الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- مسألة: (وَمَنْ وَكَّلَ) في استيفاء قود، (ثُمَّ عَفَا) موكِّلٌ عن قود وكَّلَ فيه، (وَلَمْ يَعْلَمْ وَكِيلٌ) بعفوه (حَتَّى اقْتَصَّ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا)؛ أما الوكيل؛ فلأنه لا تفريط منه؛ لحصول العفو على وجه لا يمكن الوكيل استدراكه، أشبه ما لو عفا بعد ما رماه، وأما الموكل؛ فلأنه محسن بالعفو، وقال تعالى:{ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91].
فإن علم الوكيل بعفو الموكل؛ فعليه القود؛ لأنه قتله ظلماً؛ كما لو قتله ابتداء.
- مسألة: (وَإِنْ وَجَبَ لِقِنٍّ: قَوَدٌ، أَوْ) وجب له (تَعْزِيرُ قَذْفٍ) ونحوه؛ (فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ لَهُ) أي: للقن؛ لأنه مختص به، والقصد منه التشفي.
(وَإِنْ مَاتَ) القن؛ (فَـ) طلبه وإسقاطه (لِسَيِّدِهِ)؛ كالوارث؛ لأنه أحق به ممن ليس له فيه ملك.
فصل فيما يوجب القصاص فيما دون النفس
والأصل فيه: قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} إلى قوله {والجروح قصاص} [المائدة: 45]، ولحديث أنس في قصة عمته الرُّبَيِّع رضي الله عنهما
لما كسرت ثَنِيَّة جارية، وطلبوا العفو فأبوا، وعرضوا الأرش فأبوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ» [البخاري 2703، ومسلم 1675]، وأجمعوا على وجوب القصاص فيما دون النفس إذا أمكن؛ لأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوبه.
- مسألة: (وَالقَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ كَالقَوَدِ فِيهَا)، فكل من أُقِيد بغيره في النفس أُقيد به فيما دونها؛ من حر وعبد؛ لأن من أُقيد به في النفس إنما أُقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود، فوجب أن يُقاد به فيما دونها، فلو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده؛ لأنه يقاد به في النفس.
ومن لا يجري القصاص بينهما في النفس؛ لا يجري بينهما في الطَّرَف والجراح؛ كالأب مع ابنه، والمسلم مع الكافر، فلا تقطع يد الأب بيد ابنه، ولا يد المسلم بيد الكافر؛ لأنه لا يقاد به في النفس.
ولا يجب القصاص فيما دون النفس إلا بما يوجب به في النفس، وهو العمد المحض، فلا قود في شبه عمد ولا في خطأ.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: القصاص فيما دون النفس (نَوْعَانِ):
(أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ)؛ للآية وحديث أنس السابقين، (فَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ عَيْنٍ) بمثلها؛ العين اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، (وَ) يؤخذ (أَنْفٌ)
بأنف، (وَأُذُنٌ) بأذن، (وَسِنٌّ) بسنٍّ، (وَنَحْوِهَا)؛ كيدٍ، ورجلٍ، ولسانٍ، وإصبعٍ، وكتفٍ، وذكرٍ، وخصيةٍ (بِمِثْلِهِ)؛ لأن المماثلة موجودة والقصاص ممكن فوجب؛ إلحاقًا لغير المنصوص عليه من ذلك بالمنصوص.
- مسألة: يجب القصاص في الأطراف (بِـ) ثلاثة شروط:
الـ (شَّرْطُ) الأول: (مُمَاثَلَةٌ) في أمرين:
1 -
في الاسم؛ كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن؛ لقوله تعالى:{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية، ولأن القصاص يقتضي المساواة، والاختلاف في الاسم دليل الاختلاف في المعنى.
2 -
في الموضع؛ فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا عكسه، ولا جراحة في الوجه بجراحة في الرأس، ونحوه؛ اعتبارًا للمماثلة، ولأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها من بعض؛ كالعين بالأنف.
ولا يؤخذ أصلي بزائد، ولا زائد بأصلي، ولو تراضيا عليه؛ لعدم التساوي في المكان والمنفعة، إذ الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه، بخلاف الزائد.
(وَ) الشرط الثاني: إمكان الاستيفاء بلا حَيْف؛ لأن الحَيْف جَوْر وظلم، وإذا لم يمكن القصاص إلا به لم يجز فعله.
وأما الـ (أَمْنُ مِنَ) الـ (حَيْفِ) فشَرْطٌ لجواز الاستيفاء؛ لوجوب القصاص حيث وجد شرطه وهو العدوان على مكافئه عمدًا مع المساواة في الاسم والصحة والكمال، لكن الاستيفاء غير ممكن؛ لخوف العدوان.
وأما المؤلف فتبع ابن قدامة في المقنع في أن الأمن من الحيف شرط لوجوب القصاص (1)، خلافاً لما في الإقناع والمنتهى.
- فرع: إمكان الاستيفاء بلا حيف: بأن يكون القطع من مَفْصل؛ كالكوع والمرفق والكعب.
