الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني أن
من أمثلة الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بواحد من أربعة أمور:
الأول: الوصف في اصطلاح أهل الأصول، وهو لفظ مُقَيِّد لآخر ليس بشرط ولا غاية ولا استثناء ولا استدراك، وسواء ذكر الوصف المفرق به مع كلا الحكمين أو أحدهما.
مثال الأول: أنه صلى الله عليه وسلم جَعَل للرَّجُل سَهمًا وللفرس سهمين
(1)
. فتفريقه بين هذين الحكمين بهذين الوصفين لو لم يكن لعلية كلٍّ منهما لكان بعيدا، والمراد بالوصفين في هذا المثال مفهوم الفرس والرجل لا اسماهما، إذ لا مدخل للتسمية بمجرَّدها في التعليل كما تقدم.
ومثال الثاني: حديث: "القاتل لا يرث"
(2)
. أي بخلاف غيره المعلوم إرثه، فالتفريق بين عدم الإرث المذكور وبين الإرث المعلوم بصفة القتل لو لم يكن لِعِلّيته لعدم الإرث لكان بعيدًا.
(1)
أخرجه البخاري رقم (2863)، ومسلم رقم (1762) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه الترمذي رقم (2109)، وابن ماجه رقم (2645)، والدارقطني:(4/ 96)، والبيهقي:(6/ 220) وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الترمذي: "هذا حديث لا يصح. لا يعرف إلا من هذا الوجه وإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل. . . " اهـ.
وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الدارقطني: (4/ 96)، والبيهقي:(6/ 220). لكن فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وأبو رحمة لا يعرف. انظر:"البدر المنير": (7/ 227 - 229).
الثاني: الغاية، وقد تقدم تعريفها في قوله:"ومنه غاية عموم" إلخ أي فمن الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بغايةٍ كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة/ 222] فتفريقه بين المنع من قُرْبانهن في الحيض وبين جوازه في الطهر لو لم يكن لأنَّ الطُّهر علة الجواز والحيض علة المنع لكان بعيدًا.
الثالث: الشرط، وقد تقدم الكلام عليه في قول المؤلف:"ولازم من انعدام الشرط" إلخ، وقوله:"ومنه ما كان من الشرط" إلخ أي ومن الإيماء تفريق الشارع بين حُكمين بالشرط.
ومثاله حديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثْلًا بمثْلٍ، سواء بسواء، يدًا بيدًا، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"
(1)
فتفريقه بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلًا، وبين جوازه بشرط اختلاف الجنس لو لم يكن لعلية الاختلاف لجواز البيع لكان بعيدًا.
الرابع: الاستثناء، وقد تقدم الكلام عليه في قوله:"حروف الاستثناء"
(2)
إلخ أي: ومن الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بالاستثناء. ومثاله قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة/ 237] أي الزوجات عن ذلك النصف فلا شيء لهن، فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه إذا عفون عنه لو لم يكن لأن العفو علة الانتفاء لكان بعيدًا.
(1)
تقدم.
(2)
البيت رقم (394).
ولم يذكر المؤلف في البيت الاستدارك، وهو كالمذكورات. ومثاله: قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة/ 89]. فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالأيمان وبين المؤاخذة بها حالةَ تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيدًا، ومعنى التعقيد عقد نيتها بالقلب.
واعلم أن صُوَر الإيماء لا تنحصر في هذه الأمثلة فقِسْ عليها ما شابهها من كل ما يشمله حد الإيماء المتقدم.
. . . . . . . . . . . .
…
تناسُبُ الوصفِ على البِنَاءِ
يعني أن اشتراط المناسبة في الوصف المُوْمَى إليه مبنية على الخلاف المتقدم في العلة هل هي الباعث أو المعرِّف؟ فمق قال: هي الباعثة على تشريع الحكم اشترط المناسبة، ومن قال: هي المعرِّف للحكم لم يشترطها، هذا مراد المؤلف.
وحجة عدم اشتراط المناسبة: أن المناسبة طريق مستقل، وهي المسلك الخامس الآتي، والإيماء مَسْلك مستقل فلا يتوقف أحدهما على الآخر.
وحجة القول باشتراط المناسبة: أن الغالب من تصرفات الشرع أن يكون على وَفْق الحكمة فما لا مناسبة له لا يُعَلَّل به، واعترض عدم اشتراط المناسبة بما سبق من أن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمةٍ تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهد الإناطة الحكم بها، وبما
(1)
سبق أيضًا من أن الوصف يستلزم الحكم.
(1)
الأصل: ولما.