الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لإصلاح الجسم، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار.
واختار ابن عثيمين: وجوب الدواء وأجرة الطبيب على الزوج؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد قال تعالى:{وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19].
- فرع: (وَ) لا يجب على الزوج (ثَمَنُ طِيبٍ)، وحناء ونحوه؛ لأن ذلك من الزينة فلا يجب عليه؛ كشراء الحلي، إلا أن يريد منها التزين به؛ لأنه هو المريد لذلك.
فصل
- مسألة: تنقسم الزوجة التي فارقها زوجها - من حيثُ النفقةُ وعدمُها - إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المطلقة الرجعية: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) النفقة والسكنى (لِـ) ـمطلقة (رَجْعِيَّةٍ)؛ لأنها زوجة؛ لقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228]، ولأنها يلحقها طلاقه وظهاره، أشبه ما قبل الطلاق، وحكاه الماوردي إجماعًا، إلا فيما يعود لنظافتها.
القسم الثاني: المطلقة البائن، سواء بفسخ أو طلاق ثلاث أو على عوض، ولا تخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن تكون بائنًا غير حامل: فلا تجب لها نفقة ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن زوجها طلَّقها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك، قالت: والله لأعلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى» [مسلم: 1480].
وأما قول عمر رضي الله عنه: «لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» [مسلم: 1480]، فقد خالفه علي [عبد الرزاق: 12030]، وابن عباس وجابر رضي الله عنهم [البيهقي: 7/ 475].
(وَ) الحالة الثانية: (بَائِنٌ حَامِلٌ)، فتجب لها النفقة والسكنى؛ لقوله:{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6]، وفي بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» [أحمد: 23773، وأبو داود: 2290، وصححه الألباني]، ولأن الحمل ولد الزوج الذي أبانها فلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها؛ فوجب؛ كأجرة الرضاع، وأما السكنى؛ فلقوله تعالى:(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم).
القسم الثالث: المتوفى عنها زوجها، وأشار إليه بقوله:(لَا) تجب النفقة ولا السكنى (لِمُتَوَفًّى عَنْهَا) زوجها، ولو كانت حاملًا؛ لانتقال التركة للورثة،
ولا سبب للوجوب عليهم، فإن كانت حاملًا فالنفقة من حصة الحمل من التركة إن كانت، وإلا فعلى وارثه الموسر.
قال شيخ الإسلام: (والزوجة المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فروايتان، وإذا لم توجب النفقة في التركة فإنه ينبغي أن تجب لها النفقة في مال الحمل، أو في مال من تجب عليه النفقة إذا قلنا تجب للحمل؛ كما تجب أجرة الرضاع).
وقال في موضع آخر: (النفقة والسكنى تجب للمتوفى عنها في عدتها، ويشترط فيها مقامها في بيت الزوج، فإن خرجت فلا جناح إذا كان أصلح لها).
- مسألة: تسقط نفقة الزوجة عن الزوج بأمور، منها:
المسقط الأول: الحبس، وأشار إليه بقوله:(وَمَنْ حُبِسَتْ) عن زوجها، ولا تخلو من حالين:
1 -
أن يكون الحبس بحق: فتسقط نفقتها اتفاقًا؛ لأنَّها مَنَعَت نفسَها عنه بسببٍ لا مِن جِهتِه؛ فسَقَطَت نَفقتُها.
2 -
أن يكون الحبس ظلمًا: فتسقط نفقتها أيضًا؛ لما تقدم.
واختار ابن عثيمين: أنها لا تسقط؛ لأن تعذر استمتاعه بها ليس من قبلها، فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض.
المسقط الثاني: النشوز، وأشار إليه بقوله:(أَوْ نَشَزَتْ) بأن امتنعت عن بذل حق الزوج له: فإن نفقتها تسقط؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع.
المسقط الثالث: صوم النفل، وأشار إليه بقوله:(أَوْ صَامَتْ نَفْلاً): فتسقط نفقتها؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع.
المسقط الرابع: صوم الكفارة، وأشار إليه بقوله:(أَوْ) صامت (لِكَفَّارَةٍ): فتسقط نفقتها؛ لما تقدم.
