا مظاهر باهظة الثمن ورمضاننا في كل عام موسما للسرف والترف، بدلا من أن يكون عبادة وتهجدا.
فتحول الغذاء إلى خطر رهيب، وارتفعت صيحات التحذير من مستقبل ينذر بالأخطار وباتت الحاجة ماسة للأمن الاجتماعي والاقتصادي والغذائي وترشيد الإنفاق والاستهلاك.
إن الإنسان كائن حي، يقوم بوظائف مهمة: عبادة الله ثم إعمار الأرض وإقامة مبادئ العدل والخير. وهذا يجعله بحاجة إلى الطعام، كي ينمو ويعيش ويتحرك ويعمل ويحتاج إلى الماء، إذ لا يستطيع الإنسان البقاء حيا لمدة طويلة بلا ماء.
فاستجابة الكائن البشري لغريزة الطعام والشراب أمر فطري. كما أن المحافظة على القوام الغذائي المتنوع والمتوازن مع التوسط والاعتدال يمنح الإنسان في مراحل عمره جسما قويا وصحة دائمة
وعمرا مباركا ومديدا.
إذ لا يكفي الإنسان في طعامه وشرابه أن يتناول نوعا واحدا، فلا بد من توافر الاحتياجات الأساسية من مثل: الماء، والسكريات، والبروتينات والشحوم والدهون، والفيتامينات، وبعض العناصر المعدنية.
إن الإنسان إذا أكل ما يسد به جوعه، وشرب ما يسكن به ظمأه، فإن هذا مطلوب عقلا، ومندوب إليه شرعا، لما فيه من حفظ النفس وصيانة الحواس.
يقول محيي الدين مستو في كتابه (الطعام والشراب بين الاعتدال والإسراف)(1). إذا كانت التخمة تمرض وتميت، فإن الحرمان يمرض النفس ويفتر عن العبادة أما الوسطية فإنها تنشط النفس وتظهر روحانيتها. فالاعتدال توسط بين التقتير والإسراف، وبين البخل والإنفاق الزائد عن الحلال في المأكل والمشرب.
وقد حث رسول الله عليه السلام على الاعتدال وحض على التقلل من الطعام والشراب، فقال عليه الصلاة والسلام:«الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد (2)» رواه مسلم.
قال حاتم الطائي ذاما كثرة الأكل:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله
…
وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
إن الاعتدال، إذن، هو التوسط بين الجوع والتخمة، بالتقليل من كمية الطعام والشراب، دون أن ينقص عن حاجة البدن والعمل،
(1) محيي الدين مستو (الطعام والشراب) ص 27.
(2)
صحيح البخاري الأطعمة (5393)، صحيح مسلم الأشربة (2060)، سنن الترمذي الأطعمة (1818)، سنن ابن ماجه الأطعمة (3257)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 357)، سنن الدارمي الأطعمة (2040).
وفي ذلك فوائد جمة منها: صحة الجسم، وجودة الفهم، وقوة الحفظ، وقلة النوم، وخفة النفس، قال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء.
وفي المقابل، فإن الإقبال على الطعام بشره زائد يجعل الأغذية عند النهمين المسرفين هدفا وغاية، يبذلون من أجلها الأموال الباهظة، ويمضون أوقاتا طويلة في الأسواق، يشترون ألوان الأطعمة. وهؤلاء الذين جعلوا همهم بطونهم وأهدافهم ملذاتهم وشهواتهم، يضنون بأموالهم عن مساعدة بائس أو إعانة فقير، فنتج عن ذلك بطون جائعة وأموال ضائعة.
إن الإسراف والتبذير والترف والمباهاة سلوكيات استهلاكية خطيرة دخلت مع الأسف حياة الناس وشملت معظم جوانب الحياة المختلفة، فهناك التنويع في الأطعمة والأشربة في الدعوات العامة والمناسبات وولائم الأعراس التي تكلف أموالا طائلة، وهناك الموائد المفتوحة المشتملة على أصناف عديدة، لقاء مبالغ محددة عن كل شخص وهناك الولائم المخصصة في حالات الوفاة والمآتم.
فيا عجبا من مجتمع يقيم الأفراح والولائم والمجتمعات المسلمة تعاني من الأحزان والمآتم، وقديما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلمته المشهورة:" ما جاع فقير إلا بما تمتع غني ".
ورد عن القاضي عياض رحمه الله قوله: إن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، وهي مسبب لمضار الدنيا والآخرة وجالب لأدواء الجسد وخثار النفس أي فتورها.
إن الإسراف في تناول الطعام والشراب يؤدي إلى اختزانها في الجسم، وتحولها إلى لحم وشحم وبدانة وبطنة، تقعد بالإنسان عن كثير من أعماله ونشاطاته. وقديما قيل: البطنة تذهب الفطنة.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولته المشهورة وحكمته المأثورة: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد عن الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
ومن طريف القول ما أجاب به مسلمة بن عبد الملك ملك الروم، حين سئل: ما تعدون الأحمق فيكم؟ قال مسلمة: الذي يملأ بطنه من كل ما وجد.
وكان فرقد رحمه الله يقول لأصحابه ناصحا: إذا أكلتم فشدوا الأزر على أوساطكم، وصغروا اللقم، وشددوا المضغ، ومصوا الماء مصا، ولا يحل أحدكم إزاره فيتسع معاه، وليأكل كل واحد من بين يديه.
وقد أجمعت الأطباء على أن رأس الداء إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: أكثر العلل إنما يتولد من فضول وزوائد الطعام.
