الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني أن
التتميمىَّ قسمان:
قسم موافق أصول المذهب أي قواعده وقسم مخالف لها. الأول: "كسلب الأعْبُد" أي العبيد، "شريفَ المنصب" أي المناصب الشريفة كأهلية الشهادة والقضاء والإمامة وولاية النكاح لنقصهم بالرق فان ذلك يحصل به المقصود الذي هو الجَرْي على محاسن العادات، والمراد بالمنْصِب الرتبة وهو كمَجْلِس، وأصله حديدٌ ينصب عليه القدر.
722 -
وحُرْمَةِ القذر والإنفاقِ
…
عَلَى الأقاربِ ذوي الإمْلاقِ
"حرمةِ" بالجر عطفًا على قوله: "كسلب"، و"الإنفاق" عطف على "حرمة" يعني أن من التتمِيميِّ الموافق لقواعد المذهب تحريم بيع النجاسات لعدم طهارتها، والمقصودُ الجَرْي على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات لأن بيع ذلك يستلزم ملامسته بالكيل والوزن ونحو ذلك وذلك غيرُ لائق. ومنه أيضًا: وجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء لأجل قرابتهم، فيحصل الجَرْي على ما ذكر من مكارم الأخلاق. ومن التحسينيّ: العتق بغير عِوَض. وقوله: "ذوي" بمعنى أصحاب، و"الإملاق" الفقر.
723 -
وما يُعارضُ كتابةٌ سَلَمْ
…
ونَحْوُهُ وأكْلُ ما صيدَ يُؤمْ
قوله: "وما يعارض" عَطْف على قوله: "منه موافق" يعني أن التتميميَّ منه موافق أصول المذهب -كما تقدم- ومنه ما يعارض أصولَ المذهب أيْ لا يوافقها، ومَثَّل له المؤلف بالكتابة والسَّلَم ونحوه وأكل الصيد.
أمَّا وجه مخالفة الكتابة للأصول فهو امتناع بيع الشخص بعضَ ماله ببعضٍ؛ لأن العبد ومالَه كليهما للسيد بناءً على أن العبد لا يملك، مع أن
الصحيحَ في مذهب مالك أن ما يؤديه المكاتب من جنس الغَلَّة لا البيع.
وأما وجه مخالفة السَّلَم للقواعد فلأنه بيع ما ليس عند الإنسان. وقول المؤلف: "نحوه" يشير إلى أن ما فيه غَرَر من العقود المباحة شرعًا كالمساقاة والقِراض والمغارسة والجَعالة وبيع الغائب من التتميميات المخالفة للقواعد.
ووجه مخالفة أكل الصيد هو: عدم تسهيل الموت على الحيوانات وبقاء الفضلات فيه إذا قتله الجارح ككلب أو باز.
ووجه كون هذه الأمور من التتميميات: أن الكتابة فيها الجَرْي على مكارم الأخلاق من تكريم بني آدم برفع
(1)
الرقِّ. وفي السَّلَم وأكل الصيد: أن بعض الناس ربما احتاج إلى ذلك في معاشه فجُعِل ذلك شرعًا عامًّا لعدم الانضباط في مقادير الحاجات، قاله القرافي في "شرح التنقيح"
(2)
.
قلت: هكذا قالوا، والظاهر أنه لا ينبغي أن يُقال في شيء نزل به القرآن وجاءت به السنة الصحيحة أنه مخالف للأصول إذ لا أصل أكبر من الكتاب والسنة
(3)
.
724 -
من المُناسِبِ مؤثِّرٌ ذُكِرْ
…
بالنَّصِّ والإجماعِ نوعُه اعتبِرْ
725 -
في النوعِ للحُكْم. . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . .
(1)
ط: وبرفع.
(2)
(ص/ 392 - 393).
(3)
وهذا ما نصره جمع من المحققين، انظر "قاعدة في الاستحسان - جامع المسائل":(2/ 206 - فما بعدها) لابن تيمية.
