المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

1) يغفر له في أوّل دفعة من دمه. 2) ويرى مقعده - السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة - جـ ٢

[محمد الصوياني]

فهرس الكتاب

- ‌اليهود

- ‌ما هي قصة صيام يوم عاشوراء

- ‌يهودي ينتقد المسلمين

- ‌كيف ينادي إلى الصلاة

- ‌رجلٌ من حلم وأذان من وحي

- ‌فرحة لامرأة من الأنصار

- ‌المدينة حريقًا ومذابح

- ‌فماذا توقع أبو بكر

- ‌حراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌السلاح صباحًا .. السلاح مساءً

- ‌نشاط عسكري

- ‌غزوة العُشَيرة

- ‌غزوة الأبواء

- ‌سرية نخلة

- ‌فما هو هذا الخبر

- ‌أهل الصفة

- ‌ماذا حدث يا فضالة

- ‌ملابسكم يا أهل الصفة

- ‌صيام شهر رمضان

- ‌ما هو الصيام

- ‌أحكام جديدة في الصيام

- ‌رقية مريضة

- ‌كيف كان ليل رمضان في مكة

- ‌رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب

- ‌الخروج وأسبابه

- ‌المشورة قبل الانطلاق

- ‌سرية في الانطلاق

- ‌كيف علمت قريش بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌بدر

- ‌أين محمد

- ‌ كيف علم صلى الله عليه وسلم بخروج قريش

- ‌كيف عرف صلى الله عليه وسلم عدد قريش

- ‌عدد الصحابة

- ‌المشورة الثانية

- ‌وجاءت البشرى من الله

- ‌16/ 9/ 2 ه

- ‌مصارع القوم

- ‌المطر .. المطر

- ‌ الصلاة جامعة

- ‌بشرى ومنام

- ‌فعل السبب .. وجعل النتائج على الله

- ‌لماذا يرفض صلى الله عليه وسلم مشاركة حذيفة ووالده

- ‌الصوف الأبيض شعارًا للمسلمين

- ‌النعاس وشيء آخر

- ‌أين رسول الله وأين الملائكة

- ‌عبد الرحمن ابن عوف يتمنى مكانًا آخر

- ‌هل أسلم أبو جهل

- ‌(قم يا حمزة .. وقم يا علي .. وقم يا عبيدة)