المسقط الخامس: قضاء رمضان، ولا يخلو من حالين:
1 -
أن يكون القضاء في وقته الموسع، وأشار إليه بقوله:(أَوْ) صامت (قَضَاءَ رَمَضَانَ، وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها بسبب لا من جهته.
2 -
أن يكون القضاء في وقته المضيق، بأن صامت في آخر شعبان: فلا تسقط نفقتها؛ لأنَّها فعلت ما أوجب الشَّرعُ عليها.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: لا تسقط نفقتها، سواء كان الوقت موسعًا أو مضيقًا؛ لأنه صوم واجب، فهو كالصلاة، سواء فعلته أول الوقت أو آخره، لا فرق.
المسقط السادس: الحج، ولا يخلو من حالين:
1 -
حج الفرض: لا تسقط نفقتها؛ لأنها فعلت ما وجب عليها بالشرع.
2 -
حج النفل، وأشار إليه بقوله:(أَوْ حَجَّتْ نَفْلاً بِلَا إِذْنِهِ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها لسبب لا من جهة الزوج.
فإن كان حج النفل بإذن الزوج؛ فلا تسقط نفقتها؛ لأن حق الاستمتاع له وقد أسقطه، وهو قول في المذهب، واختاره ابن عثيمين.
والمذهب كما في الإقناع، وهو مفهوم الإنصاف والمنتهى: تسقط نفقتها بحج النفل ولو أذن لها؛ لأنها فوَّتت التمكين لأجل نفسها.
المسقط السابع: السفر، ولا يخلو من قسمين:
1 -
أن يكون بغير إذنه: فتسقط نفقتها؛ لأنها ناشز.
2 -
أن يكون بإذنه، فعلى قسمين:
أ) أن تسافر لحاجتها، وأشار إليه المؤلف بقوله:(أَوْ سَافَرَتْ) أي: الزوجة (لِحَاجَتِهَا) ولو (بِإِذْنِهِ) أو سافرت لنزهة، أو لزيارة:(سَقَطَتْ) نفقتها؛ لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء حاجتها.
إلا أن يكون الزوج مسافرًا معها متمكنًا منها، فلا تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: أنها إن سافرت لحاجتها بإذنه فلا تسقط نفقتها؛ لأن الحق له وقد أذن لها فسقط حقه، وإذا سقط حقه من الاستمتاع بإذنه فلا يسقط حقها من النفقة.
ب) أن تسافر لحاجة الزوج بإذنه: فلها النفقة؛ لأنها سافرت في شغله ومراده.
- ضابط عند ابن عثيمين في سقوط النفقة: (الأصل وجوب النفقة بمقتضى العقد، وهذا الأصل لا يمكن سقوطه إلا بمقتضى دليل شرعي، وهو أن يقال: هذه النفقة في مقابل الاستمتاع، فمتى فَوَّتت المرأة الاستمتاع أو كماله على الزوج بدون رضاً منه؛ سقطت نفقتها، ومتى لم تفوته إلا بإذنه فإنها لا تسقط؛ لأنه راضٍ بذلك).
- فرع: (وَلَهَا) أي: للزوجة على زوجها (الكِسْوَةُ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [سورة البقرة: 233]، ولحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» [مسلم: 1218]، ولأنها لا بد منها على الدوام، فلزمته؛ كالنفقة.
- فرع: الكسوة غير مقدرة شرعًا، بل هي على قدر كفاية الزوجة؛ كالنفقة، ولها الكسوة (كُلَّ عَامٍ مَرَّةً)، ولو كانت كسوة العام الماضي صحيحة باقية؛ لأنه العادة، ويكون الدفع إليها (فِي أَوَّلِهِ)؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى ذلك.
واختار شيخ الإسلام وابن عثيمين: أن النفقة والكسوة ليس بتمليك، بل ينفق ويكسو بحسب العادة، فمتى احتاجت للكسوة أعطاها، ومتى استغنت عن الكسوة فلا تلزمه أخرى؛ لأن الواجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، والإنفاق بالمعروف ليس هو التمليك.
