الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنقِيح المنَاط
التنقيح التصفية والتهذيب، وكلام مُنَقَّح لا حشو فيه، ومن هذا المعنى تنقيح المُنخُلِ وهو إزالة ما لا يُحتاج إليه وإبقاء ما يُحتاج إليه، و"المناط" مكان النَّوْط الذي هو التعليق والإلصاق، والمراد به العلة لأنها مناط الحكم الذي يعلق عليه، فتنقيح المناط إذًا هو تصفية العلة بإزالة ما لا يصلح لها وتعيين ما يصلح لها، وأشار المؤلف إلى تعريفه بقوله:
754 -
وهو أن يجِي على التعليل
…
بالوَصْف ظاهرٌ من التنزيل
755 -
أو الحديثِ فالخصوصَ يَطْرُدُ
…
عن اعتبار الشارع المجتهدُ
يعني أن تنقيح المناط هو أن يدل ظاهر نصٍّ من كتاب أو سنة على التعليل بوصف فيطْرُد المجتهدُ أي يَحْذِف خصوصَ ذلك الوصف عن اعتبار الشارع، وإيضاحه: أن المجتهد يقول: لا يعتبر الشارع خصوص هذا الوصف الذي دل ظاهر النص على أنه العلة وينيط الحكم بما هو أعم من ذلك الوصف.
فإن قيل: من أين للمجتهد العدول عن خصوص الوصف المدلول عليه بالظاهر؟
فالجواب: أنه يَطْردُ الخصوصَ المذكور بأحد الأمرين الآتيين في قوله: "فمنه ما كان بإِلغا الفارق" البيت.
ومثال تنقيح المناط في القرآن: قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء/ 25] فقد ألغوا خصوصَ الوصف
الذي هو الأنوثة في تشطير الحدِّ وأناطوه بالرق تنقيحًا للمناط.
ومثاله في الحديث: ما قدمناه في حديث: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان"
(1)
فقد ألْغَوا خصوص الغضب وأناطوا الحكم بأعمَّ منه وهو التشويش المانع من استيفاء النظر والفكر
(2)
.
ومنه تنقيح مالك وأبي حنيفة المناط في قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي قال: واقعت أهلي في نهار رمضان: "اعتق رقبة"
(3)
، فألغيا خصوص الوقاع في رمضان، وأناطا الحكمَ بأعمَّ منه وهو انتهاك حُرْمة رمضان، فأوجبا الكفارةَ بالأكل والشرب فيه عمدًا. وقوله:"ظاهر" فاعل "يجي" وهو فعل مضارع مقصور للوزن. وقوله: "المجتهدُ" فاعل "يَطْرُدُ" ومفعوله "الخصوصَ" مقدَّم عليه.
756 -
فمنه ما كان بإلغا الفارقِ
…
وما بغيرٍ من دليلٍ رائقِ
يعني أن من تنقيح المناط قسمًا يقال له: إلغاء الفارق، فيسمى تنقيح المناط، وإلغاء الفارق، خلافًا لمن جعل إلغاء الفارق مسلكًا عاشرًا كالسبكي
(4)
. وإلغاءُ الفارق هو: تبيين أنه لا فرق بين ما ذكره الشارع وما سكت عنه إلَّا فرقًا لا أثر له في الحكم فيثبت الحكم لما اشتركا فيه، لأنه
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
انظر ما تقدم في مبحث تعميم العلة لمعلولها: بيت رقم 677:
وقد تخصص وقد تعمِّمُ
…
لأصلها لكنها لا تخْرِمُ
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
في "الجمع": (2/ 293).