- ‌شاهت الوجوه

- ‌علي خائف من الموت

- ‌قصة أمية وعبد الرحمن بن عوف

- ‌أشجع رجلٍ في بدر

- ‌ أين أبو جهل

- ‌ماذا فعل ابن مسعود بأبي جهل

- ‌ثمانية عشر شهيدًا

- ‌قضية الغنائم

- ‌إحراق الغنائم

- ‌قضية الأسرى

- ‌رأيًا لأبي بكر ورأيًا لعمر

- ‌إعدام طاغوت

- ‌بقية الأسري في نعيم

- ‌عفراء حزينة تنوح

- ‌ماذا قالت سودة

- ‌المعجزة

- ‌إطلاق الأسرى دون مقابل

- ‌ماذا عن بقية الأسرى

- ‌الخدمة الاجتماعية بدلًا من الحبس

- ‌كعب بن الأشرف

- ‌وثيقة مكتوبة بين النبي والمسلمين واليهود

- ‌أعلن يهود النضير وقريظة الحرب

- ‌قصة إجلاء بني النضير

- ‌أبو بكر وعمر وعلي يريدون فاطمة

- ‌هل وقع شجار بين حمزة وعلي

- ‌ألا يا حمزة للشرف النواء

- ‌مولد النفاق

- ‌النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالانتفاع بالخمر

- ‌أبو طلحة ومهر أم سليم الغالي

- ‌جبير بن مطعم والهموم

- ‌حمزة بابًا للحرية

- ‌رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌دعاهم ليستشيرهم

- ‌البنات والمعركة

- ‌والد جابر يشرب خمرًا قبل المعركة

- ‌إنهما من الأوائل

- ‌{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

- ‌المرابطون

- ‌بين عينين وأُحد

- ‌البداية دعاء

- ‌بشائر النصر

- ‌هل من مبارز

- ‌ضيفان على المعركة

- ‌ضيف ثالث على المعركة

- ‌ماذا فعل الرماة

- ‌المعركة بأيدي المشركين

- ‌صرخة تقتل حسيلًا

- ‌استشهاد حمزة

- ‌إن محمدًا قد قتل

- ‌استشهد مصعب

- ‌حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان بن الحارث

- ‌شهادة هو اختارها

- ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء

- ‌أول من عرفه صلى الله عليه وسلم

- ‌الرسول يستسقي دماءً

- ‌الشهيد الذي يمشي على الأرض

- ‌النعاس من جديد

- ‌هذا الفارس من أهل النار

- ‌أوجب طلحة

- ‌النبي يبشّر الشهداء

- ‌الصلاة على الشهداء

- ‌ما سر حفاوة الله بوالد جابر

- ‌أبو سفيان وجيشه نادمون

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌شبح على أرض أُحُد

- ‌تحريم النياحة على الميت

- ‌أحب الأسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌إلى أين تتجه الهموم بجابر

- ‌على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جابر يتعلم أدبًا

- ‌جاءت المعجزة

- ‌من أخذ مال سعد بن الربيع

- ‌ما هي عقبى أم سلمة

- ‌رؤيا أم الفضل

- ‌فاطمة تلد حربًا

- ‌عقيقة الحسن

- ‌أم الفضل تضرب الحسن

- ‌تتمادى البراءة فيتمادى الحب

- ‌الرحمة تذهله صلى الله عليه وسلم

- ‌النبي صلى الله عليه وسلم والإماء والمعاقين

- ‌قصة أولها رحمة وآخرها جحيم

- ‌اغتيال خالد بن سفيان

- ‌سرايا لمرثد بن أبي مرثد

- ‌حرم الله الزنا

- ‌عامر بن الطفيل يهدد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌سرية الرجيع

- ‌ماذا حدث لأم سليم رضي الله عنها

- ‌غزوة بني لحيان

- ‌أم سليم تلد طفلًا

- ‌أم سلمة تلد بنتًا

- ‌تغيير اسم برة بنت أبي سلمة

- ‌ذات الرقاع

- ‌أعرابي يحاول قتل النبي صلى الله عليه وسلم بسيفه

- ‌صلاة الخوف

- ‌صفة ثانية لصلاة الخوف

- ‌جابر وجمله الهزيل

- ‌المرأة والرجل

- ‌زريبة للنساء

- ‌زيد بن محمد ليس زيد بن محمد

- ‌ماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم بأسامة لو كان فتاةً

- ‌شاب اسمه جليبيب

- ‌معركة جليبيب

- ‌تطلق زوجها لأنها لا تحبه

- ‌كيف فتحت توراتهم بيوت الدعارة

الفصل: 1) يغفر له في أوّل دفعة من دمه. 2) ويرى مقعده

1) يغفر له في أوّل دفعة من دمه.

2) ويرى مقعده من الجنّة، ويحلى حلة الإيمان.

3) ويزوّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين.

4) ويجار من عذاب القبر.

5) ويأمن الفزع الأكبر.

6) ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها.

7) ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) (1).

مات ذلك الفارس .. ونهض صلى الله عليه وسلم إلى مكان عند صخرة ليستريح وحوله من حوله من الصحابة .. لكن النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يستريح أراد الاطلاع إلى ما آلت إليه المعركة .. فحاول الصعود على الصخرة فلم يستطع .. لأنه كان مرهقًا .. ولأنَّه كان يلبس درعين .. فتأمّله طلحة رضي الله عنه وتأمّل يده تشخب دمًا .. فهانت عليه آلامه ومتاعبه ويده .. فنثرها جميعًا تحت قدميه صلى الله عليه وسلم .. حقًا لقد:

‌أوجب طلحة

يقول الزبير رضي الله عنه: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد "وكان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان"، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لينهض على صخرة، فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهره حتى جلس على الصخرة، قال الزبير: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أوجب طلحة)(2)، أي فعل ما يوجب دخوله الجنّة .. نظر صلى الله عليه وسلم إلى ما أراد أن ينظر

(1) حديث صحيح (صحيح الجامع-2/ 920).

