الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني أن القاضي أبا بكر الباقلانيّ من المالكية يقول: إذا كان الرجحان قطعيًّا وجبَ العمل به، وإذا كان ظنيًّا لم يُعمل به إذ لا تجريح عنده بظن، ووافقه أبو عبد اللَّه البصري من المعتزلة، و"القاضي" الأول: الباقلاني، والثاني: اسم فاعل قضى أي إذا يكون الظن هو القاضي أي الحاكم بالترجيح دون القطع.
867 -
والجمعُ واجبٌ متى ما أمكَنا
…
إلا فللأخير نسخٌ بُيِّنا
يعني أن الجمعَ بين الدليلين المتقابلين من كتاب أو سنة أو منهما، وكذا النصَّان من المجتهد [واجب]
(1)
. و
أوجه الجمع كثيرة
منها: تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد وتقدمت أمثلتهما. ومنها: حَمْل كل من النصّين على حالة غير حالة الثاني كما في حديث: "خير الشهداء من يشهد قبل أن يُسْتشهد"
(2)
مع أنه ذكر في شر الشهداء "من شهد قبل أن يستشهد"
(3)
فيُحْمَل الأول على حقوق اللَّه، أو على أن المشهود له غيرُ عالم بأن الشاهد يعرف حقه. ويُحمل الثاني على حقوق الآدمي أو العالم.
والقول بأن الجمع لا يجب بل يصار إلى الترجيح ضعيف، وإن لم يمكن الجمعُ بين الدليلين المتعارضين وعُرِف المتأخر منهما فهو ناسخ
(1)
إضافة لازمة.
(2)
أخرجه مسلم بنحوه رقم (1719) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري رقم (2651)، ومسلم رقم (2535) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
للمتقدم منهما إذا كان قابلًا للنسخ كالإنشاء سواء كانا قطعيَّيْن أو ظنيين، وهذا هو معنى قوله:"إلا فللأخير نسخ" أي: وإلا يمكن الجمع بينهما فالأخير ناسخ للأول. وقوله: "بُيِّنا" بالبناء للمفعول.
868 -
ووجبَ الإسقاطُ بالجهل وإنْ
…
تقارَنا ففيه تخييرٌ زُكِنْ
يعني أنه إن لم يُعْلَم المتأخر من المتقدم، وكانا غير متقارنين في الورود من الشارع، وكان النسخ ممكنًا، فإنه يجب إسقاط كلٍّ منهما بالآخر وطلب الدليل من غيرهما؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أنه ناسخ ومنسوخ، وهذا القول هو مراده بقوله:"ووجب الإسقاط بالجهل" أي جهل المتقدم والمتأخر.
وقوله: "وإن تقارنا" إلخ أي وإن تقارن الدليلان المتعارضان في الورود من الشارع، أي وردا منه في وقتٍ واحد من غير سبق أحدهما للآخر، ففيه تخيير للمجتهد بينهما يعمل بأيهما شاء لكن بشرط ألا يمكن الجمع ولا يوجد مرجِّح، فإن أمكن الجمعُ والترجيحُ معًا قُدِّم الجمع؛ لأن العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما. والضمير في قوله:"فيه" عائد إلى التقارن المفهوم من "تقارنا" و"زُكِن" معناه عُلِم.
869 -
وحيثُما ظُنَّ الدليلانِ معا
…
ففيه تخييرٌ لقومٍ سُمِعا
870 -
أو يجبُ الوقفُ أو التساقطُ
…
وفيه تفصيلٌ حكاه الضابِطُ
يعني أن المجتهد إذا ظن تعادل الدليلين في نفس الأمر أو جزم به بناءً على جوازه ففي ذلك أربعة أقوال:
الأول: أنه يتخيَّر في العمل بأيهما شاء، وهو قول القاضي الباقلاني
بناءً على أن الواقعة لا تخلو عن الحكمين.
القول الثاني: الوقف عن العمل بواحد منهما بناءً على أن كل مجتهد مصيب، والإصابة مترتبة على حصول غلبة الظن، والظن هنا مفقود في كل واحد منهما لمعارضته بالآخر.
الثالث: التساقط أي سقوط كل منهما بالآخر فيرجع لغيرهما كالبراءة الأصلية.
الرابع: التفصيل فيكون التخيير بين الواجبات؛ لأنها قد يُخَيَّر فيها كما في خصال كفارة اليمين، ويكون التساقط في غير الواجبات.
واعلم أن القول بجواز وقوع تعادل الدليلين في نفس الأمر لا يمكن معه ترجيحٌ فيما عُلِم فيه التعادل في نفس الأمر؛ لأن المتعادلين في نفس الأمر لا يمكن ترجيح أحدهما، وعليه ففي تعارضهما الأقوال الأربعة المتقدمة
(1)
، وذلك فيما إذا لم يكن
(2)
بين الدليلين تقدُّم وتأخُّر في نفس الأمر؛ إذ لا خلافَ في جواز التعارض حينئذٍ ووقوعه، والأخير ناسخ للأول. أما التعارض في ذهن المجتهد فلا ينافي الترجيح كما هو ظاهر، ومراد المؤلف بـ "الضابط" السبكي في "جمع الجوامع"
(3)
.
871 -
وإن يُقَدَّم مشعرٌ بالظنِّ
…
فانسخْ بآخرٍ لدى ذي الفَنِّ
يعني أنه إذا تقابل دليلان نقليان أحدهما قطعي والآخر ظنّيٌّ
(1)
ط: المذكورة.
(2)
ط: يمكن.
(3)
(2/ 361 - 363).
والقطعيّ
(1)
هو المتأخر فإنه يُنسخ به الظنيُّ المتقدم، وهو مفهوم مما تقدم، وذكره
(2)
المؤلف ليدل بمفهومه على أن القطعي لو كان هو المتقدم لم ينسخه الظنيّ؛ لأن الأقوى لا يُرْفع بما هو أضعف منه
(3)
. أما القطعي العقليّ فلا يعارضه الظنيّ لانتفاء الظن ضرورة عند القطع بنقيضه. وقوله: "يُقدَّم" بالبناء للمفعول، و"مشعرٌ" بصيغة اسم الفاعل وهو نائب فاعل "يقدم".
872 -
ذو القطعِ في الجهل لديْهِم مُعْتبر
…
وإن يَعُمَّ واحدٌ فقد غَبَرْ
يعني أنه إذا تقابل قطعي وظنيٌّ وجُهِل المتقدِّم منهما فالمعتبر القطعي، وقوله:"وإن يعم واحد" يعني أن كل ما تقدم إنما هو فيما إذا تساوى الدليلان في العمومِ والخصوص، فإن كان أحدهما أعمَّ من الآخر مطلقًا أو من وجه فقد "غَبَر" أي تقدم حكمه في مبحث الخاص حيث قال في العموم المطلق: إنه يُقْصَر على بعض الأفراد، وما أخرجه الدليل الخاصُّ منها فهو خارج كما قال
(4)
: "قَصْر الذي عم. . " إلخ، وقال
(5)
: "وهو حجة لدى الأكثر إن. . " إلخ. وقال
(6)
في العموم من وجه: "وإن يك العموم من وجه ظهر. . " إلخ.
(1)
الأصل: فالقطعي!
(2)
الأصل: وذكر!
(3)
تقدم في النسخ (ص/ 296 حاشية 2) أنه لا مانع من أن ينسخ الأضعف -إن ثبت- الأقوى.
(4)
البيت رقم (382).
(5)
البيت رقم (392).
(6)
البيت رقم (431).