الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقط .. بل كان إذا اشتدت حاجتهم يتحرك ويحرك المدينة كلها من حولهم .. يقول أحد أبناء أبي بكر الصديق:
(إن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث .. ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس" .. بسادس .. وأن أبا بكر جاء بثلاثة .. وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة) (1).
مأساة هم أهل الصفة وارتحال وقصص باكية .. تنصت لها الأجيال بإجلال .. هذا أحدهم: قرة بن إياس يقص لابنه ما جرى لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسم ابنه معاوية .. معاوية ينصت لأبيه وهو يقول:
(لقد عمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان .. ثم هل تدري ما الأسودان؟ قال معاوية: قلت: لا .. قال: التمر والماء)(2) هذا هو الطعام وهذا هو الشراب فما هي:
ملابسكم يا أهل الصفة
لو شاهدتهم لبكيت .. ولاستحيوا منك وأنت تنظر إليهم .. وتنظر إلى تلك الأشياء التي ألقوها على أجسادهم .. يسمونها ملابس وما هي بملابس .. لو استمعت إليهم وهم يستغيثون:
(1) متفق عليه قاله أبو نعيم ورواه في الحلية (1/ 338).
(2)
سنده صحيح. رواه أبو نعيم في الحلية من طريق روح بن عبادة
…
ورواه جعفر بن سليمان، قالا: حدثنا بسطام بن مسلم عن معاوية بن مرة قال: قال أبى
…
وروح وجعفر ثقتان
…
وشيخهما بسطام بن مسلم العوذى ثقة من رجال التقريب (1/ 97) وشيخه هو التابعى الجليل، العالم الثقة معاوية بن قرة بن إياس المزني من رجال الشيخين (التقريب 2/ 261) انظر الحلية (2/ 22 - 33).
(يا رسول الله قد أحرق التمر بطوننا وتخرقت عنا الخنف)(1) الكتانية الغليظة الرديئة ..
من يصدق أنه (كان من أهل الصفة سبعون رجلًا ليس لواحدٍ منهم رداء)(2) .. لقد كان ذلك .. رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم أحد الصحابة وتحدث للجميع بما رآه فقال رضى الله عنه:
(رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من ذلك .. ، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته ..)(3) فهو لا يملك غيره ولا يملك ثمن سراويل أو ملابس داخلية تستر عورته .. وفي تفصيل آخر يقول: (رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته)(4).
إن من يطلع على تلك المآسى التي تلوَّى منها أولئك الفقراء العظماء ليظن أن هؤلاء مجرد فقراء مساكن جاءوا يبحثون عن الطعام والشراب
(1) مر معنا وهو صحيح.
(2)
سنده قوي. رواه أبو نعيم -الحلية- (1/ 339) حدثنا محمَّد بن محمَّد بن إسحاق حدثنا زكريا الساجى حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثنا عمي عبد الله بن وهب، عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة
…
وشيخ أبى نعيم هو أبو أحمد الحاكم إمام وحافظ عصره (طبقات الحفاظ 338) وشيخه ابن يحيى الساجى ثقة فقيه من رجال التقريب (1/ 262) وأحمدُ صدوق من رجال مسلم (التقريب 1/ 19) وعمه ثقة حافظ عابد (السابق 1/ 460) وابن غزوان ثقة من رجال الشيخين (المصدر السابق 2/ 113) والتهذيب (8/ 297) وأبو حازم هو الأشجعى واسمه سلمان وهو تابعى ثقة من رجال الشيخين (1/ 315).
(3)
رواه أبو نعيم (1/ 341) من طريق الإمام أحمد بسند قوي وانظر ما بعده فهو هو
…
(4)
حديث صحيح. رواه البخاري (442).
