الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السّادس الشبه
المراد بالشبه هنا هو الوصف المشتمل عليه المسلك لا نفس المسلك، فبذلك تعرف تعريف الشبه بأنه المسلك المشتمل على الوصف المعرَّف هنا المشار إليه بقوله:
738 -
والشبَهُ المستلزَم المُناسِبا
…
مِثْلُ الوضو يستلزمُ التقَرُّبا
اعلم أولًا أن عبارات الأصوليين اختلفت في تعريف الشَّبَه، فعرَّفه البعضُ بأنه منزلة بين المناسب والطَّرْد، وبه صدَّر صاحب "جمع الجوامع"
(1)
. وعرَّفه الباقلانيُّ بأنه هو المناسب بالتبع، وإياه تَبِعَ المؤلفُ.
ومعنى البيت: أن الشبه المرادَ به الوصف: هو الوصف المستلزم للوصف المناسب للحكم بالذات لأنه إن لم يناسب بذاته ولم يستلزم المناسب فهو المسمَّى بالطرد المُلْغى إجماعًا، وإن كان مناسبًا بالذات فهو المناسب المتقدم، فظهر أن
الشبه فوق الطَّرْد ودون المناسب
، فهو يُشْبه الطردَ من جهة عدم المناسبة بالذات، ويُشبه المناسب من جهة استلزامه للمناسب بالذات.
ومَثَّل له المؤلف بقوله: "مثل الوضو يستلزم التقربا"، ووجه المثال للمناسب
(2)
بالتبع بهذا: أنك لو قست الوضوء مثلًا على التيمُّمِ في
(1)
(2/ 286).
(2)
ط: المناسب.
وجوب النية بجامع كونه طهارة، فإن الطهارة من حيث هي ليست مناسبة لاشتراط النية لعدم اشتراطها في طهارة الخبث، لكن الطهارة تستلزم وصفًا مناسبًا لاشتراط النية وهو كونها عبادة وقربة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية بدليل قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة/ 5].
فإن قيل: إذا كان المناسب لاشتراط النية جهة العبادة فلِمَ لا تُشترط في طهارة الخبث لتحقق كونها عبادة أيضًا، إذ لا تكون إلا واجبة أو مندوبة، وكلا الواجب والمندوب عبادة؟
فالجواب: أن طهارة الخَبَث من حيث هي لا تتمحَّض للتَّعبد فقد تكون غير واجبة ولا مندوبة كإزالتك النجس عن أرضك دفعًا للاستقذار، بخلاف الوضوء مثلًا فإنه لا يكون إلا عبادة، ولا ينافي ذلك أن الإنسان قد يغسل أعضاءه لمجرد التنظيف، لأن غَسْلَها على الوجه الخاصِّ والترتيب الخاصِّ لا يكون إلا للتعبد.
وقول المؤلف: "مثل الوضو" الظاهر أنه سهو منه رحمه الله وأن الذي ينبغي أن يقال: "مثل التيمُّمِ" لأن الوضوء في مثاله هو الفرع المقيس.
فإن قلت: قياس الوضوء على التيمم ممنوع لظهور حكم الوضوء قبل التيمّمِ كما تقدم في قوله
(1)
:
. . . . . . . وحكم الفرع
…
ظهوره قبلُ يُرى ذا منع
فالجواب: أن المؤلف ذكر هنا في المتن و"الشرح" نقيض ما ذكر
(1)
البيت رقم (660).
هناك في المتن و"الشرح"
(1)
، والذي يظهر لي أن المثالَ المذكور هنا أولى من المثال المذكور هناك؛ لأن الحكم في هذا المثال هو اشتراط النية، ولم يكن معروفًا في الوضوء إذ لم يرد فيه نصٌّ، والنصُّ الوارد في الوضوء لا يتعرض لوجوب النية ولا لعدمه، فظهر أن حكمَ الفرع هنا لم يكن معروفًا قبل حكم الأصل؛ لأن المعروف قَبْلُ حكم الوضوء لا حكم اشتراط النية فيه. وقوله:"والشبه" مبتدأ و"المستلزم" خبره و"المناسب" -بالكسر- مفعول المستلزم.