فلا قصاص في جائفة، وهي الجرح الواصل إلى باطن الجوف، ولا في كسر عظم غير سن ونحوه، ولا إن قطع قصبة أنف، أو قطع بعض ساعد، أو بعض ساق، وإنما له الدية فقط؛ لحديث نِمران بن جارية، عن أبيه: أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية فقال: يا رسول الله، إني أريد القصاص فقال:«خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا» ولم يقض له بالقصاص [ابن ماجه 2636، وضعفه
(1) قال في الكشاف (13/ 299): (فائدة ذلك: أنا إذا قلنا: إنه شرط للوجوب تعينت الدية إذا لم يوجد الشرط، وإن قلنا: إنه شرط للاستيفاء دون الوجوب انبنى على أصل وهو أن الواجب ماذا؟ فإن قلنا: القصاص عينًا؛ لم يجب بذلك شيء، إلا أن المجني عليه إذا عفا يكون قد عفا عمن يحصل له ثوابه، وإن قلنا: موجب العمد أحد شيئين؛ انتقل الوجوب إلى الدية كغيره).
الألباني]، ولأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف، بل ربما أخذ أكثر من الفائت، أو يسري إلى عضو آخر، أو إلى النَّفْس؛ فيمنع منه.
ولا أرش للباقي؛ لئلا يجمع في عضو واحد بين دية وحكومة.
واختار ابن عثيمين: إن أمكن القصاص بدون حيف؛ وجب، ولو لم يكن من مفصل، وإن لم يمكن فلنا طريقان:
1 -
أن يُقتَص من المفصل الذي دونه، ويأخذ أرش الزائد، وهو وجه في المذهب.
2 -
أن يقتص من دون محل القطع، ويسقط المجني عليه الزائد.
(وَ) الشرط الثالث: (اسْتِوَاءُ) الطرفين؛ المجني عليه والمقتص منه (فِي صِحَّةٍ وَكَمَالٍ)؛ لأن القصاص يعتمد المماثلة، ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون طرف الجاني أكمل: فلا قصاص، فلا تؤخذ يد أو رجل صحيحة بيد أو رجل شلاء؛ لأنه لا نفع فيما سوى الجمال، فلا يؤخذ بما فيه نفع.
ولا تؤخذ يد أو رجل كاملة الأصابع أو الأظفار بناقصتهما، فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أقل من ذلك؛ لم يجز القصاص؛ لأنها فوق حقه.
ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة، وهي التي بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها، ولا لسان ناطق بأخرس ولو تراضيا؛ لنقص ذلك.
الثاني: أن يكون طرف المجني عليه أكمل: فيؤخذ معيب مما ذكر بصحيح، فتؤخذ الشلاء، وناقصة الأصابع باليد الصحيحة، والعين القائمة بالصحيحة؛ لأنه رضي بدون حقه، كما رضي المسلم بالقود من الذمي، والحر من العبد، ويكون القصاص بلا أرش؛ لأن الشلاء من ذلك كالصحيحة خلقة، وإنما نقصت صفة.
واختار أبو الخطاب: أن له الأرش مع القصاص على قياس قوله في عين الأعور إذا قلعت؛ لأنه أخذ الناقص بالزائد.
الثالث: أن يكون طرف الجاني وطرف المجني عليه سواء؛ صحيحين أو معيبين؛ فيؤخذ معيب بمثله؛ لحصول المساواة، فتؤخذ الشلاء من يد أو نحوها بالشلاء إذا أمن من قطع الشلاء التلف، بأن يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنها إذا قطعت لم تفسد العروق، ولم يدخل الهواء؛ أجيب إلى ذلك، وإن قالوا: يدخل الهواء في البدن فيفسد؛ سقط القصاص. وتؤخذ الناقصة بالناقصة إذا تساوتا في النقص، بأن يكون المقطوع من يد الجاني كالمقطوع من يد المجني عليه؛ لحصول المماثلة.
وزاد في المنتهى شرطاً رابعاً: العمد المحض، فلا قصاص في الخطأ إجماعًا؛ لأنه لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل، ففيما دونها
أولى، ولا في شبه العمد؛ قياسًا على النفس.
(وَ) النوع (الثَّانِي) من القصاص فيما دون النفس: القصاص (فِي الجُرُوحِ)؛ لقوله تعالى: (والجروح قصاص)، ولحديث عمرو بن حزم رضي الله عنه، ويأتي في الديات.
- مسألة: يقتص في الجروح بالشروط الأربعة السابقة، و (بِشَرْطٍ) زائد عليها، وهو:(انْتِهَاؤُهَا) أي: الجروح (إِلَى عَظْمٍ؛ كَمُوضِحَةٍ) في الرأس والوجه، (وَجُرْحِ عَضُدٍ، وَ) جرح (سَاقٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كجرح ساعد وقدم؛ لإمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة؛ لانتهائه إلى عظم، فأشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.
ولا يقتص في غير جُرْح ينتهي إلى عظم من الشجاج والجروح، فلا قصاص فيما يلي:
1 -
فيما هو أعظم من الموضحة؛ كالهاشمة والمنقِّلة، قال ابن قدامة:(فأما ما فوق الموضحة؛ فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير: أنه أقاد من المنقِّلة، وليس بثابت عنه، وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف ذلك، ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما).