(2)

سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه- ابن حبان (زوائد- 546) واللفظ له والحاكم (3/ 374) وأحمدُ (1/ 165): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن =

ص: 233

إليه (ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتى بالمهراس، فأتاه بماء في درقته، فأراد أن يشرب منه فوجد له ريحًا فعافه، فغسل به الدم الذي في وجهه وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1)، لكن الله سبحانه وفي هذه الساعة المريرة يرسل جبريل عليه السلام إلى نبيه مصححًا .. شارحًا صدره ليتسع لأكثر من هذه المعركة ومآسيها .. ليكون صدرًا من تسامح وهداية لكل الأرض .. فبعد أن (شج في وجهه، وكسرت رباعيته، ورمي رمية على كتفه فجعل يسيل الدم على وجهه، وهو: يمسحه ويقول: كيف تفلح أمة فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ})(2) امتثل صلى الله عليه وسلم فمسح قوله ودمه .. بدعاء كالمطر (اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)(3) .. وجاءت ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها لتغسل الدم عن وجه أبيها كما غسلته أيام مكة المضنية .. يقول أحد الصحابة عليهم السلام: (أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي .. قال: كانت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله، وعليّ بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن،

= عبد الله بن الزبير عن أبيه: ويحيى تابعي ثقة .. والزيادة للحاكم.

(1)

سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه - ابن حبان (زوائد- 546) واللفظ له والحاكم (3/ 374) وأحمدُ (1/ 165): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير عن أبيه: ويحيى تابعي ثقة .. والزيادة للحاكم.

(2)

حديث صحيح رواه مسلم (1791) والترمذيُّ (3003) واللفظ له وسند الترمذيُّ صحيح.

(3)

سنده حسن رواه ابن حبان (3/ 254) والضحاك (4/ 123) من طريق محمَّد بن فليح عن موسى بن عقبة عن الزهري عن أنس، ومحمَّد حسن الحديث- التقريب (1/ 201) وموسى والزهرى إمامان ثقتان ثبتان.

ص: 234

فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلَّا كثرة، أخذت قطعة من حصير وأحرقتها، وألصقتها فاستمسك الدم) (1).

وبعد أن استمسك الدم وهدأت الساحة .. أخبر صلى الله عليه وسلم باستشهاد حمزة ورفاقه، فتكدّر وحزن حزنًا شديدًا .. ثم قال:(من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل أعزل: أنا رأيت مقتله، قال صلى الله عليه وسلم: فانطلق أرناه. فخرج صلى الله عليه وسلم)(2) في الوقت الذي يتحدث البعض عن مقتل النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يروه حتى الآن .. فهم هناك مهمومون في البحث عنه .. يقول أحد الصحابة رضي الله عنه: (فما زلنا كذلك ما نشكّ أنه قتل حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فرقي نحونا وهو يقول:

اشتدّ غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا، حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل:

أعل هبل .. أعل هبل -يعني آلهته-) (3).

(1) حديث صحيح رواه البخاري (4075).

(2)

سنده حسن رواه ابن أبي شيبة (7/ 372): حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدثنا الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه -وهذا السند حسن رجاله ثقات إلا أن في عبد الرحمن بن عبد العزيز كلامًا لا ينزل به عن رتبة الحسن، فهو ثقة كما قال يعقوب بن شيبة .. وهو كثير الحديث عالم بالسيرة كما قال ابن سعد ووثقه ابن حبان وهو من رجال مسلم. أما جرحه فهو غير مفسر. قال الأزدي: ليس بالقوي عندهم .. وقال ابن أبي حاتم شيخ مضطرب الحديث (التهذيب 6/ 220) وقال الحافظ ملخصا أقوال العلماء في التقريب (1/ 489) صدوق يخطئ. وليس هناك من لا يخطئ.