739 -
مع اعتبارِ جنسِه القريبِ
…
في مثله للحكمِ لا الغريبِ
يعني أن الشبه الذي عرَّفناه بأنه لا يناسب لذاته ولكن يستلزم المناسب لذاته يُزَادُ في تعريفه أنه لابد أن يشهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب. ولا يُكتفى بالجنس البعيد في ذلك. ومثال التأثير المذكور: ما تقدم، فإن جنس العبادة القريب مؤثِّر في جنس اشتراط النية القريب في المثال المتقدم. ومن أمثلته أيضًا قولنا: الخل مائع لا تنبني القنطرة على جِنْسه فلا تُزال به النجاسة قياسًا على الدهن. فإن قولنا: لا تنبني القنطرة عليه يؤذن بأنه قليل، والقلة وصف مناسب لعدم مشروعية التطهير به، لأن الشرع العامّ يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، أما التكليف للكل بما لا يجده إلا البعض فبعيد عن القواعد، فظهر أن قولنا: لا تنبني القنطرة على جنسه، ليس بمناسب وهو مستلزم للمناسب، وقد
(1)
(2/ 123).
شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، لأن الماء إذا قل أو اشتدت إليه الحاجة فإن الأمر به يسقط ويكون الحكم التيمّم.
740 -
صلاحُهُ لم يُدْرَ دون الشرْعِ
…
ولم يُنَط مناسِبٌ بالسَّمْعِ
تعرض المؤلف في هذا البيت للفرق بين المناسب والشبه تبعًا للفِهْري، ومعنى الفرق الذي تضمنه البيت أن صلاحية الشبه لما يترتب عليه من الأحكام لا يدركها العقل لو قُدِّر عدم ورود الشرع، فاشتراط النية في الطهارة مثلًا لو لم يَرِد الشرعُ باشتراطها في التيمم ما أدرك العقل اشتراطها فيها، وهذا مراده بقوله:"صلاحه لم يدر دون الشرع" بخلاف الوصف المناسب فإن صلاحيته لما يترتَّب عليه من الأحكام يدركها العقل لو لم يرد الشرع باعتبارها، فالعقل قَبْل تحريم الخمر مثلًا يدرك أن تحريمَها مناسبٌ لصيانة العقول، وقد قال قيس بن عاصم التميميُّ في جاهليته
(1)
:
فلا واللَّه أشربُها صحيحا
…
ولا أُشفي بها أبدًا سقيما
ولا أعْطي بها ثمنًا حياتي
…
ولا أدعو لها أبدًا نديما
لأن الخمرَ تفضحُ شاربيها
…
وتجنيهم بها الأمرَ العظيما
(1)
الأبيات في "الأغاني": (14/ 79). ورواية الأبيات فيه:
وجدت الخمر جامحةً وفيها
…
خصالٌ تفضح الرجل الكريما
فلا واللَّه أشربها حياتي
…
ولا أدعو لها أبدًا نديما
ولا أعطي بها ثمنًا حياتي
…
ولا أشفي بها أبدًا سقيما
فإن الخمر تفضح شاربيها
…
وتجشمهم بها أمرًا عظيما
إذا دارت حمياها تعلت
…
طوالع تسفه الرجل الحليما
وقبل الأبيات:
رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها
…
خصال تفسدُ الرجلَ الحليما
وهذا مراده بقوله: "ولم يُنط مناسب بالسمع" وقوله: "يُنط" مبنيٌّ للمفعول من الإناطة "ومناسب" نائبه.
741 -
وحيثما أمكنَ قيْسُ العلَّةِ
…
فتركَه بالاتفاقِ أثبِتِ
مراد المؤلف بـ "قيس العلة" هنا ما قابل الشَّبَه وهو الوصف المناسب بالذات، بخلاف مراده به في آخر القياس فإنه يعني به الجمع بنفس العلة كانت مناسبةً بذاتها أو بالتبع، فلا تلتبس عليك الطرق، كما أنهم يُطلقون قياس الدلالة الآتي في قوله:"جامع ذي الدلالة الذي لزم" إلخ على قياس الشَّبَه هذا أيضًا.
ومعنى البيت: أنه إذا أمكن القياس بالوصف المناسب بالذات وجب ترك القياس بالمناسب بالتبع إذ لا حاجة إلى الشبه مع وجود المناسب. وقوله: "قيس العلة" أي قياسها وتقدم معناه، وقوله:"أثبت" فعل أمر و"تركه" مفعوله قُدِّم عليه.
742 -
إلّا ففي قبوله تردُّدُ
…
. . . . . . . . . . . . . . .