إن مراتب الطعام والشراب (الغذاء) كما قسم ذلك ابن القيم الجوزية رحمه الله في كتابه " الطب النبوي "(1)، مراتب ثلاثة: مرتبة الحاجة، ثم مرتبة الكفاية، وأخيرا مرتبة الفضلة.
(1) ابن قيم الجوزية (الطب النبوي) ص 56.
وللأسف، حتى في رمضان تزداد مصروفات الأسر لمجابهة الشراهة الاستهلاكية ونهم التسوق والإنفاق المرتفع، حتى أصبح مألوفا في أمسيات شهر رمضان كثرة حالات الإسعاف بسبب الإسراف والتخمة.
ذات يوم أوقف الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبد الله (وقيل جابر بن عبد الله) رضي الله عنهم وسأله: إلى أين أنت ذاهب. فقال عبد الله: للسوق. فقال الفاروق له: لماذا؟! فأجاب: لأشتري لحما وبرر ذلك الشراء، بأنه اشتهى لحما فخرج للسوق ليشتري بعضا منه، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيت شيئا اشتريته.
إنها حكمة اقتصادية خالدة، وقاعدة استهلاكية رشيدة. خاصة ونحن نشهد في أيامنا هذه سباقا محموما يترافق معه أساليب تسويقية جديدة، وأساليب إعلانية مثيرة، ووسائل إعلامية جذابة، ودعايات كثيفة من أجل الشراء والمزيد منه.
وقد تبين من خلال تحقيقات، عديدة أن شريحة واسعة من الناس تشتري ما لا تحتاج، وتستهلك من المنتجات والسلع أكثر من اللازم.
يقول وليام بن: إن ما ننفقه على أغراض الزينة الزائفة يكفي لكساء جميع العراة في العالم، وهكذا أصبحت حياتنا المترفة تملأ البطون بما لذ وطاب وتغذي الأرواح بأشياء فارغة وفاسدة. فكم هو سخف الإنسان الذي يتظاهر دوما بالذكاء والمعرفة.
يقول سمايل: إن الحياة السهلة المترفة لا تدرب الرجال على
بذل الجهد أو مواجهة الصعاب ولا توقظ فيهم تلك المقدرة اللازمة للجهد الفعال في الحياة.
بعض الرجال يعتبر اهتمام النساء الزائد بالموضات وبضرورة التجاوب معها بأنه انعكاس لعدم تحليهن بقدر كاف من المعقولية في التفكير.
يقول علي غلوم: الشائع بيننا أن المرأة أكثر إسرافا من الرجل، سواء في ملبسها أو إنفاقها، ولكن هناك من الرجال من هم أكثر إسرافا في أموالهم وسلوكهم ومقتنياتهم، فالأمر نسبي ويرتبط بحجم ما يتوفر لدى الفرد من مغريات نحو الإسراف.
وتقول صباح المالكي في معرض حديثها عن الإسراف: من أسباب الإسراف حاجة المرأة لتملك بعض الأشياء التي ترى أنها في حاجة إليها لتجميل منزلها، أو لإضفاء البهجة على الأسرة والأبناء بوجه خاص من ألعاب وملابس واحتياجات.
وتؤدي الأنانية والنفعية الشخصية في كثير من الأسر والمجتمعات إلى الإسراف في استغلال مصادر الدخل.
ومن ثم، ظهر على الساحة هوس تسوقي غريب وإدمان شرائي كبير، وحمى استهلاكية عجيبة، تؤجج ذلك كله إعلانات مثيرة ودعايات جذابة ومسابقات مغرية وحوافز مشجعة.
وأكثر الإعلانات أثرا هي تلك التي يمكن إعادتها بصيغ متعددة، وفي أماكن يمكن رؤيتها من قبل أعداد كبيرة من الناس كبرامج التلفزيون المحببة للمشاهدين والصحف والأسواق المركزية.
تقول فوزية خليل في معرض مشاركتها في تحقيق حول
(هوس التسوق عند المرأة): إن هوس التسوق عادة ما يكون انفعاليا، ويمثل عند المرأة طريقة تعويض عن معاناة عاطفية، أو نتيجة حرمان أو قلق أو تعاسة زوجية أو قلة حنان، وقد يكون هذا الهوس التسوقي عند النساء أكثر شيوعا.
وفي التحقيق نفسه تقول بدرية المطيري: هناك من النساء من يشترين أغراضا ليست ضرورية ولا في حدود إمكانياتهن، ويدفعن بالرجال إلى دفع الكثير من أجل إرضاء رغباتهن الجنونية.
ومن أهم نتائج تحقيق أجري حول (الإعلانات التجارية والإسراف): الإعلانات تدفع المرأة للشراء والمزيد منه، كما أن المرأة تشتري السلعة عادة على سبيل التجريب نتيجة الإعلان عنها، والمسابقات العديدة تغري الأطفال بالشراء بكثافة. ووصل التحقيق إلى نتيجة مهمة: الإعلانات التجارية مسؤولة إلى حد كبير في دفع الناس إلى الإسراف وخاصة المرأة، جريا وراء التفاخر والمباهاة أو حبا للاستطلاع أو رغبة في التقليد.
إن عادة التقليد بين الناس لا تقتصر على قطر من الأقطار أو جنس من الأجناس، بل إنها عادة عالمية يصعب تغييرها.
إن النفس البشرية نفس لا تشبع، وفي الوقت نفسه لا تقنع، فهي طلعة لكل نوع، متشوفة لكل شكل، فضولية لكل لون.
نعوذ بالله من عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا يشبع، ومن دعاء لا يستجاب له.
والتخمة، السمنة، السرف، التبذير، الترف، التبديد، الاستنزاف، تلال النفايات والقمامة، الثنائيات الاجتماعية، الترهل،