هذا تقسيم آخر للمناسب قسَّمه المؤلف فيه إلى أربعة أقسام مؤثِّر، وملائم، وغريب، ومرسل، وبدأ بالمؤثِّر -وهو بكسر الثاء بصيغة اسم الفاعل- وفسَّرَه المؤلف بقوله:"بالنصِّ والإجماع نوعه اعتُبِر في النوع للحكم" يعني أن الوصفَ المناسب المؤثِّر هو ما اعتبر الشرع فيه عينَ الوصف أي نوعه، في عين الحكم أي نوعه، وكان اعتباره فيه بنص أو إجماع.
مثال اعتباره فيه بالنصِّ: تعليل نقض الوضوء بمسِّ الذَّكر فإنه مستفاد من الربط بين الشرط والجزاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "من مسَّ ذكره فليتوضأ"
(1)
عند القائل بنقض الوضوء بمسِّ الذكر. ومثال اعتباره فيه بالإجماع [تعليل] ولاية المال على الصغير بالصِّغَر فإنه مُجْمع عليه، وإنما سُمِّي هذا المناسب مؤثِّرًا لظهور تأثيره بما اعتبره الشرع به من نصٍّ أو إجماعٍ. قوله:"مؤثِّر" خبره "من المناسب"، وقوله:"نوعه" مبتدأ خبره جملة "اعْتُبِر" بالبناء للمفعول.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ" رقم (100)، وأحمد:(45/ 265 رقم 27293)، وأبو داود: رقم (181)، والترمذي رقم (82)، والنسائي:(1/ 100)، وابن ماجه رقم (479)، وابن خزيمة رقم (33)، وابن حبان "الإحسان" رقم (1112)، والحاكم:(1/ 137) وغيرهم من حديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها.
قال البخاري: "إنه أصح شيء في الباب"، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "حديث صحيح ثابت على شرط البخاري ومسلم". وصححه أحمد والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وعبد الحق وابن الجوزي وغيرهم. انظر "نصب الراية": (1/ 54 - 56)، و"البدر المنير": (2/ 451 - 465).
وإن لم يُعْتَبرْ
…
بِذَينِ بل ترتُّبُ الحكم ظهرْ
726 -
على وِفاقِه فذا المُلائم
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أنه إن لم يعتبر الشرع نوعَ الوصف في نوع الحكم بنص ولا إجماع بل اعتبر عين الوصف في عين الحكم أي نوعه في نوعه بأمر آخر غير النصِّ والإجماع، ذلك الأمر هو ترتب الحكم على وَفْق الوصف، وإيضاحه: أن المراد بترتُّب الحكم على وَفْق الوصف ثبوت الوصف مع الحكم في محل النصِّ بأن كانا مقترنين في نص الحكم، وهذا مراد المؤلف بقوله:"بل ترتب الحكم ظهر على وفاقه" فهذا الوصف المذكور هو الملائم، وسمِّيَ ملائمًا لملاءمته للحكم، ثم بين المؤلف أقسامه الثلاثة وترتيبها بقوله:
. . . . . . . . . . . . . . .
…
أقواه ما ذَكَر قبلُ القاسمُ
727 -
من اعتبار النوع في الجنس ومِنْ
…
عكسٍ ومن جنسٍ بآخرٍ زُكِنْ
يعني أن أقسام الملائم ثلاثة، أقواها ما يذكره القاسم أي الأصولي الذي يريد تقسيم الملائم. وقوله:"قبلُ" أيْ أولًا، فالقسم الأول أقوى من الثاني، والثاني أقوى من الثالث. وأشار المؤلف لأولها بقوله:"من اعتبار النوع في الجنس" أي نوع الوصف في جنس الحكم. مثاله: تعليل ولاية النكاح على الصغيرة التي هي الحكم بالصغر الذي هو الوصف، وقيل: علةُ الولايةِ البكارةُ، وقد اعْتُبِر عين الصغر في جنس الولاية حيث اعْتُبِر في ولاية المال بالإجماعِ لأن الإجماعَ على اعتباره في ولاية المال إجماعٌ على اعتباره في جنس الولايةَ الصادق بولاية النكاح والمال، فهذا
المثال اعْتُبِر فيه عينُ الوصف بسبب ترتيب الحكم على وَفْق الوصف بلا نصٍّ ولا إجماع على اعتبار العين في العين، وإنما كان الإجماع على اعتبار الصغر في ولاية المال إجماعًا على اعتباره في جنس الولاية، لأنهم نظروا إلى مجرد تعليل الولاية بالصغر مع قطع النظر عن المال، إذ لو كان خصوص المال ملحوظًا في المعلول لم ينهض هذا حجة على اعتبار الصغر في ولاية النكاح قاله شهابُ الدين عميرة
(1)
.
