الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومَثَّل له المؤلف في "الشرح"
(1)
بإلحاق الأقوات بالبر والشعير في الربا.
744 -
وابنُ عُلَية يرى للصُّوري
…
كالقَيْس للخَيْلِ على الحَمير
يعني أن
إسماعيل بن عُلَية يرى جواز العمل بقياس الشبه الصوري
لأجل الشبه في الصورة التي يُظن كونها علة الحكم، وضابط الصُّوري: ما كن الشبه فيه بأصل الخِلْقةِ -بالكسر- كقياس الخيل على الحمير في عدم الزكاة؛ وحرمة الأكل للمشابهة في الصورة، وكقياس المنيِّ على البيض لمشابهتهما في أن كلًّا منهما يستحيل إلى حيوان طاهر، وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم على الأصح كما قاله بعض الشافعية
(2)
.
والأصلُ في قياس الشبه عند القائل به قوله تعالى في جزاء الصيد: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة/ 95]، وما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اسْتَسْلف بَكْرًا ورد رباعيًا
(3)
.
واعلم أن العلماء اختلفوا في قياس الشبه: فمنهم من اعتبره مطلقًا، ومنهم من اشترط في اعتباره الضرورة إلى الحكم في واقعةٍ لا يوجد فيها إلا الوصف الشبهيُّ، ومنهم من أجاز غلبة الأشباه فقط، وفيه أقوال غير هذا
(4)
.
* * *
(1)
(2/ 192).
(2)
انظر "البحر": (5/ 237).
(3)
أخرجه مسلم رقم (1600) من حديث أبي رافع رضي الله عنه.
(4)
انظر "البحر": (5/ 234 - 241).
السّابع الدورَان الوجوديُّ والعَدميُّ ويسمّى بالدوران فقط، وبالطرد والعكس
وهو المسلك السابع من مسالك العلّة، وسيأتي الكلام على الدوران الوجودي بعد هذا، وعرَّفَ المؤلف هذا المسلك السابع الذي هو الدوران بقوله:
745 -
أن يوجدَ الحكمُ لدى وجودِ
…
وصفٍ وِينتفي لدى الفُقُودِ
746 -
والوصفُ ذو تناسبٍ أو احتملْ
…
له وإلَّا فعَنِ القصدِ اعتزلْ
يعني أن الدوران الوجودي والعدمي هو أن يكون الحكم يوجد عند وجود الوصف وينتفي عند انتفائه، والحال أن الوصف الدائر معه الحكم ظاهر التناسب أو محتمل له، فإن لم يكن ظاهر التَّناسب ولا محتملًا له فلا عبرة به، لأنه بمعزل عن القصد في هذا المسلك، وهو مراد المؤلف بقوله:"وإلا فعن القصد اعتزل" أي وإلا يكن مناسبًا أو محتملًا للمناسبة فهو بمعزل عن القصد.
ومثال المستوفي للشروط في هذا المسلك: دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، فإنَّ عصيرَ العنب تعدم فيه الحرمة لعدم الإسكار، فإن تَخمَّرَ وُجِدَت الحرمة لوجود الإسكار، فإن تخلَّلَ عُدِمت الحرمة لعدم الإسكار.
فإن قيل: المناسبة المذكورة في هذا المسلك تكفي وحدها دون
الدوران كما تقدم في مسلك المناسبة.
فالجواب: ما ذكره صاحب "الآيات البينات"
(1)
من أن غاية ما في الباب اجتماع جهتين كل منهما تفيد العلية ولا محذور في ذلك، فكون الإسكار علة التحريم يستدل عليه بثلاثة من مسالك العِلّة:
الأول: مسلك الإيماء من جهة ترتُّب الحكم الذي هو المنع على الوصف الذي هو الإسكار في حديث: "كل مسكر حرام"
(2)
.
الثاني: مسلك المناسبة لمناسبة الإسكار للتحريم واقترانه معه في دليل الحكم مع السلامة من القوادح كما تقدم في المناسبة
(3)
.
الثالث: الدوران الوجوديُّ والعدمُّي كما مثَّلْنا به هنا.
و"الفُقُود" مصدر فقد.
