الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ حَال القَاضِي قَبْلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إلا مَا خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا.
ــ
فصل: ثم يَنْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطَةِ التي يَتَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛ فإن كانت ممَّا يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ، كالأمْوالِ الجافِيَةِ (1)، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها، وإن لم تكنْ كذلك، كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويَكْتُبُ عليها لتُعَرَّفَ (2).
4863 - مسألة: (ثم)
يَنْظُرُ في (حالِ القاضي قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، لم يَنْقُضْ مِن أحْكامِه إلَّا ما خالفَ نَصَّ كِتابٍ أو سُنَّةً أو إجْماعًا) لا يَجِبُ على الحاكمِ تَتَبُّعُ قَضايا مَن كان قبلَه؛ لأنَّ الظاهِرَ
(1) في النسخ: «الحافية» ، والمثبت من المغني 14/ 25.
والجافية: البعيدة النائية.
(2)
في م: «ليعرفها» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صِحَّتُها وصَوابُها، وأنَّه لا يَتَوَلَّى القضاءَ إلَّا مَن كان (1) أهلًا للولايَةِ، فإنْ تَتَبَّعَها، نَظَر في الحاكمِ قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، فما وافَقَ مِن أحْكامِه الصَّوابَ، أو لم يُخالِفْ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجْماعًا، لم يَسُغْ (2) نَقْضُه، [وإن كان مُخالِفًا لأحَدِ هذه الثلاثةِ، وكان في حَقِّ اللهِ تعالى، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، نَقَضَه](3)؛ لأنَّ له النَّظَرَ في حُقُوقِ اللهِ تعالى، وإن كان يَتَعَلَّقُ بحَقِّ آدَمِيٍّ، لم يَنْقُضْه إلَّا بمُطالبَةِ صاحِبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَسْتَوْفِي حَقًّا لمَن لا ولايَةَ عليه بغيرِ مُطالبتِه، فإنْ طلبَ صاحِبُه ذلك، نَقَضَه. وبهذا قال الشافعيُّ، وزاد: إذا خالفَ [قِياسًا جَلِيًّا، نَقَضَه. وعن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، أنَّهما قالا: لا يَنْقُضُ الحُكْمَ إلَّا إذا خالفَ](3) الإِجْماعَ. ثمَّ ناقَضا قولَهما، فقال مالكٌ: إذا حَكَم بالشُّفْعَةِ للجارِ، نَقَض حُكْمَه. وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَم ببَيعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، أو حَكَم بينَ العَبِيدِ بالقُرْعَةِ، نَقَض حُكْمَه. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا حَكَم بالشَّاهِدِ واليمينِ، نَقَض حُكْمَه. وهذه مسائلُ خلافٍ مُوافِقةٌ
(1) في م: «هو من» .
(2)
في م: «يجز» .
(3)
سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للسُّنَّةِ. واحْتَجُّوا على أنَّه لا يَنْقُضُ ما لم يُخالِفِ الإِجْماعَ بأنَّه يَسُوغُ فيه الخِلافُ، فلم يَنْقُضْ حُكْمَه فيه (1)، كما لا نَصَّ فيه. وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ (2)، أنَّه يَنْقُضُ جميعَ ما بان له خَطَؤُه؛ لأنَّ عُمَرَ، رضي الله عنه، كَتَب إلى أبي موسى: لا يَمْنَعنَّكَ قَضاءٌ قَضَيتَه بالأمْسِ، ثم رَاجَعْتَ نَفْسَك فيه اليومَ، فهُدِيتَ لرُشْدِك، أن تُراجِعَ فيه الحَقَّ، فإنَّ الرُّجُوعَ إلى الحَقِّ خيرٌ مِن التَّمادِي في الباطِلِ (3). ولأنَّه خطأٌ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ عنه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ. [وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه وافَقَهما في قَضاءِ نَفْسِه](4). ولَنا، على نَقْضِه إذا خالفَ نَصًّا أو إجْماعًا، أنَّه قَضاءٌ لم يُصادِفْ شَرْطَه، فوَجَبَ نَقْضُه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، وبَيانُ مُخالفَتِه للشَّرْطِ، أنَّ شَرْطَ الحُكْمِ بالاجْتهادِ عَدَمُ النَّصِّ، بدليلِ خبرِ مُعاذٍ (5). ولأنَّه إذا تَرَك الكتابَ والسُّنَّةَ، فقد فَرَّطَ، فوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، أو كما لو حَكَم بشَهادةِ كافِرَينِ. وما قالُوه يَبْطُلُ بما حَكَينا عنهم. فإن قيل: إذا صَلَّى بالاجْتِهادِ إلى جِهَةٍ، ثم بان له الخطأُ لم يُعِدْ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّ اسْتِقْبال القبلةِ يَسْقُطُ حال العُذْرِ
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «داود» .
(3)
أخرجه الدارقطني في سننه 4/ 206، 207. والبيهقي مختصرًا، في: السنن الكبرى 10/ 135، 136. وانظر الكلام عليه في: إرواء الغليل 8/ 241، 242.