2 -
فيما دون الموضحة؛ كالباضعة، والبازلة، فلا قصاص فيها؛ لأنه ليس له حد ينتهي إليه، ولا يمكن الاستيفاء من غير حيف.
واختار ابن عثيمين: أنه يقتص من كل جرح يمكن أن يقتص منه؛ لعموم قول الله تعالى: {والجروح قصاص} ، ولحديث أنس في قصة عمته الرُّبَيِّع رضي الله عنهما لما كسرت ثنية جارية، قال النبي صلى الله عليه وسلم «كَتَابُ اللهِ القِصَاصُ» [البخاري 2703، ومسلم 1675]، وهذا ممكن في وقتنا الحاضر الذي تقدم فيه الطب وتطورت فيه الآلات.
- فرع: لا يقتص في غير جرح ينتهي إلى عظم كما تقدم، إلا أن يكون الجرح أعظم من الموضحة؛ كالهاشمة والمنقلة والمأمومة، فللمجني عليه أن يقتص موضحةً؛ لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته، وله أرش الزائد على الموضحة؛ لأنه تعذر فيه القصاص فوجب الأرش، فيأخذ بعد اقتصاصه من موضحة في هاشمة: خمسًا من الإبل، وفي منقِّلة: عشرًا، وفي مأمومة: ثمانية وعشرين وثلثًا.
- مسألة: لا يقتص في كسر عظم غير كسر سن؛ لحديث أنس السابق في قصة الرُّبَيِّع، ولإمكان الاستيفاء منه بغير حيف؛ كبَرْدٍ ونحوه، وأما ما عدا السنَّ فلا يقتص منه؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ» [قال ابن حجر في الدراية 2/ 269: لم أجده، وأخرجه ابن أبي شيبة [27302] بإسناد ضعيف منقطع عن عمر قال: «إنا لا نقيد من العظام» ، وبإسناد ضعيف [27303] عن ابن عباس:«ليس في العظام قصاص» ].
واختار ابن عثيمين: أنه يقتص من كل ما يمكن أن يقتص منه؛ لقول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} .
- مسألة: (وَتُضْمَنُ سِرَايَةُ جِنَايَةٍ) في النفس وما دونها، قال ابن قدامة:(بلا خلاف)؛ لأن السراية أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذا أثرها.
فلو قطع إصبعًا فتآكلت اليد وسقطت من الكوع أو المرفق؛ وجب القصاص في ذلك.
- فرع: (لَا) تضمن سراية (قَوَدٍ) في النفس أو فيما دونها، فلو قطع طرفًا قودًا، فسرى إلى النفس فما دونها؛ فلا شيء على قاطع؛ لما روى عُبيد بن عُمير، أن عمر، وعليًّا رضي الله عنهما قالا:«مَنْ قَتَلَهُ قِصَاصٌ فَلَا دِيَةَ لَهُ» [عبد الرزاق 27674]، ولأنه قطع مستحق، فلا تضمن سرايته؛ كقطع السارق؛ لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون، ولا فرق بين سرايته إلى النفس أو ما دونها.
لكن لو اقتص المجني عليه على الجاني قهرًا - بلا إذنه ولا إذن إمام أو نائبه- مع حال لا يؤمن فيه السراية؛ كحر، أو برد، أو بآلة كالَّة، ونحوه، فسرى فمات؛ لزمه بقية الدية، فيضمن دية النفس منقوصًا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه.
فلو وجب له في يد؛ كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها، وهكذا، قال البهوتي: (ومقتضاه: أنه لو وجب في أنف أو
ذَكَر ونحوه مما فيه دية؛ لا يلزمه شيء).
- مسألة: (وَلَا يُقْتَصُّ) أي: يحرم أن يقتص من جانٍ (عَنْ) جناية (طَرَفٍ وَجُرْحٍ) قبل برء؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقَرْن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقدني، فقال:«حَتَّى تَبْرَأَ» ، ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده، ثم جاء إليه فقال يا رسول الله عَرِجْت! فقال:«قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ الله، وَبَطَلَ عَرَجُكَ» ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ. [أحمد 7034، والدارقطني 3114]، ولأن الجرح لا يدرى أيؤدي إلى القتل أم لا؟ فوجب أن ينتظر ليعلم حكمه.
فإن فعل واقتص للطرف قبل برئه؛ سقط حقه من سرايته، فلو سرى الجرح بعد إلى نفسه؛ فهدر؛ للخبر.
(وَلَا يُطْلَبُ لَهُمَا) أي: لجناية الجرح والطرف (دِيَةٌ قَبْلَ البُرْءِ)؛ لاحتمال السراية.
- مسألة: لا قصاص في الضرب باليد أو بالعصا أو بالسوط، مثل أن يلطمه، أو يلكمه، أو يضربه بعصًا ونحو ذلك، بل فيه التعزير؛ لأنه لا تمكن المساواة فيه.
واختار شيخ الإسلام: أن فيها القصاص، وقال:(ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين)؛ لقول أبي فراس: «خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