يعني وإلا يمكن قيس العلة فهل يُقبل قياس الشَّبه أو لا يُقبل في ذلك؟ تردَّدَ الباقلانيُّ فمرة قَبِله كالشافعي نظرًا إلى استلزامه للمناسب، ثم استقرَّ على منعه وفاقًا لبعضَ الشافعية نظرًا إلى عدم مناسبة الوصف بالذات
(1)
.
(1)
انظر "البرهان": (2/ 568 - فما بعدها).
والظاهرُ قبوله إن لم يوجد غيره كما قال به الأكثر في غلبة الأشباه، ومراد المؤلف بالتردُّدِ تردُّدُ الباقلانِيّ من المالكية المذكور، وقوله:"إلَّا" فيه إن الشرطية مدغمة في لا النافية وفعل الشرط محذوف على حد قول الشاعر
(1)
:
* وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقك الحسام *
. . . . . . . . . . . . . . .
…
غلبةُ الأشباه هُوَّ الأجْوَدُ
يعني أن قياس غلبة الأشباه هو أجود أي أقوى القياسات المبنية على الشبه بمعنى الوصف، وقياس غلبة الأشباه هو: إلحاق فرعٍ متردِّدٍ بين أصلين بأحدهما الذي هو أكثر به شبهًا في الحكم والصفة ثم الحكم ثم الصفة كما يأتي.
ومثاله: إلحاق العبد بالمال في إيجاب قيمته إذا قُتِل ولو زادت على الدية، لأن شَبَهَه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحُرِّ فيهما، لكونه يُبَاعُ ويورث ويُعَارُ، هذا من جهة الحكم. وأما في الوصف فتتفاوت
(2)
قيمته بتفاوت أوصافه جودةً ورداءةً مع أنه يشبه الحرَّ في كونه آدميًّا يُثاب ويُعاقب. ومن أوجب في قتله الدية زعم أن شَبَهَه بالحُرِّ أكثر لمشابهته له في الأوصاف البدنية والأوصاف النفسية والتكاليف.
فإن قيل: كيف يدخل قياس غلبة الأشباه في قياس الشبه المعرَّف بأنه المستلزم المناسب لما درج عليه المؤلف؟
(1)
هو الأحوص الأنصاري، انظر "شعر الأحوص":(ص/ 238): وصدره:
* فطلقها فلست لها بأهل *
(2)
ط: فلتفاوت.
والجواب: أن قياس غلبة الأشباه لا يتبادر دخوله في الحدّ الذي حدَّ به المؤلفُ والباقلانيُّ الشبَهَ، ولكن يدخل فيه على التعريف الذي صدَّر به صاحب "جمع الجوامع"
(1)
، لأن بالنظر إلى كل من الشبيهين يناسب إلحاقه به، وإلحاقه بهذا يمنع إلحاقه بذلك لتنافي حكمَيْهما، فصار بالنظر إلى كل واحد منهما بانفراده يشبه المناسب من حيث مشابهته له، ويُشبه الطردي بالنسبة إليه من حيث مشابهته للآخر المنافي له، فالعبد المقتول مثلًا من حيث إنه يشبه المال ويلحق به طرديُّ بالنسبة إلى الحر، ومن حيث إنه يشبه الحر يشبه الطردي بالنسبة إلى المال. وقد يدخل قياسُ غلبةِ الأشباه في تعريف المؤلف بتكُّلف كأن تقول: شبه العبد بالمال مثلًا ليس مناسبًا لإلحاقه به في وجوب قيمته بالقتل، لأن هذه المناسبة معارضة بشبهه للحر المقتضي للزوم الدية، إلا أن مشابهته للمال استلزمت المناسب وهو الأغلبية في الشبه في الحكم والوصف.
743 -
في الحُكمِ والصفةِ ثم الحُكْم
…
فصفةٍ فقط لدى ذي العِلْم
يعني أن قياس غلبة الأشباه ثلاثة أنواع: نوع يكون في الصفة والحكم معًا، وقد تقدم مثاله في قياس العبد على المال. ونوع يكون في الحكم فقط، وهو دون ما قبله فيقدَّم عليه عند التعارض، ولم أرَ من مَثَّلَ له ولم يحضرنا له مثال. وقوله:"ثم الحكم فصفة" يعني أن غلبة الأشباه في الصفة والحكم معًا، يليها غلبتها في الحكم، ثم يلي ذلك غلبتها في الوصف فقط،
(1)
(2/ 286).