الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن)(1)(كبشين)(2) .. ووقت العقيقة الأفضل هو قوله صلى الله عليه وسلم: (العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين)(3) وفي يوم جميل بالحَسَن أكل الفقراء وأهل الصفة من العقيقة .. وشاركوا النبي وأهل بيته الاحتفاء بالحسن .. أما الحسن رضي الله عنه فقد أرضعته أمّه فاطمة .. ثم بعث به صلى الله عليه وسلم إلى تلك المرأة الصالحة التي رأت في منامها بشرى ولادة الحسن .. بعث صلى الله عليه وسلم بالحسن إلى أم الفضل .. وها هي تحدّثنا عن رضاعته .. وعن ضربه وعن حبه.
أم الفضل تضرب الحسن
تقول رضي الله عنها: (رأيت كأن في بيتي عضوًا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: خيرًا .. تلد فاطمة غلامًا، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. قالت رضي الله عنها:
فولدت حسنًا فأعطيته، فأرضعته حتى تحرك أو فطمته، ثم جئت به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأجلسته في حجره فبال، فضربت بين كتفيه. فقال صلى الله عليه وسلم:
ارفقي بابني رحمك الله -أو أصلحك الله- أوجعت ابني. قلت: يا رسول الله اخلع إزارك والبس ثوبا غيره حتى أغسله. قال صلى الله عليه وسلم:
(1) حديث صحيح روواه أبو داود (1/ 28) عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، والنسائيُّ عن حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (7/ 164) والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (4/ 265) وأبو يعلى عن أبي الزبير عن جابر (5/ 323) وعن جرير عن قتادة عن أنس (3/ 441) وغيرهم.
(2)
حديث صحيح عند الحاكم وأبي يعلى.
(3)
صحيح الجامع (2/ 759).
إنما يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام) (1)، يرشّ بول الصبي إلَّا إذا صار يأكل الطعام، عند ذلك يغسل بوله .. والحسن ما زال رضيعًا .. ينعم بقلب جده صلى الله عليه وسلم وقبلاته وأحضانه .. يقول أحد الصحابة رضي الله عنه:(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمصّ لسانه أو شفته -يعني الحسن بن علي صلوات لله عليه- وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2).
ذلك الطفل البريء .. ذلك البرد الطهور .. الحسن بن علي رضي الله عنه ملأ قلب النبي صلى الله عليه وسلم وملكه .. تمرّ الأيام فيكبر .. ويزداد شبهه بالنبي صلى الله عليه وسلم .. فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي) (3) .. يكبر الحسن ويكبر حبّه بين حناياه صلى الله عليه وسلم .. فيقول البراء رضي الله عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهمّ إني أحبه فأحبه)(4)، ويبدأ الحسن يلثغ بالكلمات .. يتعثّر في نطقها .. يقلّبها .. يعبث لسانه الصغير بأحرفها فيزداد حسنًا وبهاءً .. ويبدأ الخطو واللعب ويخرج إلى الطريق ليلعب مع الأطفال .. فيراه والده وأبو بكر رضي الله عنهما وهما يمشيان .. فيسرع إليه أبو بكر ويأخذه من فوق
(1) سنده حسن وهو حديث أم الفضل السابق.
(2)
سنده صحيح رواه أحمد (4/ 93) حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا حريز عن عبد الرحمن ابن أبي عوف الجرشي عن معاوية: هاشم بن القاسم ثقة ثبت -التقريب (2/ 314) وحريز أوثق منه التقريب (1/ 159) والتهذيب (2/ 237) وعبد الرحمن بن أبي عوف تابعي كبير ثقة- التقريب (1/ 494) .. ولك أن تتصور مدى الأمانة العلمية لدى رجال هذا السند رغم سلوكيات بعضهم تجاه علي رضي الله عنه .. فمعاوية حاربه .. وحريز ناصبي ومع ذلك يأبى عليهم إيمانهم وصدقهم أن يخفوا مثل هذا الخبر .. وهي شهادة لعلم الجرح والتعديل الإسلامي ونقاده رحمهم الله في التوثيق والجرح ومدى دقتهم في ذلك.
(3)
حديث صحيح رواه البخاري (3752).