747 -
وهو عند الأكثرينَ سَنَدُ
…
في صورةٍ أو صورتين يوجَدُ
يعني أن الدوران المعرَّف في هذا المسلك "سَنَد" أي حجة عند الأكثرين من المالكية وغيرهم وهو دليل ظنيٌّ على التحقيق وهو مذهب الأكثر. ووجه دلالة هذا المسلك على العلية: أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم مع ظهور المناسبة أو احتمالها يُفيدُ غلبة ظن العلية، وزعم بعضهم أنه قطعي، ومفهوم قول المؤلف:"عند الأكثرين" أن الأقل يقولون: إن الدوران لا يفيد العلية لا قطعًا ولا ظنًّا، وهو اختيار ابن
(1)
(4/ 114).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
(ص/ 469 وما بعدها).
الحاجب
(1)
تبعًا للرازي
(2)
والغزالي
(3)
وغيرهما، محتجين بجواز ملازمة الوصف للعلة من غير أن يكون هو العلة نفسها كملازمة رائحة الخمر المخصوصة للإسكار وجودًا وعدمًا، فهي دائرة مع التحريم وجودًا وعدمًا وليست علته لكنها ملازمة لعلته التي هي الإسكار.
وقوله: "في صورة أو صورتين" يعني أن الدوران يوجد في صورة واحدة ويوجد أيضًا في صورتين، فمثال وجوده في صورة واحدة: هو ما قدمنا من دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، والدوران في صورة واحدة أقوى من الدوران في صورتين. ومثاله في صورتين: الحلي المباح عند من يقول بوجوب الزكاة فيه، لأن الحكم الذي هو وجوب الزكاة يدور مع الوصف الذي هو النقدية في صورتينِ، فوجود النقدية في النقدين -أعني الذهب والفضة- في غير صورة النزاع التي هي الحليُّ المباح يوجد معه وجوب الزكاة، وعدم النقدية في الثياب وغيرها من العروض مثلًا يعدم معه الحكم الذي هو وجوب الزكاة، فصار الدوران في صورتين لأنه في الوجود في النقد وفي العدم في غير النقد.
748 -
أصلٌ كبيرٌ في أمور الآخره
…
والنَّافِعات عاجِلًا والضائِرَه
قوله: "أصل" خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، أي الدوران أصل كبير في أمور الآخرة وفي الأمور النافعة والضارة في الدنيا. مثاله في أمور
(1)
"المختصر - مع الشرح": (3/ 134).
(2)
"المحصول": (2/ 347 - 352).
(3)
"المستصفى": (2/ 307 - 308).
الآخرة: الأمر الفلاني يوجد عند وجوده الثواب ويعدم عند عدمه. وفي أمور الدنيا: كالمنافع والمضار في الأغذية والأدوية ونحو ذلك، فيوجد الأثر مثلًا عند استعمال بعض العقاقير ويعدم عند عدمه وهكذا. و"الضائرة" اسم فاعل ضاره يضيره بمعنى ضرَّه، وأفردَها والمقصود الجمع لأن الجمع المؤنث مطلقًا والمكسَّر المذكّر يجوز إجراؤهما مُجرى المؤنثة
(1)
المجازية التأنيث.
* * *
(1)
ط: المؤنثة الواحدة.
الدورَان الوجوديُّ وهو الطَّرْد
المراد بالطَّرْد في هذا المسلك والذي قبله: الاطراد وهو الملازمة في الثبوت، كما أن العكس في المسلك قبل هذا هو الملازمة في الانتفاء كما يأتي تحقيقه في القوادح.
749 -
وجودُ حكمٍ حيثما الوصفُ حصلْ
…
والاقترانُ في انتفا الوصفِ انحظَلْ
750 -
ولم يكن تَناسُبٌ بالذاتِ
…
أو تبعٍ فيه لدى الثّقاتِ
يعني أن المسلك الثامن المسمَّى بالطرد وبالدوران الوجودي هو: مقارنة الحكم للوصف في الوجود فقط دون النفي بأن يكونَ الحُكْم يوجد عند وجود الوصف ولا ينعدم بانعدامه، وكونه يوجد بوجوده هو مراده بقوله:"وجود حكم حيثما الوصف حصل"، وكونه لا ينتفي بانتفائه هو مراده بقوله:"والاقتران في انتفا الوصف انحظل" أي الاقتران بين الحكم والوصف في حالة انتفاء الوصف مُنْحَظِلٌ أي ممتنع.