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
تقدم تخريجه في صفحة 259.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في حالِ المُسايَفَةِ (1) والخوفِ مِن عَدُوٍّ أو سَبُعٍ أو نحوه، مع العلمِ، ولا يجوزُ له تَرْكُ الحَقِّ [إلى غيرِه](2) مع العلمِ بحالٍ. الثاني، أنَّ الصلاةَ مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، تَدْخلُها المُسامَحَةُ. الثالثُ، أنَّ القبلَةَ يَتَكَرَّرُ فيها الاشْتِباهُ، فيَشُقُّ القَضاءُ، وههُنا إذا بان له الخَطأُ لا يَعُودُ الاشْتِباهُ بعدَ ذلك. وأمَّا إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه مِن غيرِ أن يُخالِفَ نَصًّا ولا إجْماعًا، أو خالفَ اجْتِهادُه اجْتِهادَ مَن قبلَه، لم يَنْقُضْه لمُخالفَتِه؛ لأنَّ الصحابةَ، رضي الله عنهم، أجْمَعُوا على ذلك، فإنَّ أبا بكرٍ حَكَم في مَسائِلَ باجْتهادِه، وخالفَه عُمَرُ، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وعليٌّ خالفَ عُمَرَ في اجْتِهادِه، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وخالفَهما عليٌّ (3)، فلم يَنْقُضْ أحْكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ، رضي الله عنه، سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأعْطَى العبيدَ، وخالفَه عُمَرُ، ففاضَلَ بينَ الناسِ، وخالفَهما عليٌّ، فسَوَّى بينَ الناسِ، وحَرَم العبيدَ، ولم يَنْقُضْ أحَدٌ منهم ما فَعَلَه مَن قبلَه (4). وجاءَ أهلُ نَجْرانَ إلى عليٍّ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، كتابُك بيَدِك، وشَفاعَتُك بلسانِك. فقال: وَيحَكُمْ، إنَّ عُمَرَ كان رَشِيدَ الأمرِ، لا (5) أرُدُّ قَضاءً قَضَى به
(1) في الأصل: «المسابقة» .
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
أخرجه البيهقي، في: السنن الكبرى 6/ 348. وانظر ما تقدم في: 10/ 334.
(5)
في م: «ولن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمَرُ. رَواه سعيدٌ (1). ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ حَكَم في المُشَرَّكَةِ بإسْقاطِ الإِخْوةِ مِن الأبَوَين، ثم شَرَّكَ بينَهم بعدُ، وقال: تلك على ما قَضَينا، وهذه على ما قَضَينا (2). وقَضَى في الجَدِّ بقَضايا مُخْتَلِفةٍ، ولم يَرُدَّ الأُولَى (3). ولأنَّه يُؤَدِّي إلى نَقْضِ الحُكْمِ بمِثْلِه، وهذا يُؤَدِّي إلى أن لا يَثْبُتَ الحُكْمُ أصْلًا؛ لأنَّ الحاكمَ الثانيَ يُخالِفُ الذي قبلَه، والثالثَ يُخالِفُ الثانيَ، فلا يثْبُتُ حُكْمٌ. فإن قيل: فقد رُوِيَ أنَّ شُرَيحًا حَكَم في ابْنَيْ عمٍّ، أحدُهما أخٌ للأُمِّ، أنَّ المال للأخِ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، رضي الله عنه، فقال: عليَّ بالعبدِ. فجئَ به، فقال: في أيِّ كتابِ اللهِ وَجَدْتَ ذلك؟ فقال: قال اللهُ تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} (4). فقال له عليٌّ: فقد قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} (5). ونَقَض حُكْمَه (6). قُلْنا: لم يَثْبُتْ عندَنا أنَّ عليًّا نَقَض حُكْمَه، ولو ثَبَت فيَحْتَمِلُ أن يكونَ على اعْتِقادِ أنَّه خالفَ نَصَّ الكتابِ في الآيةِ التي ذَكَرَها، فنَقَضَ حُكْمَه لذلك.
(1) وأخرجه البيهقي، في: السنن الكبرى 10/ 120.
(2)
أخرجه البيهقي في الموضع السابق.
(3)
انظر ما أخرجه الدارمي، في: باب في قول عمر في الجد، من كتاب الفرائض. سنن الدارمي 2/ 354.
(4)
سورة الأنفال 75.
(5)
سورة النساء 12.
(6)
أخرجه سعيد بن منصور، في: سننه 1/ 64. والبيهقي، في: السنن الكبرى 6/ 239، 240.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه قبلَ الحُكْمِ، فإنَّه يَحْكُمُ بما تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليه، ولا يَجُوزُ أن يَحْكُمَ باجْتِهادِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إذا حَكَم به فقد حَكَم بما يَعْتَقِدُ أنَّه باطِلٌ، وهذا كما قُلْنا في مَن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في القبلةِ بعدَ ما صَلَّى لا يُعِيدُ، وإن كان قبلَ أن يُصَلِّيَ، صَلَّى إلى الجهةِ التي تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليها. وكذلك إذا بان فِسْقُ الشُّهُودِ قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهم، لم يَحْكُمْ بها، ولو بان بعدَ الحُكْمِ، لم يَنْقُضْه.