الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينظر إلى حبيبته وردة تذبل يومًا بعد يوم .. تذبل ألمًا بعد ألم .. لقد عادها أبوها صلى الله عليه وسلم قبل أيام ورأى ما بها وأوصى عثمان الحزين بالمكوث عندها ثم ودعها بعد أن ألقى عليها نظرة الوالد المحب الحاني .. وودعته بعينين حزينتين .. كأني بعينيها تغرقان بالدموع .. تتعلقان بهذا الوالد الذي لا يستطيع البقاء عندها .. ولا يملك لها سوى الدعاء .. استودعها الله وتركها .. ومرارة الوداع في حلقها وقلبها .. ومرارة الوداع في كلماته لعثمان .. وعثمان صابر محتسب .. يفوته الخروج مع حبيبه صلى الله عليه وسلم فيصبر .. وقد تفوته رقية وترتحل عنه .. أي ليلٍ سيخيم على عثمان .. رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صبرًا واحتسابًا .. ابنة في مكة لا يستطيع رؤيتها .. حبيسة الشرك .. وابنة حبيسة المرض .. وأصحاب معدمون يتزاحمون في صفة مليئة بالجوع .. وقريش تسرح وتمرح وتتاجر بأموال أصحابه .. وأمة تحتاج إلى قائد يحملها إلى المستقبل .. وإلى تلك الفرصة ..
قدم صلى الله عليه وسلم حاجة أمته على حاجته .. ومصلحتها على هموم أسرته فخرج .. لكن إلى أين .. ؟ هذا أنس بن مالك يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنعرف منه ما حدث .. إنه يتكلم فلننصت إليه:
الخروج وأسبابه
يقول أنس رضي الله عنه:
(بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان .. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)) (2) ..
(1) قال الراوى بعد هذه الكلمة: لا أدري ما استثنى بعض نسائه .. أي أن بعض نسائه كانت عنده صلى الله عليه وسلم.
(2)
حديث صحيح. رواه مسلم (كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد).
ذهب الصحابي المدعو "بسيسة" في مهمة حددها صلى الله عليه وسلم .. وهى تحسس أخبار القافلة القرشية القادمة من الشام نحو مكة والتي يقودها أبو سفيان بن حرب .. وتحديد طريق سيرها .. وأتم بسيسة مهمته كما ينبغي .. ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فحدثه الحديث .. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتكلم فقال:
"إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة، قال: لا، إلا من كان ظهره حاضرًا) (1).
جاء أبو بكر .. وجاء عمر .. وجاء على .. أما عثمان فاستبقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأمره بالمكوث .. وجاء بقية الصحابة من المهاجرين والأنصار .. وجاء عمر بن الخطاب بابنه الصغير عبد الله فتأمله صلى الله عليه وسلم فوجده طفلًا فأعاده مكسور الخاطر بعد أن كان يحلم بخطوات يسيرها في دروب البطولة والشهادة ..
وجاء طفل آخر اسمه البراء بن عازب .. فأعاده صلى الله عليه وسلم أيضًا .. فراح فيما يتحدث إلى من حوله عن تلك الرفقة العظيمة ويصفها بالإيمان ويتمنى لو سار معها فيقول:
(استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر .. وكنا -أصحاب محمَّد- نتحدث أن عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر .. كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر .. وما جاوز معه النهر إلا مؤمن)(2).
وجاء سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه ومعه فتى صغير اسمه عمير ..
إنه أخوه وهو شجاع مثله .. لكنه كان خائفًا مضطربًا ..
(1) حديث صحيح. رواه مسلم (كتاب الامارة، باب ثبوت الجنة للشهيد).
(2)
حديث صحيح. رواه البيهقي (3/ 36) وهو عند البخاري بلفظ آخر
…
انظر البخاري (3955، 3956، 3957، 3958، 3959)
بل لقد بكى .. فكيف يكون شجاعًا وكيف يرغب في الشهادة وقد انتابه الخوف والبكاء .. تلك قصة عجيبة رويت عن أخيه سعد حيث يقول:
(رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر يتوارى .. فقلت:
مالك يا أخي؟ قال:
إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني، فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة ..
[فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره .. فقال: ارجع .. فبكى عمير فأجازه رسول الله] فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره) (1) كأني بسعد يعقد سيور سِيفه لأخيه ويبتسم .. فيبتسم عمير لمن حوله وللجنة .. قصة مؤثرة ودموع من أجل الشهادة .. وشاب ملأت الجنة روحه وجوانحه .. إنها حال الشباب في أي زمان ومكان تحل فيهما قيادة إسلامية صافية ومخلصة .. لقد اجتاز عمير بن أبي وقاص آخر العقبات في حياته وها هو أمام بوابة مشرعة على الخلود .. عمير من ثمار الرسول صلى الله عليه وسلم .. عمير وغيره .. انظروا إلى هذين .. إنهما صديقان يكبران عميرًا بقليل .. أسدان اسم أحدهما: معاذ بن عمرو بن الجموح واسم الآخر: معاذ بن عفراء ..
(1) ما أريده من هذه القصة هو ما بين المعقوفين أما ما كان خارجهما فسنده ضعيف لأنه من طريق الواقدي كما في الإصابة -ترجمة عمير- وعند ابن سعد (3/ 149) وما بين المعقوفين عند الحاكم (3/ 47) من طريق يعقوب الزهريّ أخبرنا إسحاق بن جعفر بن محمَّد بن عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه .. وهذا السند صحيح ورجاله ثقات لولا أوهام يعقوب بن محمَّد الزهريّ وهو صدوق لكنه لم ينفرد فقد تابعه شيخ البزار في روايته (كشف الأستار 2/ 351) واسمه محمَّد بن قيس. ولعله توبع أيضًا عند البغوي فقد روى الحديث كما قال الحافظ في الإصابة.