الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَر، أوْ مَرَض لَا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطعَمَ
ــ
تعالى.
وقد نُقِلَ من أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ العامَ، وعليه حَجَّةُ الإِسلام، رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، تُجْزِئُه حَجَّةُ الإِسْلامِ عنها وعن نَذْرِه. نَقَلَها أَبو طالِبٍ. والثَّانيةُ، يَنْعَقِدُ نَذْرُه مُوجِبًا لحَجَّةٍ غيرِ حَجَّةِ (1) الإِسْلامِ، ويَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَقْضِي نَذْرَه. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأنَّهما عِبادَتان تجِبانِ بسَبَبَين (2) مُخْتَلِفَين، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأخرَى، كما لو نَذَر حَجَّتَين. ووَجْهُ الأولَى، أنَّه نَذَر عِبادَةً في وقتٍ مُعَيَّن، وقد أتَى بها فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: للهِ عليَّ أن أصومَ رمضانَ.
فصل: فأمَّا إن قال: لله عِليَّ أن أصومَ شهرًا. فنَوَى صيامَ شهرِ رمضانَ لنَذْرِه ورمضانَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ شَهْرَ رمضانَ واجِبٌ بفَرْضِ اللهِ تعالى، ونَذْرُه يَقْتَضِي (3) إيجابَ شهر، فيَجِبُ شَهْران بسَبَبَين، فلا يُجْزِئُ أحدُهما عن الآخَرِ، كما لو نَذر صومَ شَهْرَين، وكما لو نَذَر أن يُصَلِّيَ ركعتَين، لم تُجْزِئْه صلاةُ الفَجْرِ عن نَذْرِه وعن الفجرِ.
4814 - مسألة: (وإن نَذَر صيامًا، فعَجَز عنه لكِبَر، أو مَرَض
(1) سقط من: م.
(2)
في الأصل: «بشيئين» .
(3)
في الأصل: «يقضي» .
عَنْهُ لكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا. وَيَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولَا شَيْءَ عَلَيهِ.
ــ
لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطْعَم عنه لكلِّ يَوْم مِسْكِينًا. ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شَيْءَ عليه) مَن نَذَر طاعَةً لا يُطيقُها، أو كان قادِرًا عليها فعَجَزَ عنها، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لِما روَى عُقْبةُ بنُ عامِر، قال: نَذَرَتْ أخْتي أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ حافِيَةً، فأمَرَتْنِي أن أسْتَفْتِيِ لها رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاسْتَفْتَيتُه، فقال:«لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» . مُتَّفقٌ عليه (1). ولأبي داودَ (2): «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» . وللتِّرْمِذِيِّ (3): «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام» . وعن عائشةَ، رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» (4). قال: «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» . رَواه أبو داودَ (5)، وقال: وَقَفَه مَن رَواه عنِ ابنِ
(1) أخرجه البُخاريّ، في: باب من نذر المشي إلى الكعبة، من كتاب المحصر وجزاء الصيد. صحيح البُخاريّ 3/ 25. ومسلم، في: باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، من كتاب المنذر. صحيح مسلم 3/ 1264.
كما أخرجه أبو داود، في: باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، من كتاب الأيمان والنذور. سنن أبي داود 2/ 210. والنَّسائيُّ، في: باب من نذر أن يمشي إلى بيت الله، من كتاب الإيمان والنذور. المجتبى 7/ 18، 19. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 152.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 178.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 171.
(4)
تقدم تخريجه في صفحة 184.
(5)
في: باب من نذر نذرًا لا يطيقه، من كتاب الإيمان والنذور. سنن أبي داود 2/ 216.
كما أخرجه ابن ماجة، في: باب من نذر نذرًا لم يسمه، من كتاب الكفارات. سنن ابن ماجة 1/ 687. والدارقطني، في: كتاب النذور. سنن الدارقطني 4/ 159.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عباس. وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين، ومن نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُه، فَلْيَفِ بما نَذَر (1). فإذا كَفَّرَ، وكان المَنْذُورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ. وإن كان صِيامًا. فعن أحمدَ رِوايَتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يوم إطْعامُ مِسْكِين. قال القاضي: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجابِه عَينًا (2)، فإذا عَجَز عنه، لَزِمَه أن يُطْعِمَ عن كلِّ يوم مِسْكينًا، كصومِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِي يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلام الله تعالى، ولو عَجَز عن الصومِ المَشْرُوعِ، أطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كذلك إذا عَجَز عن الصومِ المَنْذُورِ. والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيء آخَرُ مِن إطْعام ولا غيرِه؛ لقَوْلِه:«مَنْ نَذَرَ نَذرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» . وهذا يَقْتَضي أن تكونَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ جميعَ كفَّارَتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عَجَز عن الوَفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كَفّارَةَ يَمِين، كسائرِ النَّذْرٍ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ اليَمِينِ، إلَّا مع إمْكانِ الوَفاءِ به إذا كان قُرْبَة، ولا يَصِحُّ قياسُه على صومِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛
(1) انظر حاشية الدارقطني.