وأشارَ المؤلفُ للثاني منها بقوله: "ومن عَكَس" أي عَكَس القسم الأول والمراد بذلك العكس هو اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وَفْق الوصف حيث ثبت معه، والحالُ أن الشارع اعتبر جنس الوصف في عين الحكم. مثاله: تعليل جواز الجمع في الحَضَر ليلة المطر بالحَرَج الحاصل من المطر، وقد اعْتُبِر جنس الحرج في عين جواز الجمع في السَّفَر بالنصِّ.
وأشار للثالث منها بقوله: "ومن جنس" إلخ والمراد به اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وَفْق الوصف حيث ثبت معه، والحالُ أن الشارع قد اعتبر جنسَ الوصف في جنس الحكم. ومثاله: اعتبار جنس الوصف الذي هو الجناية في جنس الحكم الذي هو مطلق القصاص في
(1)
لعله في حاشيته على "شرح المحلي"، ونقله الناظم في "النشر":(2/ 179). وشهاب الدين عميرة هو: أحمد البُرُلُّسي المصري الشافعي (ت: 957 هـ)، ترجمته في "الكواكب السائرة":(2/ 120)، و"الشذرات":(8/ 316)، و"الأعلام":(1/ 103).
قياس القتل بالمثقَّل على القتل بالمحدَّدِ، وإنما كانت الجناية جنسًا لصدقها على الجناية على الأنفس وعلى الأطراف، وإنما كان القصاص جنسًا لصدقه على ذلك أيضًا وقوله:"زُكِن" بمعنى عُلِم.
728 -
أخصُّ حكمٍ منعُ مثلِ الخَمْرِ
…
أو الوجوبُ لمضاهي العَصْر
729 -
فمطلَقُ الحُكْمينِ بعدَه الطلَبْ
…
وهُوَ بالتَخيير في الوضعِ اصطَحَبْ
730 -
فكونُهُ حُكْمًا. . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . .
يعني أن الحكم له أجناس منها عالٍ ومنها متوسط ومنها سافل، وأخَصُّ أجناسه أي أقربها كونه مثلًا تحريم الخمر أو إيجاب صلاة العصر مثلًا، وإنما كان هذا أخَصَّها لتعيينه وتعيين متعلقه، وهذا مراد المؤلف بقوله "أخصُّ حكمٍ" البيت.
ثم يليه كونه مطلق إيجاب أو تحريم -مثلًا- كقول السّبكي
(1)
: "فإن اقتضى الخطابُ الفعلَ اقتضاءً جازمًا فإيجاب إلخ. . ". وهو مراد المؤلف بقوله: "فمطلق الحكمين".
ثم يلي هذا كونه طلبًا أو تخييرًا لأن الطلب شامل لطلب الفعل والكف، فيدخل فيه الواجب والمندوب والمكروه والحرام، والتخيير في مرتبته، وذلك مراده بقوله:"بعده الطلب وهو بالتخيير" إلخ.
وآخر الأجناس وأعلاها: المرتبة التي بعد الطلب والتخيير، وهي كونه حكمًا كما تقدم في قول المؤلف:"خطاب ربي إن تعلق. . " إلى قوله:
(1)
في "الجمع - مع حاشية البناني": (1/ 79 - 80).