(3)

حديث صحيح وهو حديث ابن عباس عند أحمد وقد مر تخريجه وهو من طريق سليمان =

ص: 235

أطلق أبو سفيان هذه الكلمات المنحطّة منتشيًا بنصر غير مؤكّد .. فقد هزم هو وجيشه في أوّل المعركة .. وكاد الزبير أن يسبي زوجته هند ورفيقاتها .. وجُندل من جيشه سبعون .. ومازال المسلمون يحتفظون بسبعين آخرين في الأسر .. أما المسلمون .. فقد استشهد منهم سبعون .. ولم يؤسر منهم أحد .. لو كان نصر أبي سفيان وجيش الشرك من خلفه حقيقيًا لخلصوا رفاقهم من الأسر وطاردوا المؤمنين إلى المدينة .. وهي قريبة من أُحد.

لكن المشركين لم يصدقوا أنهم قتلوا حمزة .. لم يصدقوا أنهم نجوا مما حدث في أوّل النهار .. وكان أعلى ما حصلوا عليه هو إطلاق إشاعة موت الرسول صلى الله عليه وسلم .. هم أطلقوها .. وهم صدّقوها ..

أمّا المسلمون .. فيعتبرونها خسارة إذا ما قارنوها ببدر .. أو قارنوا أوّل النهار بآخره .. لكن المعركة في الميزان العسكري .. نصر للمؤمنين .. وهم الأعلون الآن فوق الجبل .. وأبو سفيان في أسفل الجبل يزعج الجبال والفضاء ويقول: أعل هبل .. ولما لم يجد إجابة لهذا الاستفزاز .. ألحق به استفزازًا آخر فقال: (أين ابن أبي كبشة .. أين ابن أبي قحافة .. أين ابن الخطاب)(1)، فلم يجبه أحد فأصبح أكثر تعقّلًا وتأدّبًا، فقال:

(أفي القوم محمَّد ..

أفي القوم محمَّد ..

أفي القوم محمَّد .. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال:

أفي القوم ابن أبي قحافة ..

= ابن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.

(1)

حديث صحيح وهو حديث ابن عباس عند أحمد وقد مر تخريجه وهو من طريق سليمان ابن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.

ص: 236

أفي القوم ابن أبي قحافة ..

أفي القوم ابن أبي قحافة، ثم قال:

أفي القوم ابن الخطاب ..

أفي القوم ابن الخطاب ..

أفي القوم ابن الخطاب ..

ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا.

فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك) (1) .. (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال عمر:

لا سواء .. قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار، قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلًا (2) .. ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا .. ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه قد كان ذلك فلم نكره) (ستجدون في القوم مثلة (3) لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز: أعل هبل .. أعل هبل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا:

الله أعلى وأجلّ

قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزّى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا

(1) حديث صحيح رواه البخاري (3041) والحديث جاء دون تكرار إنما قال الراوي: ثلاث مرات.

(2)

أي ستجدون تشويها بجثث أصحابكم وتقطيعًا.

(3)

أيضًا ستجدون تشويهًا بجثث أصحابكم وتقطعًا.

ص: 237

تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) (1)، عندها خسئت ألفاظ الشرك .. وتهاوى تمجيد الأصنام .. أمام هذا التوحيد النقيّ الذي لا تشوبه شائبة .. لكن أحد المشركين أراد التطاول على هذا الإخلاص المتوهّج في صدر محمَّد وصحبه عليهم الصّلاة والسّلام .. أراد أن يحمل أصنامه إلى رحاب الله .. فكيف كانت العاقبة .. ؟ يقول بريدة رضي الله عنه:

(إن رجلًا قال يوم أُحد: اللهمّ إن كان محمَّد على الحق فاخسف به .. قال: فخسف به)(2)، ورأى المشركون المعجزة بأعينهم .. فالتهمت بقية معنوياتهم كما التهمت الأرض ذلك المتطاول .. فولّوا مدبرين إلى مكّة على عجل خشية أن يهبّ المؤمنون مرة أخرى .. فيخطفوا بقايا الفرح التي التقطوها من أرض أُحد ..