(2)
في م: «عبثًا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُهما، أنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجز بالموتِ، فكذلك في الحياةِ، [وهذا بخِلافِه](1). والثَّاني، أنَّ قياسَ المَنْذُورِ على المَنْذُورِ أوْلَى مِن قياسِه على (2) المَفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ؛ لأنَّ هذا قد وَجَبَت فيه كفَّارَة، فأجْزَأت عنه، بخلافِ المشْروعِ. [وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ. قُلْنا: وليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذُور مُعَيَّن. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفَّارَة في العَجْزِ عنه، كما لو عَجَز عن الواجِبِ بأصْلِ الشرْعِ] (1).
فصل: وإن عَجَز [عن الصومِ](3) لعارِض يُرْجَى زَوالُه، مِن مَرَض، أو نحوه، انْتَظَر زَواله، ولا تَلْزَمُه كَفَّارَة ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ
(1) سقط من: م.
(2)
في الأصل: «من» .
(3)
زيادة من: ق، م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوقْتُ، فيُشْبِهُ المرِيضَ في شهرِ رمضانَ، فإنِ اسْتَمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكَفَّارَة والفِدْيَةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخلافِ فيه. فإن كان العَجْزُ المَرْجُوُّ الزَّوال عن صوم مُعَيَّن فاتَ وَقْتُه، انْتَظَر الإمْكانَ ليَقْضِيَه. وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كَفَّارَةٌ؟ علي رِوايَتَين، ذَكَرَهما أبو الخَطَّاب؛ إحداهما، تَجِبُ الكفَّارَةُ؛ لأنَّه أخَلَّ بما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فعَجَز، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ هذا الشهرَ [فأفْطَرَه لعُذْرٍ](1)، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، كذا ههُنا. والثَّانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتَى بصِيام أجْزَأ عن نَذْرِه مِن غيرِ تَفْرِيطِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو صامَ ما عَيَّنَه.
فصل: فإن نَذَر غيرَ الصيامِ، فعَجَز عنه، كالصَّلاةِ ونحوها، فليس عليهْ إلَّا الكفَّارَةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَجْعَلْ لذلك بَدَلًا (2) يُصارُ إليه، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ؛ لمُخالفَتِه نَذْرَه فقط. وإن عَجَز عنه لعارِض، فحُكْمُه حكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناهُ.
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «حدا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن نَذَر صِيامًا، ولم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم يَنْوه، أجْزَأه صومُ يوم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلّ مِن يوم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ. فإن نَذَر صلاةً مُطْلَقَةً، ففيها رِوايَتان؛ إحداهما، تُجْزِئُه ركعةٌ. نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ ركعةٌ، فإن الوترَ صلاة مَشْرُوعَةٌ، وهي ركعةٌ واحدة. ورُوِيَ عن عمرَ، رضي الله عنه، أنَّه تَطَوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ (1). والثَّانيةُ، لا يجزِئُه إلَّا ركعتان. ذَكَرَها الْخِرَقِيُّ. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكعتان، فوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه، وأمَّا الوتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فَرْضٌ، فحَمْلُه على المَفْرُوضِ أوْلَى، ولأنَّ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِئ في الفَرْضِ، فلا تجْزِئُ في النَّفْلِ، كالسَّجْدَةِ. وللشَّافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين. فأمَّا إن عَيَّنَ بنَذْرِه عَدَدًا، لَزِمَه، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بقَوْلِه، فكذلك عَدَدُه، فإن نَوَى عَدَدًا، فهو كما لو سَمَّاه؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكْمُه، كاليَمِينِ.
فصل: وإن نَذَر صومَ الدَّهْرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ،
(1) تقدم تخريجه في صفحة 44.