"فذاك بالحكم"
(1)
إلخ. وقوله: "لمضاهي" أي مشابه العصر من الواجبات.
. . . . . . . كما في الوصفِ
…
مناسبٌ خصَّصه ذو العُرْف
731 -
مصلحةٌ وضِدُّها بعد فما
…
كَوْنُ محلِّها من الَّذْ عُلِما
يعني أن أعمَّ أجناس الوصف وأبعدَها كونه وصفًا تُناط به الأحكام كما أن أبعد أجناس الحكم كونه حكمًا كما ذكره بقوله: "فكونه حكمًا"، وقوله:"مناسبٌ خَصَّصَه ذو العرف" يعني أن صاحبَ العرف الأصولِيّ حَكَم بأن الوصف المناسب أخصُّ من مطلق الوصف لصدق مُطْلَقه بغير المناسب، وقوله:"مصلحة وضدُّها بعدُ" يعني أن كون الوصف مصلحة أو ضدَّ مصلحة ككونه مفسدة أو مشقة "بعدُ" بالضم أي بعد المناسب، فكون الوصف مصلحة أو ضدّهَا أخصُّ من مطلق المناسب. وقوله:"فما كون محلها من الّذْ علما" يعني أنه يلي مرتبة المصلحة وضدَّها تعيين المصلحة بكونها حاجية أو تتميمية أو المفسدة بكونها ضرورية كالنفس والدين، وهذا معنى قوله:"فما كون ملحها من الَّذْ علما" وتسكين الذال لغة في الذي.
732 -
فقدِّم الأخصَّ. . . .
…
. . . . . . . . . . . . .
قوله: "قدم" أمر يعني أنه يجب تقديم الأخصِّ من الأوصاف والأحكام، أعني الأقرب منها على الأعم الذي هو الأبعد. ومثاله: تقديم البنُوَّة على الأخوَّة، والأخُوَّة على العمومة في الميراث. ومن هنا قدَّم
(1)
الأبيات (22، 23) ولفظها: "كلام ربي"، بدلًا من: خطاب. . .
المالكية ترك الصلاة بالثوب النجس على الصلاة بالحرير إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو حريرًا؛ لأن النجس أخصُّ بالصلاة من الحرير؛ لأن الحرير ممنوع في غيرها، والنجس لا يُمْنَع إلا فيها، ولهذا قدَّموا أيضًا أكل الميتة على أكل الصيد للمُحْرِم لأن منعَ الصيد أخصُّ بالمحرم من منع الميتة.
ومن فروع هذه القاعدة: ما تقدم من تقديم المؤثِّر على الملائم لأنه أخصُّ منه، وكذلك تقديم بعض أقسام الملائم على بعض لأن أخصها اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، ثم اعتبار
(1)
جنس الوصف في نوع الحكم. ثم اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، وإنما قدم اعتبار الجنس في النوع كما تقدم لأن الإبهام في الوصف الذي هو العلة أكثر محذورًا منه في الحكم، لأن العلة تُعرِّفُ الحكم، فكلما كانت أخصَّ وأقرب كان الحكم أحرى بالظهور، وكلما كانت أبعدَ وأعمَّ بَعُدَ معلولها من الظهور بحسب بُعْدِها.
. . . . . . . . والغريبُ
…
ألغى اعتبارَهُ العَلي الرقيبُ
يعني أن الوصفَ المناسب إذا دلَّ الدليل على إلغائه وعدم اعتباره فهو المسمَّى بالغريب، ومثاله: ما لو جامع المَلِكُ في نهار رمضان، فالوصف المناسب أن يُلْزَم بخصوص الصوم في الكفارة، لأن ألَمَ الجوع والعطش هو الذي يرْدَعُه عن انتهاك حرمة رمضان لسهولة بذل المال في العتق والإطعام على المَلِك في شهوة فرجه، لكنَّ الشارعَ أهدرَ هذا فجعل
(1)
في ط زيادة: النوع في الجنس على اعتبار.