وقد يتساءل بعض المشركين وهو في طريق عودته: إذا كان الله قد أعطى محمدًا المعجزات كقتل أبي بن خلف .. والخسف بهذا الرجل .. فلماذا لم ينصره علينا وعلى الدنيا نصرًا مؤزرًا حتى الآن .. ؟! وقد غاب عن ذهن هذا المتسائل المسطح .. أن الإِسلام لا ينتشر بالمعجزات ولا بالخوارق .. لأنها تأتي مع الأنبياء وتغادر معهم .. أمّا الإِسلام فقد جاء للبشر .. وبجهدهم -بعد الله- ينتشر وينداح .. وينتصر .. وبانحطاطهم

(1) حديث صحيح رواه البخاري (3041).

(2)

سنده حسن رواه البزار (زوائد-2/ 329) حدثنا عبدة بن عبد الله أنبأنا زيد بن الحباب، أنبأنا الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال الهيثمي رحمه الله: رجاله رجال الصحيح .. وهو كما قال إلا أن زيدا من رجال مسلم فقط وحديثه حسن إذا لم يخالف -التقريب (1/ 273) شيخ البزار من رجال البخاري فقط وهو الصغار- ثقة: التقريب (1/ 530) والحسين بن واقد ثقة من رجال مسلم (السابق-1/ 180) وعبد الله تابعي ثقة من رجال الشيخين.

ص: 238

وتخلّفهم وسطحية فهمهم يتحوّل الإِسلام إلى ضحية .. إلى خزانةٍ ضخمةٍ مليئة بالتهم .. يلقي فيها الناس عيوبهم ..

ها هم أفضل الناس .. أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم .. عندما عصوه -مجتهدين- انقلبت المعركة على رؤوسهم ورؤوس أصحابهم الملتزمين بأوامره .. ولم تسعفهم المعجزات ولا الدعوات .. (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)(1).

أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد هبّ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. بعد إدبار المشركين .. فبدأ بالدعاء لجبر ما انكسر من الداخل ..

دعاء الواثق .. لا دعاء ذلك الغارق بين طبقات الأرض .. وذلك:

(لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

استووا حتى أثني على ربيّ، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهمّ لك الحمد كلّه، اللهمّ لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعد لما قرّبت، اللهمّ أبسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهمّ إنّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، "اللهمّ إني أسألك النعيم المقيم يوم القيامة"، اللهمّ إني أسألك النعيم يوم الغلبة، والأمن يوم الخوف، اللهمّ إني عائذ بك من شرِّ ما أعطيتنا، وشرِّ ما منعت منّا، اللهمّ حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهمّ توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا

(1) حديث صحيح انظر صحيح الجامع الصغير.

ص: 239

مفتونين، اللهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، اللهمّ اجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهمّ قاتل "كفرة أهل الكتاب" إله الحق) (1).

هدأت الأنفس مع الله .. واطمأنت الأرواح بهذا الدعاء .. فالأمر لله من قبل ومن بعد .. ولا رادّ لقضائه .. لله خرجوا وبه قاتلوا .. والحمد لله على كل حال .. تهادى صلى الله عليه وسلم وأصحابه خلف ذلك الرجل الأعزل الذي مشى أمامهم ليدلّهم على مقتل حمزة .. مشى الرجل (حتى وقف على حمزة، فرآه قد بقر بطنه، وقد مُثّل به، فقال: يا رسول الله .. مثّل به والله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه)(2)(وقد جدع ومُثّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها تركته حتى تأكله العافية، فيحشر من بطونها)(3) أي من بطون الوحوش ..

