الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك .. لكن دماء الحقد المتجمدة الآن في عروق كعب بن الأشرف لا تزال حارةً متدفقة في شرايين بني النضير وغيرهم .. لم يمر سوى زمن يسير حتى:
أعلن يهود النضير وقريظة الحرب
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (إن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم)(1) لكن ما هي:
قصة إجلاء بني النضير
وكيف خانوا وحاربوا، وكيف تصرف رسول صلى الله عليه وسلم معهم ومع خيانة بني قريظة عندما نقضوا تلك الصحيفة التي أجمع عليها يهود المدينة كلهم .. ؟ يحدثنا أحد أصحاب النبي فيقول رضي الله عنه:
(إن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبي بن سلول ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج -ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بالمدينة- قبل وقعة "بدر" يقولون:
إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا فاجتمعوا، وأرسلوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلقيهم في جماعة فقال:
(1) حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ والبيهقيُّ (3/ 183).
لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة "بدر" فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبن خدم نساءكم شىء -هو الخلاخل- فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرًا حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز (1) من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه:
كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلًا؟ أخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فليسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة نفر من أصحابه. واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها -وهو رجل مسلم من الأنصار- فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعًا، حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارَّه بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب، فحاصرهم وقال لهم:
(1) في مكان مرتفع.
إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة -والحلقة: السلاح- فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعهم وأبواب بيوتهم وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله:
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)} وكان نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فأعطاه الله إياها وخصه بها فقال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} يقول: بغير قتال، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم -
أكثرها للمهاجرين وقسمها بينهم ولرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما) (1).
هذه هي قصة يهود بني النضير .. قدموا إلى المدينة بحثًا عن النبي المنتظر فلما بعث هذا النبي وجدوه عربيًا وليس من بني إسرائيل .. كرهوه .. وعاهدوه على مضض ولما حانت لهم الفرصة خانوه ونقضوا كل عهودهم ومواثيقهم معه فعاقبهم الله بالشتات فاستأنفوا رحلة الضياع من جديد بعد أن حاصرهم المسلمون .. فصاروا يخربون بيوتم غيظًا وحسدًا حتى لا يستفيد منها المسلمون .. من بعدهم .. لكن الغيظ القاتل جلل اليهود. ورافقهم عندما وجدوا المسلمين أنفسهم يخربون تلك البيوت ولا يكترثون .. فالمسلمون لم يحاصرا بني النضير من أجل بيوتهم وأموالهم .. بل لأنهم خونة .. وإذا كان اليهود يرون في تلك البيوت ثروة للمسلمين فالمسلمون لا يريدون تلك الثروة ولا يقبلون بقاء الخونة بينهم أو في جوارهم .. بل لقد أقدم المسلمون على تصرف يحرقون به آثار اليهود .. يخبرنا عن ذلك (أحد الصحابة رضي الله عنه في قوله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}
(1) صحح إسناده الإِمام الألباني في كتابه. صحيح سنن أبي داود (2/ 582) حديث (3004) فقد قال: صحيح الإسناد .. وليس كما قال حفظه الله .. فإسناده عند أبي داود: حدثنا محمَّد بن داود بن سفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهريّ عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
…
وهذا الإسناد ضعيف لأن شيخ أبي داود مجهول الحال وهذه هى ترجمته في التهذيب (9/ 154): روى عن عبد الرزاق ويحيى بن حسان، وعنه أبو داود ثم إنه أخطأ في سند هذا الحديث فقد ذكر أن شيخ الزهريّ هو عبد الرحمن بن كعب والذي عند عبد الرزاق (5/ 357) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك .. وهذا الراوي قال عنه الحافظ: فيه نظر (التعجيل 227) أما عبد الرحمن فثقة مع احتمال الانقلاب في الاسم ولمزيد من التفصيل راجع موسوعة السيرة.
قال: يستنزلونهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا، تركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} ) (1) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله .. هذا هو الإِسلام .. وهؤلاء هم المسلمون .. وهذه هي التربية الإِسلامية التي لا
تنحصر بين أروقة المساجد وجدران البيوت .. تربية تنتشر في كل اتجاه وتصاحب المؤمن في كل مكان وتحت أي ظرف .. في أوج الحروب وبين بريق السيوف والدماء يتوقف المسلمون ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحة تصرفهم مع سحوق أو فسيلة نخل .. الإِسلام يربي أصحابه في التعامل مع كل شيء حتى مع جذوع النخل بعد أن أرشدهم إلى التعامل مع جذوع الخيانة وجذورها اليهودية.
غادر اليهود من بني النضير إلى الشام .. إلى غير رجعة .. غادروا يبحثون عن نبي غير عربي يأتيهم حسب رغباتهم ويأتيهم بما يرغبون .. وبقي منهم في المدينة من اختار الله ورسوله ودخل في الإِسلام مكرمًا بين حفاوة المؤمنين .. غادر اليهود فهدأت المدينة .. وعاد إليها المؤمنون بنصر جديد وفرح جديد .. وعاد عثمان إلى بيته فعاد الحنين إلى رقية .. شعر صلى الله عليه وسلم بشوق عثمان وحزنه .. لا بد أنه شعر .. ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بالشعور لمواساة المحتاجين إلى المواساة .. إنه يشع كالحب في المكان والإنسان ..
(1) رواه النسائي (تفسير ابن كثير- سورة الحشر): أخبرنا الحسن بن محمَّد بن عفان، حدثنا حفص بن غياث حدثنا حبيب بن أبي عمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .. وسعيد ابن جبير تابعى مجاهد وثقة معروف وحبيب وحفص بن غياث ثقتان من رجال الشيخين، التقريب (1/ 150 - 189) أما الحسن بن محمَّد بن عفان فالصواب هو: الحسن بن محمَّد عن عفان لأنه لا يوجد شيخ للنسائي بهذا الاسم .. وعفان ثقة وهو من شيوخ الحسن بن محمَّد الزعفراني والحسن هذا ثقة من شيوخ النسائي. انظر التهذيب (7/ 230، 2/ 318 - 415).
ها هو يواسي عثمان .. وها هو يواسي عمر وعليًا أيضًا .. يجعل منهم نسيجًا وأوشاجًا بارعة الجمال .. تعال معي إلى البداية .. إلى بيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم .. فقد كان لعمر بن الخطاب ابنة سماها حفصة .. زوَّجها من أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وكان اسم هذا الصحابي: (خنيس بن حذافة السهمى) وكان أحد المهاجرين إلى
الله ورسوله .. لم يعش خنيس مع حفصة طويلًا لقد توفي في المدينة رضي الله عنه .. وبعد فترة من الزمن حدثت هذه القصة التي يرويها عبد الله بن عمر يحدث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تأيمت حفصة (1) بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمى وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة فقال عمر: أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة بنت عمر فقلت: إن شئت أنكحتك. فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها) (2).
(1) يعني مات زوجها.
(2)
حديث صحيح. رواه البخاري (5122) والبيهقيُّ (3/ 158) واللفظ له.