ويشترط في الدوران الوجوديّ ألّا يكون الوصف مناسبًا بالذات ولا بالتبع، إذ لو كان مناسبًا بالذات لكان قياس علة، ولو كان مناسبًا بالتبع لكان قياس شبه، هذا مراد المؤلف بقوله:"ولم يكن تناسب. . . " البيت.
ومَثَّل له المؤلف
(1)
بتعليل ربا الفضل بمجموع الاقتيات والادِّخار، ومَثَّل له المحلِّي
(2)
بعدم بناء القنطرة على المائع.
(1)
"النشر": (2/ 197).
(2)
"شرح جمع الجوامع": (2/ 291 - 292).
ومثالُه به مُعْتَرض من جهتين؛ الأولى: ما قدمنا في مسلك الشبه من استلزامه المناسب بالذات فهو مناسب بالتبع. الثاني: أن الحكم ينتفي بانتفائه، وذلك يُخْرجه عن الطرد لأن الحكم فيه لا ينتفي بانتفاء الوصف، ونفي المناسبة في الطرد يخرج بقية المسالك حتى الدوران الوجودي والعدمي. إذا عرفتَ حدَّ المسلك التامن الذي هو الطرد فاعلم أن المؤلف ذكر حكمَه بقوله:
751 -
وردَّه النقلُ عن الصحابَه
…
ومن رأى بالأصلِ قد أجابَه
يعني أن النقل عن الصحابة رضي الله عنهم ردَّ التعليل بالوصف المستدلّ على عليته بالطرد، لأن المنقولَ عنهم هو العمل بالمناسب فقط دون غيره، كما تقدمت أمثلته في الكلام على المصالح المرسلة
(1)
. ورُدَّ أيضًا بأن ما لا يشتمل على مصلحة ولا درء مفسدة يجب ألَّا يُعتبر، وعدم الاحتجاج بالطَّرْد هو مذهب أكثر الأصوليين، واحتجَّ به بعضُهم، وأشار لذلك المؤَلف بقوله:"ومن رأى. . " إلخ، ومفعول "رأى" محذوف، أي ومن رأى جواز الاحتجاج على العلية بمسلك الطرد قد أجاب المانع لذلك بالأصل أي بأن الأصل في هذه المقارنة كون الوصف المقارن علة نفيًا للتعبد.
والحاصل: أن من قال من العلماء بعدم حجية الدوران قال بعدم حجية الطرد من باب أولى، والقائلون بحجية الدوران اختلفوا في حجية
(1)
(ص/ 489 وما بعدها).
الطرد، والأقل القائلون بحجية الطرد اختلفوا أيضًا فقال بعضُهم: لابد من المقارنة في جميع الصور غير صورة النزاع، وقال بعضُهم: تكفي المقارنة في صورة واحدة.
752 -
والعكسُ وهو الدوراق العَدَمي
…
ليسَ بمسلكٍ لِتِلكَ فاعلمِ
753 -
أن ينتفي الحُكم متى الوصفُ انتفى
…
وما لدى الوجود إثره اقتفا
يعني أن عكس الطرد هو الدوران العدمي، وهو ليس من مسالك العلة، وعرَّفه المؤلف بأنه هو انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف مع أنه لا يلزم من وجوده وجوده. ومَثَّل له المؤلف في "الشرح"
(1)
بما لو علَّل المالكيُّ ربا الفضل في الطعام بالطَّعم فإن الحكم الذي هو الربا منتفٍ عند المالكية في التفاح مثلًا مع وجود ذلك الوصف الذي هو الطَّعم.
واعلم أن النسبة بين أنواع الدوران الثلاثة -أعني: الدوران، والطرد، والعكس- التباينُ على التحقيق. وقوله:"لتلك" إشارة إلى العلة.
* * *
(1)
(2/ 198).