وصفية هذه التي خاف عليها صلى الله عليه وسلم هي عمّته .. صفية بنت عبد المطلب .. وهي شقيقة حمزة وأم الزبير بن العوام .. وهي المقصودة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع)(4) .. (ثم

(1) سنده قوي رواه البزار (زوائد-2/ 130) والحاكم (1/ 686) والبخاريُّ في الأدب المفرد (حديث 699) والبيهقيُّ في الاعتقاد (2/ 453) كلهم من طريق عبد الواحد بن أيمن المكي. حدثني عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه قال: وعبيد بن رفاعة تابعي ثقة ولد على عهده (ص) وثقه العجليّ- التقريب (1/ 543) وعبد الواحد تابعي صغير من رجال مسلم قال في التقريب: لا بأس به (1/ 525) وقد روي عنه هذا الحديث ثقتان هما خلاد بن يحيى وهو من كبار شيوخ البخاري ومروان بن معاوية وهو ثقة حافظ.

(2)

سنده جيد رواه ابن أبي شيبة (7/ 372) لكن يشهد لأوله ما بعده.

(3)

سنده حسن رواه جماعة عن أسامة بن زيد الليثي عن الزهريّ عن أنس .. وأسامة حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال مسلم انظر التقريب (1/ 53) والحديث رواه أبو داود (3136) والترمذيُّ (1016) والبيهقيُّ (4/ 10 سنن) والدارقطنيُّ (4/ 116) والحاكم (1/ 519) والطبرانيُّ (3/ 144) وحسنه الشيخ الألباني.

(4)

سنده ضعيف لكنه حسن بما قبله .. رواه ابن أبي شيبة (7/ 372) والبيهقيُّ (سنن -

=

ص: 240

دعا بنمرة، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدوها على رأسه واجعلوا على رجليه الحرمل) (1)، وهو نبات صحراوي يستعمل في الطب .. استعمله صلى الله عليه وسلم لتكفين الراقد الذي كان يزرع الرعب في قلوب المجرمين وينثر الاطمئنان على صدور المومنين .. هذا الراقد الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم:(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب)(2) .. ثم توجه صلى الله عليه وسلم إلى راقد آخر .. وقف عند قبره وتأمّله طويلًا .. راقد جمع المجد من أطرافه .. جمع العلم والفروسية .. على يديه تعلمت المدينة كتاب الله وأصغت إليه طريًا من فمه الطاهر .. إنه شاب ترك مال أمه وأبيه .. ترك الجاه والثراء .. لا لأنه حرام .. ولكنه كان مرهونًا بالشرك .. فرفض الشرك ورفض كل شيء يقدمه الشرك وأهله .. التحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعلّم منه وتعلم القرآن .. ثم أرسله صلى الله عليه وسلم وحيدًا إلى المدينة .. يشع في دورها ويفوح عبيره في أبياتها .. وها هي قصة حياته وشقائه ومعاناته تمرّ في مخيلة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. ها هو مصعب راقد بسلام والحزن من حوله أثقل من جبل أحد .. ها هو أحد الذين كانوا يعانون الأمرّين مثل مصعب .. خباب بن الأرت رضي الله عنه يقول عن رفيقه مصعب: (هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم: مصعب بن عمير

= 4/ 12) والطبرانيُّ (3/ 142) والبزار- زوائد (2/ 372) كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس. ويزيد ضعيف.

(1)

سنده حسن رواه جماعة عن أسامة بن زيد الليثي عن الزهريّ عن أنس .. وأسامة حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال مسلم انظر التقريب (1/ 53) والحديث رواه أبو داود (3136) والترمذيُّ (1016) والبيهقيُّ (4/ 10 سنن) والداردطني (4/ 116) والحاكم (1/ 519) والطبرانيُّ (3/ 144) وحسنه الشيخ الألباني.

(2)

انظر صحيح الجامع للشيخ ناصر.

ص: 241

قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلَّا نمرة، كانوا إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر) (1).