- مسألة: (وَمَتَى لَمْ يُنْفِقِ) الزوج على زوجته مدة، لعذر أو غيره، ولو كان غائبًا أو معسرًا؛ لم تسقط النفقة، و (تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ)؛ ولو لم يفرضها حاكم؛ لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما:«أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا» [البيهقي: 15706، وصححه ابن المنذر والألباني]، ولأنه حق يجب مع اليسار والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان؛ كأجرة العقار، بخلاف نفقة الأقارب، فإنها صلة يعتبر فيها يسار المنفِق وإعسار من تجب له، فتسقط.
وعنه، واختاره ابن القيم: لا نفقة لها إلا أن يكون الحاكم قد فرضها لها؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، أن هند بنت عتبة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال:«خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالمَعْرُوفِ» [البخاري: 5364، ومسلم: 1714]، ولم يفرض لها نفقة ما مضى، ولأنها نفقة تجب يوماً فيوماً، فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم؛ كنفقة الأقارب، قال ابن القيم: (وإنما أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما
مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن صحابي البتة، ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة).
- مسألة: (وَإِنْ أَنْفَقَتِ) الزوجة (مِنْ مَالِهِ) أي: مال الزوج، (فِي غَيْبَتِهِ، فَبَانَ) الزوج (مَيِّتاً؛ رَجَعَ عَلَيْهَا) أي: على الزوجة (وَارِثٌ) بما أنفقته منذ مات؛ لأن وجوب النفقة انقطع بموت الزوج، فلا تستحق ما قبضته من النفقة بعد موته.
- مسألة: تجب النفقة على الزوج بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون الزوجة ممن يوطأ مثلها، وهي بنت تسع سنين فأكثر.
فإن كانت الزوجة صغيرة لا يوطأ مثلها؛ فلا تجب النفقة عليها ولو تم تسليمها للزوج؛ لأنها ليست محلًّا للاستمتاع بها، فلا أثر لتسليمها.
وقيل: تجب النفقة للصغيرة ولو كانت ممن لا يوطأ مثلها؛ لأن تعذر الوطء لم يكن بفعلها، فلم يمنع وجوب النفقة؛ كالمرض، قال ابن عثيمين:(ظاهر الكتاب والسنة يدل على أنه يجب الإنفاق عليها؛ لأن موجب الإنفاق قائم وهو النكاح، إلا أن يمنع منه إجماع).
الشرط الثاني: أن يتسلمها الزوج تسلمًا تامًّا؛ بأن لا تُسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها حيث شاء مما يليق بها، وأشار
إليه المؤلف بقوله: (وَمَنْ تَسْلَّمَ) من الأزواج (مَنْ يَلْزَمُهُ تَسَلُّمُهَا) وهي من يوطأ مثلها، (أَوْ بَذَلَتْهُ هِيَ) أي: الزوجة (أَوْ) بذلها (وَلِيُّهَا) للزوج.
فإذا تم الشرطان (وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا) وكسوتها على الزوج؛ لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك؛ كالمُؤْجر إذا سلَّم العين المُؤْجَرة.
فإن منعت تسليم نفسها أو منعها أهلها: فلا نفقة لها؛ لأن النفقة في مقابل التمكين من المستحِّق لعقد النكاح، ولم يوجد.
- فرع: تجب النفقة على الزوج إذا تحقق الشرطان (وَلَوْ مَعَ صِغَرِهِ) أي: صغر الزوج، (وَمَرَضِهِ، وعُنَّتِهِ، وَجَبِّهِ) أي: قطع ذَكَره بحيث لا يمكنه وطء؛ لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك؛ كالمؤجر إذا سلم العين المؤجرة أو بذلها.
- مسألة: (وَلَهَا) أي: للزوجة (مَنْعُ نَفْسِهَا) من زوجها (قَبْلَ دُخُولٍ لِقَبْضِ مَهْرٍ حَالٍّ) إجماعًا، وتقدم في باب الصداق، (وَلَهَا النَّفَقَةُ)؛ لأنها فعلت ما لها أن تفعله.
وعلم منه: أنه لا نفقة لها فيما لو منعت نفسها حيث قلنا: ليس لها منع نفسها؛ لعدم التمكين بلا عذرٍ من قِبَلِه، وذلك في صورتين تقدمتا في
الصداق، وهما:
1 -
إذا منعت نفسها من زوجها قبل الدخول لقبض مهر مؤجل، ولو حلَّ قبل الدخول.
