الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونحوه؛ لأن المعقود عليه منفعة الاستمتاع، فلا يملك غيره من منافعها، لكن الأولى فعل ما جرت العادة بقيامها به؛ لأنه العادة، ولا يصلح الحال إلا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه.
واختار شيخ الإسلام: تجب الخدمة بالمعروف، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال؛ لأن الزوج سيدها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك من المعاشرة بالمعروف.
- فرع: لا يلزم الزوج توفير خادم لزوجته إلا أن يكون مثلها لا تخدم نفسَها؛ فعليه خادم لها إذن؛ لحديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» [مسلم: 1218]، فجعل النفقة بالمعروف، وهذا من المعروف.
فصل في أحكام الجماع والمبيت
- مسألة: (وَيَلْزَمُهُ) أي: الزوجَ (الوَطْءُ) أي: لزوجته؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ويجب (فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ قَدَرَ) عليه، ولم يكن له عذر من مرض ونحوه، بطلب الزوجة، حرة كانت الزوجة أو أمة، مسلمة أو ذمية؛ لأن الله تعالى قَدَّر ذلك بأربعة أشهر في حق المُولي، فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه، فدل أن الوطء واجب بدونها.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجب عليه الوطء بقدر الكفاية، لأنه من المعاشرة بالمعروف، قال رحمه الله:(والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف: أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر؛ كالنفقة، والاستمتاع، والمبيت للمرأة، وكالاستمتاع للزوج؛ ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}).
وأما الإيلاء فإنه حال طارئة، إذ إن الرجل أقسم ألا يطأ، فمن أجل قسمه أُجِّل هذه المدة، بخلاف من لم يوجد عنده سبب التأجيل.
- مسألة: (وَ) يلزم الزوج (مَبِيتٌ) في المضجع (بِطَلَبِ) الزوجة، ولا تخلو الزوجة من أمرين:
الأول: أن تكون حرة: فيلزمه المبيت (عِنْدَ حُرَّةٍ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ) ليال إن لم يكن عذر؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاثًا مثلها.
(وَ) الثاني: أن تكون (أَمَةً): فيلزم المبيت عندها ليلة (مِنْ كُلِّ سَبْعِ) ليالٍ؛ لأن أكثر ما يجمع معها ثلاث حرائر، وهي على النصف.
ودليل التحديد أيضًا: ما ذكره الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه، فقالت: زوجي خير الناس يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال عمر:«لَقَدْ أَحْسَنْتِ الثَّنَاءَ عَلَى زَوْجِكَ» ، فقال كعب بن سور: لقد اشتكت فأعرضت الشَّكِيَّة، فقال عمر:«اخْرُجْ مِمَّا قُلْتَ» ، قال: أرى أن تُنْزِلَه بمنزلة رجل له
أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة، فأَقَرَّه عمر [عبد الرزاق: 12586، وقال ابن عبد البر: خبر عجيب مشهور].
واختار ابن قدامة: ليلة من كل ثمان على نصف الأمة.
وعند القاضي، وصوبه المرداوي: يلزمه من البيتوتة ما يزول به ضرر الوحشة، ويحصل معه الأنس المقصود بالزوجية، بلا توقيت، فيجتهد الحاكم.
قال شيخ الإسلام: (ويتوجه: أن لا يتقدر قسم الابتداء الواجب، كما لا يتقدر الوطء، بل يكون بحسب الحاجة، فإنه قد يقال: جواز التزوج بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة يكون لها حال الانفراد ما لها حال الاجتماع، وعلى هذا فتُحمل قصة كعب بن سور على أنه تقدير شخص لا يراعى، كما لو فرض النفقة)، واختاره ابن عثيمين.
- مسألة: (وَإِنْ سَافَرَ) الزوج، وجب عليه الرجوع لوطء زوجته بأربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون السفر (فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ)، فإن كان أقل من ذلك لم يجب عليه الرجوع؛ لما يأتي من أثر عمر رضي الله عنه.
(وَ) الشرط الثاني: إذا (طَلَبَتِ) الزوجة (قُدُومَهُ)، فإن لم تطلب ذلك لم يجب عليه الرجوع؛ لأن الحق لها.
والشرط الثالث: أن يستطيع الرجوع؛ فإن لم يستطع الرجوع لم يجب عليه؛ لأن العاجز معذور.