وهو نبات طيّب الرائحة لكن مصعبًا أطيب منه .. يقول أبو ذر رضي الله عنه: (لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُد مرّ على مصعب مقتولًا على طريقه فقرأ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ})(2){فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (3).

هذه الآية التي نزلت قبل قليل .. تلاها صلى الله عليه وسلم وهو يمر بجسد مصعب

(1) حديث صحيح رواه البخاري (1276) وابن أبي شيبة (7/ 367) واللفظ له.

(2)

إسناده حسن رواه الحاكم (3/ 200) حدثني محمَّد بن صالح بن هانئ، حدثنا يحيى بن محمَّد بن يحيى الشهيد، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الأعلي بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير عن أبي ذر .. وعبيد: وعمير ولد على عهد النبي (ص) وذكر البخاري أنه رأى النبي (ص) وقد أجمع على توثيقه، انظر: التهذيب (7/ 71) وجامع التحصيل (285) وتلميذه الذي يروي عنه صدوق أظن الحافظ قد أخطأ بحعله من السادسة، والأَولى أن يكون من الخامسة أو الرابعة لأن ابن عمر توفي قبل عبيد .. وعبد الأعلى ثقة فقيه- التقريب (1/ 464) وحاتم حسن الحديث إذا لم يخالف .. قال الحافظ: صحيح الكتاب صدوق يهم وهو من رجال الشيخين- التقريب (1/ 137) وعبد الله الحجبي ثقة من رجال البخاري (التقريب- 1/ 430) يحيى هو الذهلي الثقة الحافظ (التقريب-2/ 357) وتلميذه هو الثقة الحافظ الزاهد أبو جعفر الوراق .. قال ابن الجوزي .. كان له فهم وحفظ وكان من الثقات لا يأكل إلا من كسب يده. وقال عنه ابن يعقوب: صحبت محمَّد بن صالح ما رأيته أتى شيئًا لا يرضاه الله ولا سمعت منه شيئًا يسأل عنه وكان يقول الليل (المنتظم-6/ 370) وقد رواه البيهقي (3/ 284) من طريق الحاكم (3/ 24) بسند صحيح.

(3)

أكملت الآية للفائدة.

ص: 242

الطاهر .. وكان في نزولها تكريم لهؤلاء الرجال الذين صدقوا مع الله في عهودهم .. فمنهم من قضى نحبه ووفى بعهده كمصعب وحمزة .. وهناك من قضى نحبه وهو لا يزال حيًا مثل طلحة بن عبيد الله .. الذي شلت يده وارتقى صلى الله عليه وسلم على ظهره ثم قال له: أوجب طلحة .. أي أتى بعمل صالح أوجب له الجنّة ..

وهناك من ليس بين الأحياء ولا يتبين بين الأموات .. إنه أنس بن النضر عم أنس بن مالك الذي يقول: (نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ})(1) لكن أين أنس .. ؟ لا أحد يدري .. كما أن المشركين لم يأخذوا معهم أسرى وإلاّ لقلنا إنه معهم .. سنترك بعض الصحابة ليبحثوا عن أنس بينما نتعقب هذه المرأة لنرى ما تفعله على أرض أُحُد .. إنها فاطمة بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو بن حرام .. وزوجة عمرو بن الجموح .. وعمّة جابر بن عبد الله .. وهي تحمل حزنًا كالجبال .. فقد فقدت آخاها وزوجها .. فأذهلها الوجد عمّا يجري حولها .. فاتّجهت إلى زوجها فحملته على بعير .. واتجهت إلى أخيها فحملته أيضًا وعادلتها على ذلك البعير .. ثم أمسكت بخطام البعير ومضت مهمومة نحو المدينة .. مهمومة لكنها متماسكة بالإيمان بقضاء الله وقدره.

لقد مضى عبد الله ومضى عمرو وربما استشهد أبناؤها الأربعة أو بعضهم .. فأي حزن تحمله هذه المرأة المسكينة .. وماذا ستقول لجابر وأخواته .. تابعت هذه المسكينة سيرها وحزنها وصبرها نحو المدينة .. بينما كان جابر لا يزال مرابطًا مع النظارين على مشارف المدينة .. فإذا به

(1) حديث صحيح رواه البخاري (4783).

