الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التّرجيح باعتبار حَال المرويّ
884 -
وكثرةُ الدَّليل والرِّوايه
…
مُرَجِّح لدى ذوي الدِّرايه
يعني أن
كثرة الأدلة على أحد المتعارضين مرجِّحة
له على الآخر، وكذلك كثرة رواته. ولا يخفى أن الترجيح بكثرة الرواة من ترجيح السند، فجَعْله من الترجيح باعتبار حال المروي لا يخفى ما فيه، فإن كان أحد المتعارضين أكثر رواةً والثاني أكثر أدلةً فالظاهر الترجيح بكثرة الأدلة، وقال في "الآيات البينات"
(1)
: إنه لا يبعد. وقوله: "ذوي الدرايه" أي أصحاب المعرفة بفن الأصول.
885 -
وقولُه فالفعلُ فالتقريرُ
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن الخبر الناقل لقول النبي صلى الله عليه وسلم يُقَدَّم على الخبر الناقل لفعله، والخبر الناقل لفعله يقدَّم على الناقل لتقريره، وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله عليه وسلم، وتقديم الفعل على التقرير لأن التقرير فعل ضِمْنيٌّ كما تقدم في قوله:"وفي الفعل انحصر تقريره"
(2)
والصريح أقوى من الضِّمْنيّ.
واعلم أن
تقديم القول على الفعل أغلبي، وربما قُدِّم الفعل
، ومثال تقديمه: ما ذكره الفقهاء من المالكية وغيرهم من أن الإحرام بالعمرة من
(1)
(4/ 296 - ط. دار الكتب).
(2)
البيت رقم (491).
الجعرانة الذي فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم أفضل منه من التنعيم الذي أمر به عائشة تقديمًا للفعل على القول.
. . . . . . . . . . . . .
…
فصاحةٌ وألغيَ الكثيرُ
يعني أن الحبر الفصيح يقدَّم على معارضه غير الفصيح للعلم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى؛ لأنه لو كان بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكان فصيحًا سواء أريد بالفصاحة معناها الاصطلاحي أو أريد بها البلاغة. وقوله: "وألغي الكثير" يعني أن زيادة الفصاحة تُلغى فلا يرجَّح الخبر الأفصح على الخبر الفصيح، وقيل: يرجَّح بذلك لأنه أقرب إلى كون اللفظ له صلى الله عليه وسلم لأنه أفصح العرب.
886 -
زيادةٌ ولغةُ القبيلِ
…
ورُجِّح المُجِلُّ للرسولِ
ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجحات:
الأول: الزيادة، يعني أن الخبر المشتمل على زيادة يقدَّم على الخبر الخالي عنها؛ لما فيه من زيادة العلم، كترجيح خبر التكبير في العيد سبعًا على خبر التكبير فيه أربعًا
(1)
، وأَخْذ الحنفية بخبر الأربع من الأَخْذِ بالأقل.
(1)
حديث التكبير سبعًا أخرجه الترمذي رقم (536)، وابن ماجه رقم (1279)، والدارقطني:(2/ 48) من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء في هذا الباب. ونقل عن البخاري أنه قال ذلك، كما نقله البيهقي في "سننه":(3/ 286) من "العلل الكبير" -وليس في المطبوع منه-. لكن قد تكلم فيه غير واحد، ففي إسناده كثير بن عبد اللَّه المزني أكثر النقاد على توهينه، وأنكروا على الترمذي تحسينه له. انظر "البدر المنير":(5/ 76 - 80). وله شاهد من حديث عائشة وابن عمرو. =
الثاني: الخبر الوارد بلغة قريش يقدَّم على معارِضِه الوارد بلغة غيرهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وقَبِيل الرجل قومُه الذي هو منهم، ومنه قوله:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف/ 27].
الثالث: الخبر المُجِل للرسول أي المشعر بلعوِّ شأنه وعظمة أمره، فإنه يقدَّم على ما ليس كذَلك، لأن علو شأنه كان يتجدَّد شيئًا فشيئًا، فما أشْعَر بعلو شأنه فهو المتأخر، وكذا يُقدم المُشْعر بعلوِّ شأن الصحابة.
887 -
وشهرةُ القصةِ ذِكْرُ السَّببِ
…
وسمعُه إيَّاه دونَ حُجُبِ
ذكر في هذا البيت أيضًا ثلاثة من المرجحات: الأول: شهرة القصة، يعني أن الخبر ذا القصة المشهورة مقدَّم على الخبر ذي القصة الخفية؛ لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها كما قاله القرافي
(1)
.
الثاني: ذِكْر السبب يعني أن الخبر المذكور فيه السبب مقدَّم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لاهتمام ذاكر السبب بمرويِّه الدّالِّ على ضبطه، ولأنَّ عِلْم السبب يفيد العلم بالمعنى المرادِ، ولذا اعتنى المفسِّرون بذكر أسباب النزول.
= وحديث التكبير أربعًا أخرجه أحمد: (32/ 510 رقم 19734)، وأبو داود رقم (1153)، والبيهقي:(3/ 289 - 290) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. وفي إسناده رجل مجهول، وأعله البيهقي بالوقف وأن صوابه عن ابن مسعود موقوفًا عليه. انظر "نصب الراية":(2/ 214 - 215)، و"الجوهر النقي - بهامش البيهقي". وله شاهد عند الطحاوي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحسَّنه.
(1)
في "شرح التنقيح": (ص/ 433).
الثالث: كون أحد الراويين سمع من الشيخ من دون حجاب، والآخر سمع منه من وراء حجاب، كخبر القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عَتَقت وزوجها عبدٌ
(1)
، مع خبر الأسود بن يزيد: أنها عَتَقت وهو حرٌّ
(2)
، لأن القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب بخلاف الأسود.
(1)
أخرجه مسلم رقم (1504) وغيره، عن سِماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم به.
(2)
أخرجه البخاري رقم (6754) وأصحاب السنن. وقال البخاري عقبه: (قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: رأيته حرًّا أصح) اهـ. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": (9/ 318) ضمن كلامه على رواية الأسود عن عائشة: (حديث الأسود بن يزيد عن عائشة أن زوج بريرة كان حرًّا. . . اختلف فيه على راويه هل هو من قول الأسود أو رواه عن عائشة أو هو قول غيره -كما سأبينه-؟ قال إبراهيم بن أبي طالب -أحد حفاظ الحديث وهو من أقران مسلم فيما أخرجه البيهقي عنه-: خالف الأسود الناسَ في زوج بريرة. وقال الإمام أحمد: إنما يصح أنه كان حرًّا عن الأسود وحده وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا ورواه علماء المدينة وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصح شيء. . .) اهـ الغرض منه.
وقال أيضًا (الفتح: 9/ 322) بعد الكلام على جميع الروايات الواردة في كونه حرًّا أو عبدًا: (فدلت الروايات المفصلة التي قدمتها آنفًا على أنه مدرج -أي قوله كان حرًّا- من قول الأسود أو من دونه فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر وهو نادر. . . وعلى تقدير أن يكون موصولًا فترجح رواية من قال: كان عبدًا بالكثرة. وأيضًا فآل المرء أعرف بحديثه فإن القاسم ابن أخي عائشة وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود فإنهما أقْعَد بعائشة وأعلم بحديثها واللَّه أعلم) اهـ الغرض منه. وانظر "نصب الراية": (3/ 205 - 208).
وهذا المثال ذكره بحروفه الآمدي في "الإحكام": (4/ 468 - 469).