2 -
إذا منعت نفسها بعد الدخول، ولو لقبض مهرها الحال.
- مسألة: (وَإِنْ أَعْسَرَ) الزوج (بِنَفَقَةِ) وكسوة وسكنى (مُعْسِرٍ)، فلم يجد القوت، (أَوْ) أعسر بـ (ـبَعْضِهَا) أي: ببعض نفقة المعسر وكسوته، أو صار الزوج لا يجد نفقة زوجته إلا يومًا بعد يوم، لم يخلُ ذلك من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يكون موسرًا ثم يُعسِر: فإن الزوجة تُخيَّر بين المقام عنده وبين فسخ النكاح؛ لقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]، والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكًا بالمعروف، ولما ورد عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال:«يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» ، قال أبو الزناد: قلت: سُنَّة؟ فقال سعيد: «سُنَّةٌ» [مسند الشافعي ص 266]، قال الشافعي: (والذي يشبه قول سعيد: سُنَّة، أن يكون سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقول أبي هريرة رضي الله عنه:«تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي» [البخاري: 5355]، ولأثر عمر رضي الله عنه السابق، وفيه:«فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا» ، ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العُنَّة لقلة الضرر؛ لأنه فَقْد شهوةٍ يقوم البدن بدونها، فتملك الفسخ.
الحال الثانية: أن تتزوجه وهي عالمة بعُسرته: فلها الخيار بين المقام عنده والفسخ؛ لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم، فيتجدد لها الفسخ كذلك (1).
وعنه، واختاره ابن القيم: أنه ليس لها الفسخ في الحالتين؛ لحديث جابر رضي الله عنه في قصة اعتزاله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرًا، وفيه:«فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ ! » [مسلم: 1478]، قال ابن القيم:(فهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سألاه نفقة لا يجدها، ومن المحال أن يضربا طالبتين للحق، فدل على أنه لا حق لهما)؛ ولأنه لم يزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار، ولم يرفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم، ولأنها إن تزوجته وهو معسر فقد دخلت على بصيرة، كما لو تزوجته وبه عيب وهي عالمة بذلك، وإن تزوجته وهو موسر ثم افتقر؛ فإنه لم تحصل منه جناية ولا عدوان، والله تعالى يقول:{ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7]، وهذا لم يُؤْت شيئًا فلا يكلفه الله.
واختاره ابن عثيمين، وقال:(لكن لا يملك منعها من التكسب).
(1) بخلاف ما لو أعسر الزوج بالمهر وكانت عالمة بعسرته؛ فليس لها الفسخ، وتقدم في الصداق.
الحال الثالثة: أن يَغُرَّ الرجل المرأة بأنه ذو مال، فتتزوجه على ذلك، ثم يتبين أنه معسر: فلها الخيار؛ لما فيه من التغرير بالمرأة، قال ابن القيم:(وهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها).
- فرع: (لَا) يحق للزوجة الفسخ إن أعسر الزوج (بِمَا) أي: بنفقةٍ ماضية باقية (فِي ذِمَّتِهِ)؛ لأن البدن قد قام بدونها، والنفقة الماضية دَيْنٌ، وكالصداق إذا أعسر به بعد الدخول.
- مسألة: (أَوْ) أي: إن (غَابَ) زوج موسر عن زوجته لم يخل ذلك من حالين:
الأولى: ألا تتعذر النفقة عليها، كما لو ترك لها نفقة، أو قُدِر على ماله، أو أمكنها تحصيل نفقتها باقتراض أو نحوه: فليس لها حق الفسخ؛ لأن الإنفاق عليها من جهته غير متعذر.
(وَ) الثانية: إن (تَعَذَّرَتْ) نفقته عليها؛ بأن لم يترك لها نفقة، ولم يُقْدَر له على مال، ولم يُمكِنها تحصيل نفقتها (بِاسْتِدَانَةٍ) أي: اقتراض (أَوْ نَحْوِهَا: فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لأن الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار؛ كحال الإعسار، ولأن في الصبر ضررًا أمكن إزالته بالفسخ، فوجبت إزالته؛ دفعًا للضرر.