ص: 243

يشاهدها ويشاهد فجيعتها على ظهر البعير .. يقول رضي الله عنه: (فبينا أنا في النظارين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي) عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي:

ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما) (1) إلى أُحد حيث كان صلى الله عليه وسلم يشرف على تكفين الشهداء استعدادًا لدفنهم .. وعاد من حَمَل قتيله بقتيله من المدينة .. ووصل جابر وعمتّه وربما بعض أخواته المسكينات .. وترجّل الفارسان عن البعير .. فانهمرت دموع جابر على وجه والده الحنون .. وتعالى نشيجه وحرقته عليه .. فرآه الصحابة .. فنهوه عن ذلك .. بينما كان صلى الله عليه وسلم شاخصًا إلى هذا الكرب .. متألمًا ومبشرًا .. يقول جابر الحزين رضي الله عنه: (لما قتل أبي يوم أحُد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني وهو لا ينهاني، وجعلت عمتي فاطمة تبكيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

تبكيه، أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى رفعتموه) (2)، هذه هى البشرى الأولى .. أما الثانية فهي في طريقها من السماء إلى هذا الراقد بسلام.

(1) سنده صحيح رواه أحمد (3/ 397) وأبو داود والنسائيُّ مختصرًا: حدثنا أبو عوانة وشعبة وسفيان كلهم عن: الأسود بن قيس عن نبيح العنزى عن جابر.

فالأسود بن قيس تابعي ثقة من رجال الشيخين (التقريب- 1/ 76) وشيخه ثقة وقد أخطأ الحافظ رحمه الله عندما قال في التقريب إنه: (مقبول) فهو ثقة وإن لم يعرفه الحافظ ابن المديني رحمه الله فقد عرفة أبو زرعة فقال: ثقة، والعجليّ فقال: ثقة، وصحح حديثه كل من ابن خزيمة والترمذيُّ، وابن حبان، والحاكم انظر الجرح والتعديل (8/ 508) والتقريب (2/ 297) والتهذيب (10/ 417).

(2)

حديث صحيح رواه البخاري (1244).

ص: 244

كانت البشائر كالمطر على أجساد وأرواح الشهداء .. ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يشاهد إحداها .. تحلّق فوق جثمان حنظلة بن أبي عامر .. الذي انسلّ من فراش حبيبته ليسلّ سيفه وروحه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فقدهما على أرض أحد .. إنه منظر مهيب .. الملائكة تقوم بتغسيله .. فيتساءل النبي صلى الله عليه وسلم عن سرّ هذه الكرامة .. سمع الزبير ذلك التساؤل فقال:

(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث "فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم تغسله الملائكة "فاسألوا صاحبته" فسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة)(1)، ومنذ ذلك اليوم صاروا يسمونه "غسيل الملائكة" ..

عُرف الشهداء كلّهم إلَّا واحدًا .. الجميع يبحث عنه .. والجميع يتحدّث عن بسالته .. فأين هو .. أين عمّك يا أنس بن مالك .. أين أنس ابن النضر .. ؟ إنه ليس بين الأحياء ولم يتعرف إليه أحد بين الشهداء .. وتأتي إجابة أنس ممزوجة بالحزن والإعجاب .. بالوفاء والبطولة النادرة ..

لم يتعرف أحد على جثته .. لكن أخته الربيع بنت النضر قدمت من المدينة من أجله .. طافت بين الشهداء وقتلى المشركين فلم ترَ وجه أخيها أنس .. وبينما هي تطوف توقفت أمام جسد أثار انتباهها .. ثم جلست

(1) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه السراج (الإصابة- 13/ 299) ومن طريقهما رواه الحاكم (3/ 204): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده .. وهذا السند مر معنا كثيرًا وهو صحيح .. فيحيى ووالده تابعيان ثقتان.

ص: 245