الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مُهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه، فلا تُسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممّن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه) (1) لكن ماذا فعل بنو قريظة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم .. لقد ظلوا على يهوديتهم المحرفة ولم يسلم إلا القليل .. القليل منهم .. لكن بعض اليهود لم يكتفوا بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .. بل حاولوا نقض المصالحة وهدم الجسر الذي شيده صلى الله عليه وسلم بعد وصوله للمدينة بين أهلها جميعًا كفارًا ويهودًا ومسلمين .. وكان أحد هؤلاء وأبرزهم يهودي حاقد .. يهودي شرير أطلق لسانه بالشتم والسباب .. ووظف موهبته الشعرية في الهجاء والسخرية من الله ورسوله وكتابه ودينه ومن دولة الإِسلام وأهلها .. ومع ذلك يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح والتحمل وعدم فتح جبهة مع هذا الخائن أو ذاك .. صالحهم صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأن يعيشوا في دولة واحدة متعاونين على أعدائها متناسين ما بينهم من خلاف .. لكنهم خانوا العهد والميثاق .. وتنكروا لحسن الجوار والأخلاق .. وكان رأس الفتنة هذا يسمى:
كعب بن الأشرف
يحدثنا عنه وعن شعره أعلم الناس بشعره .. شاعر الأنصار كعب بن مالك يتحدث عن كعب بن الأشرف فيقول: (إن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاطًا: منهم
(1) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير 1/ 294) حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي .. وهذا الشيخ صحابيّ وتلميذه تابعي ثقة سبق الحديث عنه في الحديث السابق.
المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان .. ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشرك، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر والعفو، فقال تعالى:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} .
وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوا كعبًا .. فبعث إليه سعد محمَّد بن مسلمة وأبا عبس والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط) (1) فقال صلى الله عليه وسلم: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمَّد بن مسملة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذن لي رسول الله أن أقول شيئًا. قال صلى الله عليه وسلم: قل)(2) أي سمح له ببعض الكلمات التي يمس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يخدع بها
(1) سنده صحيح. أرسله البيهقي (3/ 197) ووصله أبو داود (3000) ومن طريقه رواه البيهقي: حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس أن الحكم بن نافع حدثهم، قال: أخبرنا شعيب عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم والحديث صححه الإِمام الألباني في صحيح أبى داود (3000) فالزهري وعبد الرحمن تابعيان ثقتان وشعيب ثقة ثبت من أثبت الناس في الزهريّ (التهذيب 4/ 351: وتلميذه ثقة ثبت من رجال الشيخين (التقريب 1/ 193) وتلميذه هو الحافظ الجليل والإمام الثقة المشهور (الذهلي).
(2)
حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ والبيهقى (3/ 195).
كعب بن الأشرف ويتمكن من استدراجه حتى يجهز عليه ويتخلص منه ومن خيانته. وجاءت ساعة التنفيذ فـ (مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال:
انطلقوا على اسم الله .. اللَّهم أعنهم) (1).
إذًا فقد (بعث إليه سعدُ؛ محمدَ بن مسلمة وأبا عبس والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط أتوه عشية، وهو في مجلسهم بالعوالي، فلما رآهم كعب أنكرهم وكاد يذعر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءت بنا إلك الحاجة. قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها. فدنا إليه بعضهم، فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا لنا لنستنفق أثمانها. فقال: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم، قد نزل بكم هذا الرجل. فواعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنهم الناس، فجاءوا، فناداه رجل منهم، فقام ليخرج فقالت امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب، فقال: بلى إنهم قد حدثوني حديثهم، فاعتنقه أبو عبس وضربه محمَّد بن مسلمة بالسيف، وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته)(2) فغرق الحاقد بدمائه .. وكان لهذا الغرق تفاصيل أخرى يرويها أحد الأنصار وهو جابر بن عبد الله فيقول: (قام محمَّد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فَأْذَنْ لي يا رسول الله أن أقول شيئًا. قال: قل. فأتاه محمَّد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك
(1) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (3/ 200): حدثنى ثور بن زيد الديلى عن عكرمة عن ابن عباس .. وفي هذا السند صرح ابن إسحاق بالسماع من شيخه ثور الديلى وشيخه ثقة من رجال الشيخين. التقريب (1/ 120) وشيخ زيد هو الإمام الثقة تلميذ ابن عباس رحمه الله.
(2)
جزء من حديث أبي داود والبيهقيُّ السابق.
أستسلفك. قال كعب: وأيضًا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين ..
فقال كعب: نعم أرهنوني .. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: أرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللامة (1).
فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصين، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمَّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة ..
قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب ....
فقال محمَّد: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فترل إليه متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت اليوم ريحًا أطيب. قال كعب: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب. فقال محمَّد: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه، ثم أشم أصحابه ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه) (2) .. وبشروه بالقضاء على هذا اليهودي .. أحد سادات يهود بني النضير .. هذا الحدث لم يكن بسيطًا .. كان أثره عميقًا في نفوس يهود بن النضير بل إنه قد هز أعماق
(1) أي الدروع أو السلاح.
(2)
حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ والبيهقيُّ (3/ 195 - 196).