(4)
حديث صحيح رواه البخاري (3749).
الأرض ليجعله فوق عنقه ويدلي قدميه الناعمتين على كتفيه .. ويفديه بأبيه ويردّد كلمات تضحك والده عليًا .. يقول أحد الصحابة الذين شاهدوا حب أبي بكر للحسن:
(صلّى بنا أبو بكر العصر، ثم قام وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه أبو بكر، فحمله على عنقه، وقال:
بأبي شبيه النبي
…
ليس شبيهًا بعلي
وعليّ يبتسم) (1)(ويضحك)(2).
ولا يلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ذلك .. إنه ابن حبيبه وصاحبه ونبيّه .. وحبّه من الإيمان وأبو بكر متضلع بالإيمان وحب آل بيته وحب هذا الطفل الجميل .. أبو بكر يفعل ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله بالحسن .. يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعًا الحسن على عاتقه "وهو يقول: اللَّهم إني أحبه فأحبه": وقال: من أحبني فليحبه)(3) لم يكن الحسن فوق عاتق النبي صلى الله عليه وسلم .. كان يحتل قلبه وجسده ومشاعره .. ها هو رجل من الأزد يبلغ الدنيا وصية نبيّه صلى الله عليه وسلم وهو يحتضن الحسن داخل حبوته .. فيقول: (أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعه في حبوته وهو يقول: من أحبّني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب)(4) .. ولم يقتصر الطفل
(1) سير أعلام النبلاء (3/ 249) بسند البخاري وهو عند البخاري (3542).
(2)
حديث صحيح رواه البخاري (3542).
(3)
سنده صحيح رواه أبو داود الطيالسي (732) واللفظ له والترمذيُّ (3783) والزيادة له عن شعبة عن عدي بن ثابت سمعت البراء .. وعدي ثقة من رجال الشيخين -التقريب (2/ 16).
(4)
سنده صحيح رواه البخاري - خلق أفعال العباد (ص)(91) والحاكم (3/ 190) وأحمدُ (5/ 66) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن زهير =
البريء على اقتحام قلبه صلى الله عليه وسلم بل تجاوزت براءته كل ذلك فصار يقتحم على جده صلى الله عليه وسلم صلاته .. ها هو الحسن يدخل على جدّه وهو يصلّى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة رضي الله عنهم .. يركض الحسن .. يلهو داخل المسجد يتّجه نحو جده صلى الله عليه وسلم فيقفز على ظهره الشريف .. ويمتطيه كفارس مغوار .. فماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ .. وما هو رد والده وبقية الصحابة على لهو ذلك الطفل واقتحامه عالم النبي صلى الله عليه وسلم وهو خاشع مع ربه .. يقول أحد الصحابة رضي الله عنهم: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره وعلى عنقه، فيرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعًا رفيقًا لئلا يصرع -فعل ذلك غير مرة- فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت بالحسن شيئًا ما رأيناك صنعته. قال صلى الله عليه وسلم: إنه ريحانتي من الدنيا)(1).
فتعلم الصحابة أن الطفولة عطر جذاب .. وبراءة لا تقاوم .. منحها الإِسلام مساحة من الحب والرحمة والتسامح .. مساحة فسيحة .. فسيحة تمتّع بها الحسن ونعم فيها بطفولته وعفويّته .. وتمتع بها أطفال المسلمين من بعده .. و ..
= ابن الأقمر عن الرجل الأزدي وهذا سند صحيح: زهير تابعي ثقة وليس كما قال الحافظ: مقبول .. (2/ 465) وتلميذه ثقة: التهذيب (5/ 182) وعمرو بن مرة أوثق من الاثنين (2/ 78) ويشهد للحديث ما قبله.
(1)
سنده صحيح رواه أحمد (5/ 51) وابن حبان (15/ 418) والطبرانيُّ (3/ 34) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أخبرني أبو بكرة .. وفي هذا السند مدلسان الحسن ومبارك .. رحمهما الله أما الأول فصرح بالسماع من أبي بكرة رضي الله عنه وأما مبارك فقد توبع عند الطبراني (3/ 34) تابعه إسماعيل بن مسلم فإن كان العبدي فهو ثقة، وإن كان المكي فهو ضعيف.