والمأوى .. وهم -والله- ما قدموا من أجل لقمة أو رغيف .. ولم يتسللوا من أجل صُفة متواضعة إذا ضربها المطر ساعة أمطرت عليهم ساعات .. وابتلت ثيابهم وجنوبهم وظهورهم والأرض التي يتوسدونها .. إن هؤلاء العظماء .. فروا من العيش الرغيد وتركوا الأهل والأموال والعشيرة وربما الخدم .. تركوا الدنيا بكل زخارفها لأنها كانت تركن إلى صنم .. لأنها كانت تلوذ بغير الله .. واتجهوا بكليتهم .. بعواطفهم ومهجهم إلى الله سبحانه وتعالى .. وتسللوا والناس نيام إلى صفة لا تقي من البرد ولا من الجوع .. لكنها صفة تستدفئ بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يعمرها القرآن .. ويزينها الإيمان .. تمر بها عائشة رضي الله عنها ذات ليلة فتقف عندها مأسورةً مأخوذةً .. فتبطئ الخطا وتبطئ على زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم تعود .. وعندما تصل يسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أين كنت .. ؟ قلت: يا رسول الله سمعت قراءة رجل في المسجد ما سمعت مثله قط .. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وتبعته .. فقال لي: ما تدرين من هذا؟ .. قلت: لا .. قال: هذا سالم مولى أبي حذيفة .. ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتى مثل هذا)(1).
عبد فقير يفخر به صلى الله عليه وسلم .. ويشكر الله سبحانه أن وهب هذه الأمة مثله .. إن أمة تفخر بالموالي والعبيد كما تفخر بالأشراف لأمة عظيمة .. وإن دينًا يتساوى فيه البشر ليستحق الخلافة في الأرض .. كل الأرض ..
(1) سنده صحيح. رواه ابن المبارك وأبو نعيم في الحلية (1/ 371) من طريق: حنظلة بن أبي سفيان عن عبد الرحمن بن سابط عن عائشة رضي الله عنها قالت: استبطأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فلما جئت قال لي: أين كنت؟ هذا السند صحيح. حنظلة شيخ ابن المبارك وشيخ الوليد عند أبي نعيم ثقة حجة (التهذيب 3/ 60) والتقريب (1/ 206) وشيخه عبد الرحمن بن سابط تابعى ثقة (التقريب 1/ 480) والتهذيب (6/ 180).
ويستحق أن تنقطع الأعناق في الصحاري والقفار بحثًا عنه .. في يوم من الأيام يقرر أحد المؤمنين أن يترك أهله ودياره .. يقرر أن يلتحق بتلك الصفة المتواضعة خوفًا على دينه .. أيام تمر وليالي تمضي وهو يسير مع غلامه في طريق الهجرة .. وذات يوم وعندما خيَّم الليل .. يقرر ذلك الغلام الفرار والهرب من سيده فيفعل .. ويتركه وحيدًا مع الليل الخوف .. فيواصل سيده المسير دون تردد وتلك الليلة المشحونة بالهموم والوحدة والإرهاق تملأ صدره .. فيتنهد شعرًا ويقول:
يا ليلة من طولها وعنائها
…
على أنها من دارة الكفر نجَّت
مسافر بلا رفيق .. وليل طويل .. وطريق غير آمنة .. كل ذلك يهون لأن كل ذلك يؤدي إلى المدينة .. سكن ذلك المسافر في الصفة وتخرج منها ليكون أعظم علماء الإِسلام في الحديث .. تخرج هو وغيره من تلك الصفة علماء لأنها لم تكن ملجأ فقط .. لقد تحولت إلى كتاب مفتوح منذ ذلك اليوم الذي خرج فيه صلى الله عليه وسلم على أهل الصفة وحدثهم .. عقبة بن عامر كان أحد الحاضرين سألناه ماذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عقبة فقال:
(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال:
"أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم" .. فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك .. قال صلى الله عليه وسلم: "أفلا يغدو أحدكم إلى السجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع .. ومن أعدادهن من الإبل") (1) الإبل التي هي أنفس ما يملكه العربي .. حولها الإِسلام إلى أشياء رخيصة أمام أحرف العلم ..
(1) حديث صحيح. رواه الإمام مسلم، صلاة المسافرين.
وحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم عن العلم والمال وأمرهم أن يحفظوا هذا الحديث فقال:
"وأحدثكم حديثًا فاحفظوه .. إنما الدنيا لأربعة نفرٍ:
"عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا .. فهو يتقى فيه ربه .. ويصل فيه رحمه .. ويعمل لله فيه حقًا .. فهذا بأفضل المنازل.
وعبدٍ رزقه الله تعالى علمًا ولم يرزقه مالًا .. فهو صادق النية" .. يقول: "لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء.
وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم .. لا يتقى فيه ربه .. ولا يصل فيه رحمه .. ولا يعمل لله فيه حقًا .. فهذا بأخبث المنازل.
.. وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان .. فهو بنيته .. فوزرهما سواء") (1) .. لذلك فقد انطلق أهل الصفة نحو العلم .. وانطلق أغنياء الصحابة نحو العلم ونحو أهل الصفة وغيرهم من الفقراء ..
وانطلق الأنصار .. وتفجر كرمهم من جديد .. وفاح عبيرهم .. وتوهجت شمسهم نحو أهل الصفة والفقراء ..
ها هم يقومون بأعمال أشبه بالمعجزات .. أشبه بالخيال .. لأنهم ينجزونها كلها في اليوم والليلة .. وفي كل يوم وليلة .. يحدثنا عنهم أنس بن مالك فيقول: إنهم رجال (من الأنصار يقال لهم "القراء" فيهم خالي "حرام" يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل
(1) حديث صحيح. صححه الإمام الألباني في صحيح الجامع وصحيحي الترمذيُّ وابن ماجه.
الصفة وللفقراء) (1).
ألم أقل إنه عمل أشبه بالمعجزات .. قبل شروق الشمس ينهضون .. يصلون .. ثم يستسقون لأهل المدينة .. يضعون لهم الماء في المسجد مسبلًا للعطشان وابن السبيل ولمن يمر أو يقيم في المسجد .. ثم يتوجهون كالحياة إلى خارج المدينة تهوي فؤوسهم وسواعدهم .. يحتطبون ويكدحون .. ثم يذهبون به إلى بيوتهم؟
لا .. بل إلى السوق حيث يمارسون البيع والشراء .. يبيعون الحطب ويشترون بثمنه طعامًا لأهل الصفة وللفقراء الآخرين .. هذا هو نهارهم سقاية .. وكدح .. بيع وشراء .. ثم صدقة طيبة يدخلون بها البسمة إلى قلوب إخوانهم المساكين .. فإذا جن الليل عليهم توجهوا إلى مدرسة الإِسلام ومنبع ثقافته .. إلى المسجد .. يقرأون القرآن .. ويتدارسون العلم ويصلون .. لا تدري أهم علماء .. أم عمال، أم عباد، أم تجار؟
…
إنهم الحياة إذا رسمها القرآن ونفثت فيها السنة .. إنهم العطاء بكل أبعاده وأعماقه وآفاقه .. إنهم الأنصار .. ولا تعرف الدنيا للأنصار مثيلًا ..
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد انطلق من جديد .. يكثف الشعور بالمساكين والفقراء.
انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الجميع بوحيٍ جميلٍ وجديد .. وحي يجعل من الإحساس بالفقر والفقراء عبادةً جديدةً .. الإِسلام من جديد يقدم للفقراء الهدايا والهبات والمشاعر .. فبعد أن مر شهر رجب من السنة الثانية .. وحل بعده شهر شعبان أصبح المؤمنون ينتظرون هذا الجديد الجميل الذي سيطل مع إطلالة هلال شهر رمضان القادم .. فرمضان هذه
(1) حديث صحيح. رواه الإمام مسلم، الإمارة.