والشرط الرابع: أن يكون السفر لغير عذر، فإن كان سفره لعذر؛ كطلب علم، أو كان في غزو أو حج واجبين أو في طلب رزق يحتاج إليه؛ فلا يلزمه القدوم ولو طال السفر؛ لأنه معذور، ولأنه لا يُفسخ نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقتها.
والدليل على وجوب رجوعه من السفر: ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه سأل حفصة: «يَا بُنَيَّةُ، كَمْ تَصْبِرُ المَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ » ، قالت: أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو ستة أشهر، فقال عمر:«يَغْزُو النَّاسُ يَسِيرُونَ شَهْرًا ذَاهِبِينَ وَيَكُونُونَ فِي غَزْوِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَيَقْفُلُونَ شَهْرًا» ، فوقت ذلك للناس من سنتهم في غزوهم [سعيد بن منصور: 2463].
واختار شيخ الإسلام: أن المرأة إذا تضررت بترك الوطء فلها حق الفسخ مطلقًا، سواء كانت غيبته لعذر أو لغير عذر؛ لأثر عمر السابق، وكعجزه عن النفقة وأولى.
- فرع: فإن أبى الزوج شيئًا من الواجب عليه مما سبق؛ من وجوب المبيت، أو الوطء كل أربعة أشهر مرة، أو القدوم إذا سافر بشرطه:
1 -
(رَاسَلَهُ) أي: المسافرَ الذي أبى الرجوع (حَاكِمٌ) ليرجع (1).
(1) ذكر المراسلة في الإقناع، قال في كشاف القناع (5/ 193):(وما ذكره من المراسلة لم يذكره في المقنع، ولا الفروع، ولا الإنصاف، وتبعهم في المنتهى، وحكاه في الشرح عن بعض الأصحاب، قال: وروي ذلك عن أحمد، وذكره في المبدع بقيل)، قلنا: ونص عليه في غاية المنتهى، وقال ابن عثيمين عن كون الحاكم يراسل الزوج: وهذا القول أصح؛ لأن الزوج ربما لا يبين العذر لزوجته. ينظر: الشرح الممتع 12/ 413.
2 -
(فَإِنْ أَبَى) الرجوع بعد مراسلة الحاكم (بِلَا عُذْرٍ) له؛ (فُرِّقَ) أي: فرق الحاكم (بَيْنَهُمَا) أي: بين الزوجين، ولا يصح الفسخ هنا إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، (بِطَلَبِهَا) أي: طلب الزوجة؛ لأنه تَرَك حقًّا عليه يتضرر به، أشبه المولي.
- فرع: (وَإِنْ) غاب زوجها غيبة ظاهرها السلامة؛ كتاجر، وأسير عند من ليست عادته القتل، ونحوه، و (لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) أهو حي أو ميت، مع وجود النفقة لها؛ (فَلَا فَسْخَ) للنكاح (لِذَلِكَ بِحَالٍ) أي: ولو تضررت الزوجة بترك النكاح؛ لأنه يمكن أن يكون له عذر.
واختيار شيخ الإسلام: أنها إذا تضررت بترك الوطء فلها حق الفسخ، وتقدم قريبًا.
- مسألة: (وَحَرُمَ جَمْعُ زَوْجَتَيْهِ) أو بينهن وبين إمائه (بِمَسْكَنٍ وَاحِدٍ)؛
لأن عليهما ضررًا في ذلك؛ لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة، (مَا لَمْ يَرْضَيَا) بذلك، فإن رضيا جاز؛ لأن الحق لا يعدوهن فلهن المسامحة به.
فإن أسكنهما دارًا واحدة كل واحدة منهما في بيت؛ جاز إذا كان بيت كل واحدة منهما مسكن مثلها؛ لأنه لا جمع في ذلك.
- مسألة: (وَلَهُ) أي: للزوج (مَنْعُهَا) أي: منع زوجته (مِنَ الخُرُوجِ) من منزله إلى ما لها منه بد، واختاره شيخ الإسلام، ولو لزيارة أبويها، أو عيادتهما؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» [البخاري: 900، ومسلم: 442]، فدل أنه يمنعها من غير المسجد، ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب.
قال ابن قدامة: (ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما؛ لأن في ذلك قطيعة لهما، وحَمْلًا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف).